د. مصطفى العطّار *

الشاعر موسى حوامدة، شاعر عابر للقصيدة؛ لذلك فإن القارئ لشعره يجد نفسه عاجزاً عن مسايرة ما يختزنه من مفاهيم فلسفية تستغلق على الأفهام السقيمة، التي تروم تفكيك قوله الشعري وأوله الفلسفي ببضاعة مزجاة وزادٍ قليل. ولا شك أن كل قراءة لا تتسلح بجرأة في اختراق مجاهيل الكلام، أمام ضيق العبارة واتساع المفهوم، هي قراءة دونها الوهم؛ مما يستدعي من القارئ الإمساك بلبّ الكلام مع الإحاطة بحاشيته، باستبصار شديد يخترق النهايات في تفكيك مفاهيم ليس لها بدايات، وبحذر كبير أثناء لملمة الشذرات، وإلا لانفلت العقد كمن نقضت غزلَها من بعد قوة.

وبقدر اللذة والرحابة التي تتولد عن قراءة منجز حوامدة، يظهر العنت والمشقة اللذان يصاحبان القارئ أثناء ترقيع دلالات القصيدة المتناثرة في «طلاسم» الفلسفة الوجودية ومرويات الأولين.

***

إن من بين الوسوم التي تلازم نظرتنا للشعر ملازمةَ قوة، تلك التي تكمن في عَدّ الشاعر مجرد كائنٍ مرهف الإحساس، رقيق المشاعر، جياش العاطفة. ووفق هذه الكليشيهات لا يكون الشاعر مبدعا حقيقيا إلا بوضع حدود بينه وبين باقي الأشكال التعبيرية. ولعل في هذه الرؤية تبخيسا للوظيفة التي ينبغي أن يضطلع بها الشعر في صوغ التصورات المجردة حول العالم والإنسان، صوغا يتجدد معه السؤال الفلسفي المبثوث في التعبير الشعري الذي يتسم بالعفوية والتلقائية والدهشة. من هنا تسقط الحدود بين الشعر والفلسفة، وتستحيل البياضات بينهما سرابا سرعان ما يتبدد، حينما ندرك بحث الشاعر المتجدد عن ماهية الوجود والحياة، ليثبت لنا هذا المشاكس بعض نوازعه نحو الأشياء تفتيتاً وتقليباً لجوهرها (فليس الأثر الشعري انعكاساً بل فتحٌ، وليس الشعر رسماً بل خلقٌ. الشعر إذن، رؤيا. والرؤيا بطبيعتها قفزة خارج المفهومات السائدة).

من هنا؛ يكون الشعر عند موسى حوامدة نحتاً في متاهات الوجود، وتكسيراً لأفق انتظار المتلقي، ولعباً بمفردات القصيدة حد الجنون، وتشكيلاً إيقاعياً جديداً يستحيل فيه «النشاز» جزءاً من البنية الجمالية للقصيدة في تمحُّلاتها وفوران تنورها، صانعاً ميلاداً/ وجوداً مغايراً للقصيدة، يتجسد فيه معنى الحياة بعد موت أشياء العالم.

إن القصيدة عند حوامدة تمثل الوجود الخالد في مقابل العدم في الموجود الفاني. ووفق هذه الثنائية الضدية، يعيد الشاعر تركيب طرفَي المعادلة (حقيقة/ وهم)؛ فكل شيء يغدو وهماً ووجوداً هلامياً، ولا يمكن أن يصبح حقيقة إلا إذا انقال بما تمنحه لغةُ الشعر من بهاء تنحت به أنطولوجية القصيدة.

وفي مجموعته الشعرية «سأمضي إلى العدم» يقر حوامدة بأنه لا خلاص من الوجود إلا بالارتماء في العدم بعد توالي الخيبات؛ لكنه يصنع الوجود من جديد في عالم القصيدة بوصفه عالماً فوقياً مثالياً يعترف بكينونته وينتشله من ثبج العالم الحسي القاتم؛ فالشعر عنده «تأسيس للوجود بوساطة الكلام». يقول:

«سأمضي إلى العدم

بخطى ملك

وأمضي إلى الخلاص

على درب المسيح

وإن كنت لا أثق بالنجوم والأدعياء

سأمضي إلى العدم

فلست نادماً على شيء

ولست طامعاً في شيء

سرابٌ كلُّ ما مر بي من تلال وسهول وبحار

وأناس سيئين أكثر من عدوّ متربّص بالهزيمة».

«سأمضي إلى العدم» تكاثُف مثخن بالرموز، وبوحٌ ممزوج بمرارة الفقد والتفجع، وهو مسار يخطه حوامدة بعزيمة كالجبال، وبنزعة ملكية تجر وراءها موكبا من الخسارات؛ متجردا من اليقينيات، وعابثا بالندم، ليس له ما يطمع فيه من موجودات غير القصيدة، كينونته الأزلية التي دونها الوهم والسراب اللائح في بشاعة الخلق.

يتبدى الشاعر بطلا تراجيديا إغريقيا أو ملكا محاطا بمسحة من الجلال والمهابة، يذكرنا بـبروميثيوس وميديا وهرقل وإلكترا.. أساطير القوة والجبروت.

ينتفي الموجود بانتفاء الوجود، ويحل محله العدم الذي يتبدى في شكل قلق وجودي. وهكذا يصبح العدم عند الشاعر وجودا بالقوة والفعل. ويتحقق هذا التماهي عبر نفي حقيقة الموجود وإثبات الزيف الذي يغلف العالم. وهي نزعة مثالية حالمة، يعبّر فيها الشاعر عن «أنا وحديته» وتمركزه حول ذاته بوصفها محور الوجود، سائرا نحو الخلاص الأبدي (أما أنا.. فعلى خُطاي أسير). وهو تعارُض أنطولوجي بين الأنا والآخر، تولده الأداة «أما» الملصقة بضمير المتكلم المفرد «أنا»، تجعله ينحت مسارا فردانيا لا يعترف إلا بخطواته الثابتة نحو العدم، وطنه الجديد. وفي ذلك بعض التماهي مع عدمية «نيتشه»؛ إذ يقول: «على الرغم من أنني عدميّ متطرف، إلا أنني لم أيأس من العثور على باب الخروج، وعلى المنفذ الذي يفضي إلى شيء ما». فسيظل الشاعر يسير بلا توقف، غير مكترث إلا لوجيب قلبه وصوت خطواته حتى يدرك فردوسه المفقود، معتقدا اعتقادَ يقين في المسار الذي سيقوده حتما إلى الخروج من التيه، وهو مسار خاص صنعه لنفسه، يتخذ فيه القصائد مطايا ترحل به بعيدا نحو الأفق المنتظَر/ الخلاص الأبدي. يقول:

«كل الأصدقاء الذين صادقْتُهم أصداء

كل الذين أحببتُهم أسماء

أما أنا...

فعلى خُطاي أسير».

يتوالى حس التمرد لدى حوامدة، يعضده فعل النفي والإلغاء «لا وطن لي/ لا شارع يعرفني/ لا شاعر لي»؛ فهو وحده الوطن/ العدم، بعد خيبة الوطن/ الإنسان. ووطن الشاعر رمزيّ استبد به الخواء وتنكّر له الشارع والشاعر، وأصبح الناس فيه ظلا وخيالا للأشياء.

هذا هو عالم الناس وفق حوامدة، ترتقي فيه الأشياء ليكون لها الناس أشباهاً ونظائر، فهم يحاكون أشياء العالم؛ والتقليد لا يمكن أن يتماهى مع الأصل/ المثال، على حد تعبير أفلاطون.

وفي حديثه عن «الكل» الشرير، لا يستثني حوامدة المرأة (حتى النساء اللواتي أحببتهن....). وهو السطر الشعري الذي تكرر مرتين؛ والتكرار إقرار وترسيخ للمعنى في النفس. ولطالما وجد حوامدة عزاءه في المرأة التي اختصّها بصفات القداسة؛ لكنها لم تنفلت من عقال الناس ومن ربقة الموجودات المخاتلة، فأسقطها الشاعر من على عرش «مدينته الفاضلة»؛ بل ترك للمتلقي حق إحصاء الخسارات التي طالته جرّاء وهم الحب وحب الوهم؛ وهو ما تعبر عنه البياضات التي وردت بعد لفظ «أحببتهن»، وهي مساحات تخفي صوت النشيج الصادر عن أعماق النفس المكلومة.

ولأن المرأة كون مستقل؛ فقد بنى لها الشاعر في دواخله مساحة مرصّعة بالحب ليعوض بها عن ذاته المتشظية، وليلملم ما تبقى من أنوار الوجود بعد انطفاء جذوته وانشطار ذراته. لكن المرأة غدت مخلوقا بشعا خلع عنه دثار الآدمية وهوى إلى مكان سحيق حيث يقيم العبث أو الطاعون على حد تعبير «ألبير كامو» في روايته الشهيرة «الطاعون». كلٌّ من حوامدة و»كامو» يؤمنان بالخلاص؛ لكنهما يختلفان عن بعضهما بعضا في إدراك هذا المفهوم؛ إذ يؤمن الأول بالخلاص الفردي (أنا خلاصُ نفسي) بعد أن أعدم الإنسان من حومته وأبان عن لا جدواه؛ فيما يؤكد الثاني أن الانسحاب من العقل الجمعي والهروب من آصار وأوزار الإنسان، يعدّ «انتحارا فلسفيا» إذا لم يواجَه بالتعاضد الإنساني (الخلاص الجماعي). وفقا لهذه الرؤية ينتحر حوامدة انتحارا رمزيا غير عابئ بسؤال المصير.

يعود الشاعر إلى «أنا وحديته» ودائرته المسيّجة؛ من خلال ترديد عبارة: «على خُطاي أسير».

إنّ الشعور المزمن بالوحدة لدى حوامدة يجعله أشبه بـ «شوبنهاور» عندما أقر بأن «حياة الوحدة مصيرُ كل الأرواح العظيمة». يقول الشاعر:

«لا وطن لي

ولا شاعر يعرفني

ولا شارع لي

كل الشعراء الذين أحببتُهم لصوصُ أوراق وكتب

كل النبلاء الذين تبعتُهم أوغاد

كل الناس أشباه أشياء

حتى النساء اللواتي أحببتهن

... لا لن أقول

فأنا خلاصُ نفسي

ونبيُّ ذاتي

لستُ اليَسوع

لكن أبي عِقالٌ طائِشٌ

وأميّ بستانُ رجاء».

لا منجى من الشاعر إلا الشاعر، ولا ملجأ إلا إليه؛ بذاته يلوذ، وبها يستجير، نافيا أن يكون المنقذَ من الضلال، أو الباحث عن خلاصه في الكتاب المقدس أو في التأمل في ذبيحة المسيح، ناشدا التوبة المرتجاة؛ (فأنا نبي ذاتي - لست اليسوع). هذه هي الحقيقة الثابتة عند حوامدة؛ الارتداد إلى الذات الجانحة، والتماهي مع ما تجيزه من مثل فردانية ورؤية صوفية؛ وكأننا بالشاعر يقدم نفسه فداء للعالم وكفارة لخطايا الناس.

لكن الشاعر يعود ليلتمس الخلاص في بستان أمه، محضن الرجاء، ومرتع السكينة؛ الأين الذي يقف فيه الشر/ الإنسان عاجزا عن متابعة المسير بعد أن سلبت منه إرادة القوة وقوة الإرادة، ليفسح الطريق أمام الشاعر الذي يستظل بظل الأم من قيظ الهجير، حتى إدراك منتهى الوصول «العدم».

ويحكم الشاعر على الإنسان بالارتكاس والانحطاط ما دام لم يستطع التخلص من «قبضة أسوأ الأيدي.. مَن يسمون أنفسهم بالقديسين، أولئك الذين يشوهون العالم، ويطعنون الإنسانية» على حد تعبير «نيتشه». لكن إرادة القوة لدى حوامدة تختلف عن مثيلتها عند «نيتشه»؛ إذ تكمن الأولى في مخاصمة الحياة والاحتفاء بالعدم، وتتبدى الثانية في الحفاظ على الحياة وصونها من السقوط في مغبة الاستسلام. إن «إرادة القوة هي الجوهر الأعمق للموجود، من حيث أن كل موجود يسعى إلى مجاوزة ذاته». ورغم المغايرة في تمثل هذا المفهوم عند الرجلين؛ يبقى التوق إلى الانعتاق وتخطي الذات قاسما مشتركا بينهما، ويظل البحث عن التعالي فوق الدناءة والانحطاط هدفا لهما، على اختلافٍ في الكون الذي يتجلى فيه هذا التعالي/ التجاوز؛ إذ يجده حوامدة في الهروب إلى العدم، ويلفي «نيتشه» ارتقاءه في «الحياة التي لا تستقيم إلا بممارسة الإرادة، وهي إرادة قوة». وشتان بين منطق المواجهة والتصدي من داخل القواعد التحتية للأنساق الجمعية، وإرادة العدم كما يتصورها الشاعر؛ وإن كان تأويلنا للعدم عند حوامدة يبقى مشرعا على احتمالات عدة؛ من بينها التماس الحياة في العدم، والهروب من الجماعية إلى الفردانية، ونشدان الغيرية والاختلاف.

تتدافع أنفاس الشاعر ويزداد إيقاعها تلاحقا في محاولة منه «ليخلف الدنيا وراء ظهره» ويلحق بالمنجى والملجأ. يقول:

«كلّ ما على الأرض افتراء

صخب وعنف

وعواء

مسرح مفضوح

هدوء يسبق الحقول

وثرثرة تصغي لتفاهة المعنى

تقضم تفاح القصائد

وشجر الهوامش

في كتب الظلام

وتفسير الضلال».

كل ما في الدنيا عند حوامدة محض افتراء وكذب بواح، وهي عالم يموج بـ «الصخب والعنف» وفق تعبير الروائي الأميركي «وليام فوكنر» في روايته (The sound and the fury) بما هي عمل فني يتقاطع مع رؤية الشاعر التي تحتفي بثيمات السقوط، والحظ التعيس، والوقوع في الخطيئة، والموت الحتمي، وخفوت بريق التفاؤل، والتجرد من المثالية والأخلاقية، وصراع الوجود والعدم، وإدانة نزعات الشر والتحلل الكامل، حتى أضحت الحياة متناهية في ظل هذا الواقع الفوضوي المليء بمظاهر الانهمام والخواء.

وإذا كانت رواية «الصخب والعنف» تصوّر الصراع الوجودي بين البيض والسود؛ فإن قصيدة «سأمضي إلى العدم» استلهام لهذا الصراع عبر اللعب الاستعاري على ثنائية البياض والسواد واستنطاق سيميائية الألوان؛ فيغدو اللون فلسفة لإعادة قراءة وجود الشاعر المتسم بالبياض والنقاء وصفاء السريرة، ووجود الإنسان المتشح برداء السواد والقتامة والنفس الشريرة. ولولا (السواد/ الشر) لَمّا تولّد البياض (الخير/ الشاعر)، كشكلٍ من أشكال العلاقة الهيجيلية الجدلية بين الشيء ونقيضه؛ حيث يكون السواد هو نقيض البياض، لنصل مع الشاعر إلى نفي السواد الذي يسلّمنا إلى نفي النفي (السواد). تلكم أحياز غير موطوءة وتعابير غير مطروقة إلّا من شاعر يصوغ الفلسفة شعرا ويصيّر الشعر فلسفة.

يحق لحوامدة أن يشد الرحال ليبحث عن زمنه الضائع وسط تفاهة المعنى، وغثائية الهوامش، وفي أتون كتب الظلام. إنّ أمل الشاعر وألمه يكمنان في استعادة الذات الهاربة من بشاعة الصور التي تلاحقه في المكان والزمان. ورغبة منه في التخلص من هذه الأيقونات الممسوخة؛ يرتمي الشاعر في أحضان العدم شاهدا على اضمحلال الأشياء وتلاشيها في عالم تهيم فيه الموجودات بعد أن تفقد مستقرها ومثواها.

إنّ الشاعر فيلسوف بالقوة ما دام أفقه الإبداعي موسوما بالتخييل والتأمل، كما الناظر المتوسم الذي يسيح بفكره في تخصيب أسئلة الوجود والكون وإنسال رؤية عقلانية تعيد تشبيك عناصر العالم وفهم طبيعتها التراكبية. إنه لغز الألغاز، ومحضن الغرابة، ومستودع الأسرار، وبرزخ للعبور نحو لا معقول الوجود (إن الشعر الذي يقدم لنا المنكشف المعروف، لا يكون إلا ترتيبا آخر لما عرفناه).

إننا نقرأ لحوامدة بوصفه فيلسوفا حكيما يعمل على تحشيد السؤال الميثولوجي، قبل أن يكون شاعرا ناظما همُّه تجييش القوافي. من هنا لا يفلح الشاعر، حيث أتى، في تحييد السؤال من منزعه البلاغي وتجريده من لوثة الشعر التي تبث الحياة في أمشاجه، فيغدو مقبولا لدى السامع رغم ماهيته الموغلة في التجريد الصوري. وهو الأمر الذي أعدمه أفلاطون في جمهوريته التي ناصبت الشاعرَ عداءً كبيرا، وذلك في بحثه عن جوهر الحقيقة الذي لا يمكن أن ينقال إلا بإعمال العقل والمحاورة، دون التلبس بتلاوين الفن والإبداع (فهذا النوع من الشعر يؤذي الأذهان التي تسمعه دون أن يكون لها ترياق ضده، أعني معرفة الطبيعة الحقيقية لما يتحدث عنه هذا الشعر). ذلك أن الشاعر التراجيدي لا يقول الحقيقة إلا بعد أن تشوهها المحاكاة التي تبعدها عن الأنموذج الأول (paradeigma) تطويعا وتعديلا؛ مما يجعله ينأى عن الحقيقة/ الحكمة.

أليس الشاعر محبّا للحكمة شأنه في ذلك شأن الفيلسوف؟ ألا يهيمن «الباتوس» الشعري على «لوغوس» الفلسفة؟ أليس القلق الوجودي انفعالا وشعورا فياضا في دواخل الذات الباحثة عن ماهيتها في العالم؟ أليس الإنسان الكامل هذا المزيج المتجانس بين القلب بما هو حاضن لنوازع النفس وأهوائها، وبين العقل بما هو ملكة جانحة نحو التأمل والتفكير؟

أسئلة مرجفة تفرض علينا استكناه جوهر الشعر وحواشيه الفلسفية؛ فقد طرح «هايدجر» سؤال الوجود بتوسُّله بالمعجم الشعري بعدما استشعر خطر نسيان الوجود القائم على فعل التأمل والاستبصار بسبب جفاف ماء الشعر فيه. إنها دعوة إلى استعادة الوجود الإنساني المفقود، والبحث عن ماهيته الشعرية. أو لنقل بتعبير «هايدجر» نفسه، إن الوجود شعور بالحياة، ولا يتحقق هذا الشعور إلا بالوعي بالموت. وهكذا تغدو مفاهيم من قبيل الصراع، والموت، والألم، والقلق، واللذة، والحزن... مفاهيم ذات طبيعة شعرية/ شعورية تخرج من العدم الذي ينحسر فيه عنصر الإبداع إلى الوجود الخلاق والمبدع (فإذا أدركنا هذه الماهية للشعر والتي تجعل منه تأسيسا للوجود بوساطة الكلام، استطعنا حينئذ أن نشعر بشيء من الحقيقة في الكلمة التي نطق بها هولدرلين: «ولكن وما يبقى يؤسّسه الشعراء»).

ولقد تشبث أرسطو بضرورة إحداث تجاور بين العقل والوجدان (PATHOS) للتأثير في المتلقي وحمله على الإقناع، لما للأهواء والعواطف من منزلة قوية داخل كل حقل معرفي. وهو التجاور الذي لا يمكن أن نعدمه من الفلسفة والشعر، ومن قصائد حوامدة «الباتوسية».

ولأن حوامدة شاعر، فإن شعره نبع فياض من العواطف الجياشة وشلال هادر من الأحاسيس الرقيقة التي تعتمل في دواخله، وتجعل منه إنسانا شفيفا أنقى من النقاء وأصفى من الصفاء. ولكنه، للأسف، لم يجد إلا عالما يحفه الظلام من كل جانب، مولِّدا فيه شعورا بالحزن الدفين، حزن على نفسه في البدء والمنتهى.

ولمّا كانت النفس مستأثرة وحدها بهذا الشعور القاسي، كان حجم التشظي والانشطار يخطئه التوصيف؛ لأنه لم يجد من يتقاسم معه هذا الشعور، بعدما غيبت هذه الأحاسيس عن نفوس البشر المتحجرة. يصور الشاعر ذلك في قصيدته «لست حزينا»، إذ يقول:

«لستُ حزيناً، لكنّ قلبي طريّ

صيرتني أمي شاعراً وما بيدي

أنقى من النقاء جئت

ومن البياض كنت

ومن الندى رسمتُ وجهي ويدي

وحَمَّلَتني ما لا أُطيْقُ من نَقاء السَّريرَةِ

ومن رائِحَةِ العُشبِ في قَريتي

ومن رِضا الوالِدين

والصَّلاةِ على النَّبي

ومن حبِّ فلَسطين

أَوْرَثتني الهَشاشةَ والدموع

ومن حبِّ بغداد حتَّى طنجة

أوْرَثتني خَفْقَ الضُّلوع

وحبّ الحُسين والتَّرضي على عَليّ

لسْت يتيماً

لكنَّ حُزني قَصيّ

وبلادي صارَتْ قِطعَةً

تَذوبُ في الحَنين إلى شَفَتيّ

لسْتُ حزيناً يا بلادي

إلا... عَلَيّ».

ولَئن كان الشاعر ينفي ثيمة الحزن، ويبرر ذلك بطراوة القلب وغضاضته، وصفاء السريرة وبياضها، ورضا الوالدين، وصلاته على النبي وحبّه لآل البيت، وعشقه لفلسطين ولكل شبر من ربوع الخريطة العربية؛ فإن هذا النفي يغدو إثباتا صريحا (يا بلادي لستُ حزيناً إلّا عَلَيّ). في نص رومانسي ميلودرامي يبالغ في تغليب الأحاسيس والانفعالات المغلفة بموسيقى شعرية كئيبة، ويقابل بين الخير والشر مقابلة تنطوي على تمجيد للشاعر وتهجين للأوغاد، عبر موقفين متطرفين يطمح الشاعر من خلالهما إلى استجلاب انخراط المتلقي وإيهامه بأخلاقية مذهبه الإنساني وبمثاليته، دون أن تفوته الإحالةُ على حالة التشظي التي تعرفها فلسطين، مبئّراً ذلك في دفقه الشعري الذي يمثل رجع صدى البلاد والعباد (وبلادي صارت قطعةً قطعة).

هكذا يؤسس موسى حوامدة فلسفته الشعرية الوجودية، ملفعا بعباءة الميثولوجيا الكونية المنغرزة في زمن الأولين، ومدثّرا بالمراثي والفواجع التي ترحل مع قصائده المسكونة بالبحث عن ظل إنسان تقطّعت به السبل ومزّقته نزعات الشر طرائق قددا. ليظل السؤال الوجودي مقيما في أمشاج النفس وموشوما في متاهات الزمن: كيف السبيل إلى استرجاع الإنسان المنفلت من عقال الإنسان؟

• ناقد وأستاذ جامعي مغربي