الرأي - رصد

من مدينة درعا الواقعة جنوب غربي سوريا، انطلقت أولى مظاهرات الاحتجاج والدعوة إلى التغيير في سوريا قبل أكثر من سبع سنوات وهي الآن آخر المعاقل التي تسيطر عليها المعارضة، وهي في طريقها إلى العودة لسيطرة القوات الحكومية التي بدأت بشن عمليات عسكرية مكثفة منذ أيام قليلة.

وبين عامي 2011 و2018 جرت مياه كثيرة وتغيرت سوريا على كافة الصعد مرات عديدة.

وأطفال درعا الذين كتبوا على الجدران "الشعب يريد إسقاط النظام" قد يكونون الآن في عداد الموتى أو صاروا رجالا موزعين بين نازح أو مهاجر أو لاجىء في المنافي.

مكاسب سريعة

منذ أيام قليلة بدأت القوات الحكومية وبدعم من الطيران الروسي بعملية عسكرية كبيرة وحققت مكاسب كبيرة خلال فترة قصيرة ولن يتأخر النظام كثيرا في استعادة السيطرة على المحافظة التي تبلغ مساحتها الاجمالية نحو 3.7 ألف كم مربع.

وتسيطر المعارضة على 70 في المئة من محافظة درعا ولا يزال حوالي 700 ألف شخص يعيشون في هذه المناطق.

وتسبب المعارك الأخيرة بنزوح عشرات الآلاف نحو الحدود مع الأردن بحثاً عن الأمان.

وأكد الأردن أنه لن يفتح حدوده أمام الفارين من لهيب المعارك ولن يستقبل أي لاجىء جديد حسب تصريحات المسؤولين الأردنيين.

ومع تأكيد الإدارة الأميركية أنها لن تتدخل في المعارك الدائرة في جنوب سوريا وأن على مقاتلي المعارضة التصرف كما تقتضي مصلحتهم، بات ظهر هؤلاء مكشوفا أمام القوات الحكومة ولن يصمدوا طويلاً في وجه الألة العسكرية الحكومية التي تعمل تحت غطاء الطيران الروسي، ومع انقطاع المساعدات التي كانت تقدمها لهم الولايات المتحدة.

كانت المناطق الخاضعة لسيطرة المعارضة في درعا والقنيطرة من بين مناطق خفض التوتر الأربعة التي اتفقت عليها روسيا وتركيا وإيران في العاصمة الكازاخية الآستانة قبل أكثر من عام وتوقفت المعارك في محافظة درعا إلى حد بعيد وغاب الطيران الحكومي المقاتل عن سماء المنطقة حتى إندلاع المعارك الحالية.

سيناريو مكرر

عدد هذه المناطق تراجع من أربع إلى اثنتين بعد سيطرة الحكومة على منطقتين منها (الغوطة الشرقية قرب دمشق والرستن ما بين مدينتي حماه وحمص وسط سوريا).

وتواجه درعا الآن نفس السيناريو الذي اتبعته القوات الحكومية والروسية في التعامل معها بعد أن أدت الغرض منها كما صرح وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف مؤخرا.

ويتضمن هذا السيناريو ممارسة ضغط عسكري يتصاعد تدريجيا ضد قوات المعارضة والمجتمع المحلي الذي يحتضنها، مع فتح باب التفاوض مع المعارضين سواء عبر وسطاء أو مباشرة وتنتهي غالباً باستسلام من يريد البقاء في المنطقة التي ستؤول للسيطرة الحكومية ورحيل من يرفض إلى المناطق التي تسيطر عليها المعارضة في الشمال ( ادلب وريف حلب).

ورغم أن الأردن، أحد أطراف اتفاق حفض التصعيد في هذه المنطقة إلى جانب الولايات المتحدة وروسيا، بذل جهوداً كبيرة للابقاء على الإتفاق ومنع انهياره، لكنه فشل في ذلك.

وحتى قبل التوصل إلى اتفاق خفض التصعيد طبقت روسيا هذا السيناريو، الذي أثبت فعاليته على أرض الواقع، على الجزء الشرقي من مدينة حلب آواخر عام 2016 وانتهى بخروج آلاف المقاتلين وعشرات الآلاف من المدنيين إلى محافظة إدلب المجاورة في اطار اتفاق بين روسيا وتركيا بعد غارات جوية مكثفة وحصار خانق.

إغلاق تام

وتشير التصريحات الأخيرة للمسؤولين الأردنيين إلى أن اهتمام الجانب الأردني ينصب على منع تدفق مزيد من اللاجئين السوريين إليه أولا والتوصل الى اتفاق ما بحيث يمكن اعادة فتح الطريق البري والمعبر الحدودي بين البلدين.

كما يرغب الأردن بتحقيق نوع من الاستقرار والأمن في هذه المنطقة وبالتالي عودة أكبر عدد ممكن من اللاجئين السوريين المقيمين على أراضيه، مما يخفف الأعباء التي يتحملها خاصة في ظل تراجع الدعم الدولي لهؤلاء اللاجئين حسب قول مسؤولي الأردن.

وصرح رئيس الوزراء الأردني عمر الرزاز، أن بلاده لن تستقبل لاجئين جدداً من سوريا تحت أي ظرف.

وقال الرزاز في تصريحات صحفية: "إن الأردن استقبل لاجئين أعلى من قدرته ولن يتمكن من استقبال مزيد منهم". وأضاف أن "الحدود الأردنية محكمة السيطرة ومنيعة ولا خوف عليها بفضل الجيش الأردني والقوات المسلحة".

ويستضيف الأردن نحو 650 ألف لاجئ سوري مسجلين لدى الأمم المتحدة، في حين أن الرقم الإجمالي للسوريين الذين نزحوا إلى الأردن منذ بدء الأزمة في يبلغ 1.3 مليون شخص.

كما أن عودة فتح الطريق البري بين الأردن وسوريا والذي يمر عبر محافظة درعا ستكون له أثار إيجابية على الاقتصاد الأردني.

يذكر أن الأردن هو الممر البري الاجباري للصادرات اللبنانية والتركية المتجهة إلى دول الخليج والقارة الأفريقية.

وتتحدث بعض الأوساط عن نية روسيا فتح المعبر الحدودي بين سوريا وتركيا والواقع قرب مدينة إعزاز في ريف حلب الشمالي وصولا الى مدينة حلب عبر الطريق الذي يعرف محليا باسم "اوتوستراد غازي عنتاب" مما يسمح لروسيا بالوصول إلى سوريا براً عبر تركيا.

ومع استكمال سيطرة الحكومة على محافظة درعا سواء عبر إلحاق الهزيمة العسكرية بمقاتلي المعارضة أو التوصل الى تسوية ما، ستصبح درعا التي كان نشطاء المعارضة يطلقون عليها "مهد الثورة"، شاهدا على طي صفحتها دون ضجيج وسط قبول وتسليم المجتمع الدولي بانتصار بشار الأسد وبقائه في الحكم الى أجل آخر.

سيحكم الأسد بلدا نصف سكانه ما بين نازح ولاجىء وكلفة بناء ما دمرته سنوات الحرب تقارب 300 مليار دولار، وهو بلد محدود الموارد أصلا وبالكاد كان قد حقق نوعا من الاكتفاء الذاتي الغذائي قبل اندلاع الاضطرابات.

بي بي سي عربي