محمد سمحان

يعج ديوان الشعر العربي بقصائد الغزل بكل أنواعه، لكن هذا الشلال المتدفق يتوقف حال دخول الحبيبات إلى قفص الزوجية، أو حدوث الوصال، فيضمحل هذا الشلال، وتتوقف نيران الوجد عن الاشتعال، ويدخل الشعر والملهِمة في حالة من الصمت والظلال، إذ نادرا ما نعثر على قصيدة لشاعر عربي يتغزل في زوجته التي كتب فيها قصائده قبل الزواج. ونادرا ما نقرأ شعرا في رثاء زوجات غادرن الحياة الدنيا وتركن أزواجهن فريسة الوحدة والحزن.

لكننا في ها العصر الذي نعيش، قرأنا بعض القصائد لقلة من الشعراء الذين رثوا زوجاتهم، مثل الشاعر عبد المعين الملوحي، ومحمد مهدي الجواهري، ونزار قباني، وخالد فوزي عبده، ومحمد البياسي.

وفي هذه المقالة، سأتناول ثلاثة من الشعراء السوريين، الذين رثوا زوجاتهم، واشتهرت قصائدهم، ولعل الصدفة جاءت بأسماء زوجاتهم مبتدئة بحرف الباء: بهيرة (الملوحي)، وبلقيس (قباني)، وبشرى (البياسي). وقد توفيت زوجتا الملوحي والبياسي بالسرطان، بينما توفيت زوجة قباني في حادث انفجار السفارة العراقية في بيروت في الربع الأخير من القرن الماضي. وأدى موت بهيرة إلى ردة فعل قاسية ومتطرفة ذهبت بزوجها الملوحي إلى حالة من الكفر بالله، وساقه هذا التطرف إلى إنكار وجود الله أصلا، ومن ثم إلى اتهامه لزوجته بخيانته لأنها ماتت وتركته (عاد وتاب واستغفر في رثائيته لابنته «ورود»)، ثم لم يأتِ على ذكرها بعد ذلك.

أما موت بلقيس فقد أدى إلى كفر نزار قباني بأمته العربية، فصبّ جام غضبه عليها، متهما إياها بالجاهلية والعصبية القبلية، والتطرف والرغبة في القتل والانتقام. ولم يأت على ذكرها كما فعل الملوحي. في حين تَقبّل البياسي موت زوجته، بإيمان عميق بقضاء الله وقدره، ووجّه حزنه وغضبه إلى نفسه، متهما ذاته بالتقصير في رعايتها والمكوث إلى جانبها، علما أنه لم يكن كذلك، وما زال يرثيها بأشعاره حتى الآن.

بدأ الملوحي قصيدته بتصوير مشهد تراجيدي، يجتمع فيه الإله مع جنوده متضاحكين متشفّين، بعد أن أجهزوا على «بهيرة»، ودفنوها وتخلّصوا منها، ثم يطوف الشاعر بالمتلقي في مجموعة من المشاهد التي رافقت قصة موت زوجتها وآلامها، ومعاناتهما من خلالها، مستذكرا قصة حبهما، دون أن ينسى التشهير والكفر بكل شيء، بدءاً من مرآة غرفة نومهما في «إهدن» في جبال لبنان، إلى الشمس التي لم تأبه بموت «بهيرة»، إلى الأرض التي لم تكفّ عن الدوران، والعالم الذي استمر بعد موتها وكأن شيئا لم يحدث.

لكن رثائية «بهيرة» قد طوفت الآفاق، وتناقلها المثقفون اليساريون، والشيوعيون منهم خاصة، لاعتبارهم إياها بياناً فكرياً سياسياً يساوي بين الخالق الذي ينكرون دوره أو ينكرون وجوده أصلا، وبين النظم والسلطات السياسية في أوطانهم، التي قتلتهم أو رمتهم في غياهب السجون أو شردتهم في أصقاع الأرض. ذلك أن الملوحي استغل رثائيته، للتأكيد على انتمائه للحزب الشيوعي، ولبثّ أفكاره وآرائه من خلال قصيدته، مما جعلها تجنح إلى الخطابية والمباشرة والتقريرية، على حساب الشروط الفنية الشعرية.

يقول الملوحي في مطلع قصيدته:

«إن كنتُ أخطأتُ الصواب وما أظن فأخبريني

ماذا لقيتِ لدى التراب وما حقيقة كل دينِ».

ثم يذهب إلى لومها وتعنيفها، لأنها استسلمت للمرض ولم تقاوم الموت:

«ما الداء لو لم ترتمي للداء خاضعةً إليه

لم لم تهبي حين حلّ الداء واثبة عليه

والشمس ما زالت تغيب كما تغيب وتشرق

والغصن يزهو حيث يلثمه الربيع فيورق

والغرفة الزرقاء في هضبات (إهدن) لا تبالي

ساءلتها عنها وعن أسرار هاتيك الليالي

فوجدتُها خرساء مدت في غباء ساعدَيها

كالمومس العمياء من تسمع تخلْه رَنا إليها».

إلى أن ينهي قصيدته بقوله

«أبهيرتي؛ قالوا لنا ما هكذا عُرف الرثاء

قولي لهم بل إنها نار بها احترق البكاء

صور ملونة يداعب طيفها أعماق نفسي

من ثورة وتمرد طاغ، ومن ضعف ويأسِ».

أما نزار قباني، والذي ذهبت بلقيسه ضحيةَ التصارع بين شقَّي حزب البعث (العراقي والسوري) القوميين، وبين ما يحمله هو من أفكار قومية ناصرية تميل إلى الجناح العراقي في الصراع، فقد وجد في مقتل بلقيس فرصة لصبّ جام غضبه على العروبة، التي يدّعيها «البعث»، والتي أدت إلى احترابٍ راح ضحيته كثيرون من أعضاء الحزبين والأبرياء. مما جعل قصيدته تذهب مذهبَ قصيدة الملوحي، في خطابيتها وتقريريتها ومباشرتهاـ على حساب الشروط الفنية الشعرية أيضا.

يقول نزار في مطلع رثائيته:

«شكراً لكم شكراً لكم

فحبيبتي قُتلت وصار بوسعكم أن تشربوا كأساً على قبر الشهيدة

وقصيدتي اغتيلت وهل من أمّة في الأرض إلّا نحن تغتال القصيدة».

ثم يعود إلى طبيعته الشعرية، في زج ألفاظ الغزل والعشق والغرام، في وصف بلقيس:

«بلقيس كانت أجمل الملكات في تاريخ بابل

كانت إذا تمشي ترافقها طواويس وتتبعها أيائل».

ثم يقول:

«قتلوك يا بلقيس، أيّة أمّة عربية تلك التي تغتال أصوات البلابل

بلقيس ليست هذه مرثية، لكن على العرب السلام».

ويعود بنا الشاعر إلى بيتهما وحياتهما المفعمة بالحب والحنان، وإلى عتابها لأنها تركته مِن بعدها وحيدا، وإلى اعتبار أن أبا لهب هو رمز العرب والعروبة. ولا ينسى أن يزج بقضية فلسطين في رثائيته، وأن يشير إلى تقصير العرب وانشغالهم عنها بصراعاتهم الداخلية وفي ما بينهم.

أما البياسي فقد كان يعلم بمرض زوجته «بشرى»، وكان ينتظر خبر موتها بين الفينة والأخرى، وقد شاركها آلامها وأوجاعها وإيمانها العميق بقضاء الله وقدره وتقبّلها لمصيرها المحتوم، مما أدى إلى شحنه بهذه الطاقة الروحية، التي تجلت في أكثر من مقطع وموقف في رثائيته لها، فكتب في رثائها شعراً لم يخرجه عن أطواره، ولم يفقده إيمانه، ولم يذهب به إلى ما ذهب إليه حزن كلّ من الملوحي وقباني، من كفر صريح بالذات الإلهية أو بالأمة العربية، لكنه بعد موت «بشرى» اكتفى بأنْ كفرَ بعدها بالنساء وعزف عن الزواج، ولم يُخرجه حزنه عن المتطلبات الفنية للعملية الشعرية ولم يدفعه إلى المباشرة والتقريرية والمنبرية، فجاءت قصيدته عفوية سلسة هادئة الحزن عميقة التأثير.

يبدأ البياسي رثائيته، بذكر وتذكّر عشّ الزوجية الذي تهاوى وانهدم فيقول:

«ترتدي وحشة وتمسي قبورا

حين تخلو من ساكنيها البيوتث

طحنتني بقبضتيـــــها المآسي

واجتباني دون العباد القنوتُ

فـــات عمــرٌ قضيتُه في هواها

كيف قلْ لي في لمح عينٍ يفوتث

وبنــينا ثم انقضى ما بنـــــــينا

إنّ للريـــح ما بنى العنكبوتث

فشــفى نفسي إذ تذكّرت بشرى

أنــــني من بعدها سأموتُ».

ثم يأخذنا إلى قبرها فيقول:

«عم صباحاً يا قبرها عم صباحا

عم مساء عم غدوة عم رواحا».

ثم يخاطب قبر «بشرى» فيقول:

«لا تكن مثلي ضيّق الصدر مثلي

بل تفتّح حفاوة وانشراحا

إنْ تكن مَن أُسكِــنـَتْ إليك بخير

هدأ القلب المبتلى واستراحا».

وهو لا يكفّ عن توجيه اللوم إلى نفسه، وتقريعها على ما قصّره بحق زوجته من رعاية وحماية وهي ترقد في المشفى، لتلقي العلاج الذي لا جدوى منه في مواجهة السرطان، إلى أن ينقل حزنه ويعكسه على كل ما حوله فيقول:

«عالقٌ هذا الليل في كل شيء

ليس للشمس بعده من طلوع

سهــري بين هدأةٍ والتفــــات

وخيال يدور بين الشموع

لم أزل أبكي فقدَ بشرى ولكن

بدمي أبكي الآن لا بدموعي

كلما مرت لحظة منذ غابت

مددَ الشوقُ نارَه في ظلوعي».

وينهي البياشي رثائيته بقوله:

«ليس لي غير الموت حلّ فما من

عودةِ تُرتجى ولا من رجوعِ».

وهكذا نرى إلى التباين في الموقف وفي الشعرية، لدى هلاء الشعراء الثلاثة، في مواجهة موت أزواجهم، وفي ردود أفعالهم، وفي التعبير عن هذا الموت.