عبدالعليم الحجار *

غُدّتك الدرقية توجد في رقبتك ،تحت الجلد مباشرة من الجهة الأمامية، وتحديدا أمام القصبة الهوائية وأسفل الحنجرة بمسافة قصيرة، وهي تشبه في شكلها التشريحي فَرَاشَة باسطة جناحيها ، ولونها بني مشوب بالاحمرار وتتألف من فصين متماثلين تقريبا، وتشتمل في بطانتها على عشرات الملايين من الخلايا الكيسية (الجرابية) المسؤولة عن إفراز الهورمونات.

ولتلك «الفراشة» إفرازات بالغة الأهمية لعدد من وظائف الجسم الحيوية، وهي الوظائف التي يعتريها الخلل إذا حدث في تلك الإفرازات زيادة أو نقصان نتيجة لإصابة أنسجة أو خلايا «الفراشة» بالتهابات أو أورام معينة.

لكن على عكس الفراشة الحقيقية التي تطير وتهبط مرة تلو الأخرى، فإن هذه «الفراشة» الدرقية إذا «طارت» فإن تلك تكون أول وآخر مرة تطير فيها... إذ يكون «طيرانها» عندما يتم استئصالها جراحيا.

فإلى تسليط مزيد من الضوء على «فراشتك التي في رقبتك»...

وظيفتها...

وتركيبها النسيجي

الغدة الدرقية هي واحدة من أهم الغدد في الجسم البشري، وهي من الغدد الصماء، إذ إنها تصب إفرازاتها في الدم مباشرة من دون الحاجة إلى أى قنوات أو أنابيب ناقلة. وتقوم الغدة الدرقية بإفراز صيغ متعددة من الهورمونات الضرورية لعمليات التمثيل الغذائي والنمو، وهي الهورمونات التي تفرزها خلايا كيسية خاصة توجد ضمن نسيج تلك الغدة.

ووظيفة الغدة الدرقية هي إفراز هورمون الثايرويد الذي له شكلان، ألا وهما: هورمون الثيروكسين (T4)، وهورمون ثالث يود الثيرونين (T3).

ومن ناحية التركيب التشريحي النسيجي، تحتوي الغدة الدرقية على ما يتراوح بين 20 مليونا و30 مليونا من الأكياس الصغيرة التي تسمى الجُرَيباتُ الدَّرَقِيَّة. وفي داخل كل كيس من تلك الأكياس توجد الخلايا الجريبية التي تتنوع في أشكالها وأنماطها وفقا لوظيفة كل شكل منها. وهذه الجريبات أو الأكياس الدرقية تغذيها شبكة معقدة من الشعيرات الدموية والأوعية اللمفية التي تسمح بتبادل المواد بين الدم والجريبات.

ولهورمونات الغدة الدرقية تأثيرات فسيولوجية عدة، لكن أهمها هو زيادة فعالية عملية التمثيل الغذائي (الاستقلاب) في جميع أنسجة الجسم، وبالتالي فإنها تسهم في تسريع وتيرة استهلاك الجسم للطعام لتوليد الطاقة، وهو الأمر الذي يساعد بدوره في تحفيز وتيرة النمو البدني والذهني، خصوصا لدى الأطفال.

التهابها... وأعراضه

‏من الممكن أن ينشأ التهاب الغدة الدرقية عن حالات متنوعة. وأكثر أنواع التهاب الدرقية ‏شيوعاً هو مرض مناعي ذاتي يسمى مرض هاشيموتو.‏ فبسبب ذلك المرض، تهاجم خلايا جهاز المناعة ومعها الأجسام المضادة الخلايا ‏التي في الغدة الدرقية. وفي الأسابيع أو الشهور القليلة الأولى من نشوء مرض هاشيموتو، تكون هناك فترة موقتة من فرط النشاط الدرقي ‏تتبعها شهور عديدة من قصور النشاط الدرقي. ولدى بعض المرضى قد تكون مرحلة قصور النشاط الدرقي مستدامة.

‏وهناك حالة الالتهاب الدرقي التي تتبع انتهاء مرحلة الحمل، وهي الحالة التي تسمى «الالتهاب الدرقي لما بعد الولادة»، وهي تحدث لدى 5 في المئة تقريبا من جميع النساء، و25 ‏ في المئة من النساء المريضات بالنوع الأول من مرض السكري خلال العام الأول بعد الولادة.

‏وثمة حالة أخرى أقل شيوعا تسمى الالتهاب الدرقي تحت الحاد، وفيها تكون الغدة الدرقية مؤلمة ومتورمة، وقد يحدث ‏كل من فرط النشاط الدرقي وقصور النشاط الدرقي بصفة موقتة. وعادة ما تشفى الحالة بعد أسابيع أو شهور قليلة. وقد تتسبب عن عدوى فيروسية تصيب الغدة الدرقية، وتحدث عادة إثر عدوى ‏تصيب الجزء العلوي من الجهاز التنفسي.

‏أما في ما يتعلق بأعراض التهابات الغدة الدرقية فإنها تتفاوت استنادا إلى نوع الالتهاب، كما أنها تتغير بمرور الوقت. فمرض هاشيموتو يسبب عادة تورما بالغدة الدرقية الذي يمكن أن يسبب تورما ظاهرا في الرقبة أو نادرا ما يعوق البلع أو التنفس.

‏وبالنسبة لـ«الالتهاب الدرقي تحت الحاد»، فإنه يمكن أن يسبب ألما في الغدة الدرقية ذاتها كما يمكن أن يكون الألم محسوسا حول الفك أو الأذنين أو مؤخرة الرأس. ومن الشائع أيضا حدوث حمى وإعياء في حالات الالتهاب الدرقي تحت الحاد.

وتستمر تلك الأعراض عادة لمدة شهور عدة، لكنها غالبا ما تنحسر بعد ذلك تدريجيا.

مُسببات تضخمها

تضخم الغدة الدرقية هو انتفاخ في الرقبة بسبب تضخم الغدة الدرقية. وهناك أربعة أنواع رئيسية لذلك التضخم، وهي: البسيط، والقرني، واللمفي الغداني، والسام.

ويمكن أن يصيب تضخم الدرقية جميع الفئات العمرية وكلا الجنسين، لكن فرص حدوثه تتزايد مع التقدم في العمر وبين النساء والآسيويين بشكل خاص.

ومن بين أسباب وعوامل خطورة تضخم الغدة الدرقية البسيط هناك: زيادة إنتاج ثيروتروبين بواسطة الغدة النخامية، وينشأ هذا النوع من التضخم في الأوقات التي يزداد فيها طلب الجسم على هورمون الدرقية، مثل عند سن البلوغ وخلال أشهر الحمل.

أما التضخم اللمفاوي الغداني والتضخم السام فهما ينجمان عادة عن أمراض المناعة الذاتية. فلأسباب غير مفهومة، يفقد الجهاز المناعي للمريض قدرته على التمييز فتكون نتيجة ذلك أن الغدة الدرقية تبدأ في إفراز مضادات حيوية تهاجم نفسها وتهاجم أنسجة الجسم الأخرى في بعض الحالات. وهذا النوع أكثر شيوعاً بين الأشخاص الذين تتراوح أعمارهم بين 30 و40 عاما.

خمول نشاطها... وأعراضه

• التعب والشعور بالإجهاد والإعياء.

• التبلُُّد الذهني.

• عدم تحمُّل برودة الجو.

• الشعور بالكآبة أو خمول العواطف.

• التقلبات المزاجية.

• الإمساك.

• تشنجات وآلام العضلية.

• جفاف الجلد أو تقشرة أو انتفاخه

• الشعور بوخز في أصابع اليدين أو القدمين.

• قلة تحمل المجهود الرياضي.

• آلام المفاصل.

• بحّة في الصوت.

• عدم انتظام الدورة الشهرية عند الإناث.

• زيادة الوزن رغم ضعف الشهية.

• جفاف الشعر وتقصفه.

• ضعف النبض مع ظهور انتفاخ أو تورم في مقدمة العنق أو على جانبيه.

وفي معظم الحالات يكون علاج الخمول بسيطاً من خلال تناول حبوب تعويضية بديلة لهورمون الغدة الدرقية، ومع مرور الوقت يستعيد المريض نشاطه وعافيته تدريجيا. لكن ينبغي أن يتم العلاج تحت إشراف طبيب متخصص في أمراض الغدد الصماء.

تأثير خمولها على الحمل

إذا كانت المرأة الحامل مُصابة بخمول في نشاط الغدة الدرقية ولم يُعالج ذلك الخمول في أثناء الحمل، فمن المرجح أن يكون لذلك تأثير سلبي ومُضاعفات غير مرغوبة على الحامل وعلى الجنين معا.

وقد يتسبب خمول نشاط الغدة الدرقية في إحداث واحد أو أكثر من التأثيرات والمضاعفات التالية:

• مُضاعفات قد تصيب المرأة الحامل: فقر الدم، ارتفاع ضغط الدم بعد 20 أسبوعا من الحمل مع ظهور البروتين في البول، تمزق المشيمة، نزف ما بعد الوضع، اضطراب أو قصور وظائف القلب، الإجهاض.

• مُضاعفات قد تحدث للجنين: الولادة المبتسرة، الموت في الرحم، الموت لدى الولادة، قصور نمو وتطور الجهاز العصبي.

فرط نشاطها... وأعراضه

فرط نشاط الغدة الدرقية هو حالة مرضية تنشأ عن زيادة كبيرة في نشاط نسيج تلك الغدة على نحو يسبب الإكثار المفرط في إفراز الهورمونات (الثيروكسين «T4» وثلاثي يودو ثيرونين «T3»، وهو ما يكون سببا في التسمم الدرقي الناجم عن زيادة مستويات تلك الهورمونات في الدم.

هناك سببان رئيسيان لفرط نشاط الغدة الدرقية، أولهما هو حالة تعرف طبيا باسم «مرض غريفز»، وثانيهما هو حدوث تكيسات أو أورام في نسيج الغدة.

ومرض غريفز يسبب زيادة أولية في وظائف ونشاط الغدة. وليس معروفا حتى الآن المسبب الرئيسي لهذا المرض، لكن يشيع اعتقاد نظري بأن السبب الجوهري يكمن في اختلال الجهاز المناعي للجسم وينتج عنه قيام الغدة بإفراز كميات مفرطة من هورمون الثيروكسين.

ومن أعراض فرط نشاط الغدة الدرقية:

• يتناول المريض كميات كبيرة من الطعام، ومع ذلك يتناقص وزنه.

• كثرة التبول.

• التوتر والعصبية.

• تكرار الاصابة بالإسهال.

• جحوظ العينين مقارنة بوضعهما الطبيعي.

• تسارُع دقات القلب.

وفي جميع الأحوال، بادر إلى استشارة طبيب متخصص فور شعورك بأي إحساس غير مريح في الغدة الدرقية أو حولها، أو إذا أصبت بأي واحد من أعراض فرط أو خمول النشاط الدرقي المذكورة آنفا.

استئصال «الدرقية»... متى يصبح حتمياً؟

استئصال الغدة الدرقية جراحيا هو الخيار الأخير الذي يتم بموجبه إزالة الغدة بالكامل أو جزء منها إما لدرء خطر مرجح، أو للتخفيف عن المريض، أو حتى لمجرد لغرض تجميلي أكثر من كونه علاجياً. وهناك أكثر من طريقة لإجراء هذه الجراحة، ويقرر الطبيب الطريقة المناسبة في ضوء معطيات كل حالة على حدة. لكن في معظم الأحوال لا تنطوي مثل هذه الجراحات على مخاطر كبيرة.

ويكون اللجوء إلى خيار الاستئصال الجراحي محبذا بل قد ضروريا في حالات معينة تأتي على رأسها الأورام السرطانية، والحالات التي يكون فيها فرط في إفرازات الغدة الدرقية مترافقا مع وجود تكيسات أو أورام عقدية غير سرطانية. فمثل هذه الحالات لا تستجيب عادة للعلاجات الاحتوائية أو التحفظية أو الإشعاعية أو حتى العشبية، وبالتالي يكون التدخل الجراحي هو الأفضل. ومن بين دواعي الاستئصال أيضا وجود عقيدات درقية سامة، وتضخم عقيدات الغدة الدرقية، وحالات الاصابة بمرض غريفز (خصوصا إذا كان مترافقا مع جحوظ العينين).

وهناك حالات أخرى يتم فيها اللجوء إلى الجراحة لأغراض تجميلية عند تضخم الغدة الدرقية الموسع جدا، أو لأغراض تلطيفية مثلما يتم في حالات الانسداد التي تسبب للمريض صعوبات في البلع أو التنفس.

لكن في جميع الأحوال، يبقى قرار الاستئصال الجراحي في يد الطبيب المعالج الذي يتخذه في ضوء اعتبارات عدة.

مضاعفات محتملة

قد تنجم عن استئصال الغدة الدرقية مضاعفات محتملة أو مترتبة بما في ذلك: تغيير موقت أو دائم في الصوت، انخفاض موقت أو دائم للكالسيوم، والحاجة إلى هرمونات الغدة الدرقية البديلة مدى الحياة، والنزيف، والعدوى، واحتمال بعيد لانسداد مجرى الهواء بسبب شلل الحبال الصوتية. المضاعفات غير شائعة عند إجراء العملية من قبل جراح من ذوي الخبرة.

• قصور الغدة الدرقية في ما يصل إلى 50 في المئة من المرضى بعد عشر سنوات

• إصابة العصب الحنجري لدى نحو 1 في المئة من المرضى، وبخاصة العصب الحنجري الراجع. وفي حال حدوث ضرر في جانب واحد تكون نتيجة ذلك أن يصبح صوت المريض مبحوحا.

• نقص موقت في نشاط افرازات الغدد جارات الدرقية لدى 4 في المئة من المرضى.

• حدوث عدوى (في نحو نسبة 2 في المئة يكون تصريف السوائل الناجمة عن عملية الاستئصال جزءا مهما من الوقاية).

• نزيف أو تجلط أو تورم دموي (وهذا قد يؤدي إلى ضغط على مجرى الهواء، وفي الحالات القصوى قد يهدد حياة المريض).

• مضاعفات التخدير.

* حجار كاتب متخصص بالشؤون العلمية والطبية من فريق جريدة الراي الكويتية.