حنان بيروتي

يباغتني السؤال: ماذا تريدين من الكتابةِ؟ مالكِ ومقارعة الكلمات ومشقة الحروف والسباقات اليومية لاستراق الوقت من زحمة وجودك بصفتك امرأة تحتلّ مساحةَ عمرها القيودُ والواجباتُ والمهامُ، وتخطو بحذرٍ في حقل ألغام لا تنتهي يهددُ بنسف مشروعها الإبداعيّ من أساسه.

يباغتني السؤالُ كلّ مرة كأنّه يتجدد كما التوقُ للبوح والأغنيات، وترانيم الفرح الملونة رغم السواد؛ فالرحلةُ مع الكتابة مشوبةٌ بالعواصف وانقلاب القارب لمرات، لكن النجاة تأتي كلَّ محنةِ حرفٍ من الإصرار على اقتناص الهواء من أفق الحياة، واقتطاع مساحة للبوح والتعبير، ورسم صور للصدام الجميل حيناً والمؤلم أحياناً مع الواقع الجاثم بمعطياته الاجتماعية الراكدة وخيباته وانكساراته المتصاعدة كموجات بحرٍ هادر.

تتوالى الإصدارات دون تخطيط وضوابط، فمنذ "الإشارة حمراء دائماً" المجموعة القصصية الأولى (1994) والتي اخترتُ نصوصها القصصية بسرعة مَن يستعدّ لسفرٍ مباغت وبلا مقياس نقدي واضح، من نتاجي الأدبي الغزير والمندفع في المرحلة الجامعية، إذ كنتُ كباحثة عن حصةٍ من الهواء بعد غرقٍ طويلٍ، وكنت أسعى لحفر بصمة تثبت لي أني أكتب.. مروراً بنصوص نثرية تختلس من اللغة حريةَ التحليق في إطلاق عصافير الروح في سماء التعبير، لتصل لمجموعات قصصية تسع، وثلاث كتب تضم نصوصاً نثرية صدرت كلّها كالقابض على جمر اللغة وسط عواصف الحياة المثمرة بالأمومة والعائلة والورطة الجميلة في كوني أماً وموظفة وربة بيت وزوجة وإنسانة تركضُ في قلبها فراشاتُ رؤى ما تفتأ تتلوّن بالحلم المتجدد بأنّ الآتي أجمل.

هي التاسعة إلّا دمعة في خضم العراك مع الحرفِ والحياة، ومحاولة لا تذبل لاقتناص الوقت واقتطاع مساحةٍ للكتابة، والتحليق المؤقت في أفق الكلمة، تختلط الظروف وتتشابك المعطيات لتصدرَ المجموعات متقطعة حيناً ومتتابعة في السنوات الأخيرة؛ فلا هي تُطبَع حال كتابتها لتكتملَ في عملٍ وليد، ولا هي تُنشر وفقَ تراتبية زمنية ترصد النمو والتطور الابداعيّ أو تعمُّق التجربة في الكتابة؛ فالنشرُ يرتبطُ بعوامل ذاتية ومحيطة وظروف متداخلة ليستْ مثاليةً بالضرورة، تخضع لمعطيات ومتغيرات، ولأمزجة؛ فقد يحدث أن أنشرَ كتاباً يحتوي على قصص ومواد إبداعية كُتبت في فترة سابقة بعد نشري نتاجاً أدبياً حديثاً.

المجموعات القصصية التسع لا تخضعُ للتراتب الزمني في نشرها، فمجموعةُ "أحلام متأخرة" (2016) والتي كان لاسمها في نشرها نصيب، كُتبت قصصُها بالتزامن مع مجموعتي القصصية الأولى "الإشارة حمراء دائماً"، لكنها صدرت بعدها بسنوات طويلة، ومجموعة"بين بكاءَين" والتي تضم قصصاً قصيرة جداً (2015) كُتبت بعد سنواتٍ من مجموعة "ليت للبحر لساناً يحكي" الصادرة عام 2017.

ربما يلتبس الأمر على متابعٍ أو متلقٍّ أو حتى ناقد خبير، فيبني حُكمه النقدي على تسلسلٍ زمني مفترض للنشر. النقد لا يخدم الكاتب ولا يضيفُ له شيئاً ذا بال حين يبني رؤيته النقدية على المقارنة والمفاضلة بين أعمال أدبية على أساس التراتب الزمني.

الكتابة بالنسبة إلي رحلةٌ بلا موعد وابحارٌ بلا عنوان، ولا انتظار فيها لميناء أو مرفأ لفرح. ثمة فراغٌ داخلي وهوةٌ لا تردمها غيرُ الكتابة التي لا أنتظر منها شيئاً، ففي بواكير رحلتي في كتابة القصة القصيرة كنتُ مسحورةً بالتعبير عن الحالة دون التمكُّن من تشخيصها، فكانت الأحداث شبه مغيبة.

بعدها حاولت أن أصقل لغتي وأدرِّب قلمي على الاقتصاد والتخلّص من أدران اللغة؛ ففي قصصي الأولى كنت مأخوذةً بجماليات اللغة ومفتونة بالتعبير عن الحالة القصصية دون التمكن من تشخيصها كطبيب مبتدئ يجرِّب استحضار ما تعلّمه في الكتب الجامدة على حالاتٍ من لحم ودم ونبض حقيقي، لكنّ التجربة الإبداعية لا تتكلس ولا تضمر إنْ كانت ساعية باصرار -ولو جاء بطيئاً- للتطور والتجريب واجتراح الأجمل. وبالنسبة للكاتب المصاب بأرق التجدد كما الفصول، تظل اللغة إشكالية ممتعة، فالقصة القصيرة ليست كما الشعر المرفرف بها والمفتتن بدهاليزها، ولا كما الرواية التي تتسع للغةٍ عذبة واقتناصٍ لصور جميلة بين ثنايا السرد/ البحر الروائي. القصة حيزٌ محدودٌ يضيق على اللغة المستفيضة، لكن حتى اللغة تتطور وتنمو وتشذبها التجربةُ ويصقلها المرانُ وتبتعد عن الفائض مهما بدا بهياً ملوناً ومزركشاً بالبيان الآسر، لترتدي ثوب القصة المصوغة بفنيةٍ غير فضفاضة بمهارةِ خياطٍ احترف "القَصّ".