عبد الله أبو شميس

(1)

عندما رجعوا بقميصِ حبيبي

صرختُ بيعقوبَ:

قد فعلوها!

قال: قد فعلوها..

وبكى قمرٌ فوق خيمتنا

وهوى كوكبُ

ولكنّني إذ شممتُ القميصَ

هتفتُ بيعقوبَ:

هذا دمٌ كَذِبٌ.

قال: هذا دمٌ كَذِبُ!

لم يصدّقْ كلامي

وردّده كالصدى

(ومضى بخِرافِ الفجيعة مبتعدا)

آه يا ولدي

زلّ فيكَ أخٌ

يا حبيبي

وضلّ أبُ

غير أمِّكَ

ما شكَّ قلبيَ

أنّ الدّماءَ دماءُ سواكْ

كنتُ رغمَ البِعاد أراكْ

كنتَ دوماً هنا

يا حبيبي

ودوماً هناكْ!

(2)

كنتَ دوماً هنا

يا حبيبي

أربّيكَ يوماً فيوماً

على راحتيّْ

إن حلبتُ الشِّياهَ أصبُّ لـ (بِنْيامَ) كوباً

وليوسفَ كوباً..

«اذهَبا والْعَبا يا خَروفيَّ حول الخيامِ

واهرُبا حين يهجمُ ذئبُ الظّلامِ

وعودا إليّْ!»

وتعودانِ لي في المساءِ

تعودانِ كلّ مساءٍ..

وهل يمسكُ القلبَ أن يتفتّتَ

غيرُ رجوعِكما في المساءِ

إليّْ؟!

وأقصّ عليك حكايا صِغارِ النّجومِ

الّتي دوّختْ ألفَ ذئبٍ

بحيلتِها

وأُعيدُ الحكايةَ حين تلحُّ عليّْ!

(كم تحبّ الكواكبَ أنتَ

وتقفز من نجمةٍ في الخيال إلى نجمةٍ

وتسمّي بأسمائهنّ البشرْ

أمّيَ، الفرقدانِ أنا وشقيقي

وإخوتُنا أنجمُ النَّعشِ والدَّبران

والثريّا الجميلة جارتُنا!

- وأنا وأبوكَ؟

أبي الشمسُ حتماً

وأنتِ القمرْ!)

وأمدّ فراشكَ قربَ فراشي

أُعوّذهُ بتعاويذِ يعقوبَ والأنبياءْ

وأدفّئُهُ إذ تهبُّ رياحُ الشتاءْ

وأربّي حنيني إليكْ

أنت سرّي الذي ليس يعرفهُ

غيرُ كوبِ الحليبِ و(بنيامَ) والليلِ..

والليلُ يقسو عليَّ ويقسو عليْكْ

يا حبيبي

لأجلكَ وحدكَ أحيا

لأجل التفاتةِ عينيكَ حين مضيتَ..

لخصلةِ شعرِكَ فوقَ نسيم السُّفوحِ

أَنَاْ خيطٌ بذيلِ قميصِكَ.. روحي

معلّقةٌ تترنّحُ

أرجوكَ لا تجتثِثْني!

أنا شوكةٌ أزهرتْ بالجروحِ

(3)

منذ أن رحتَ يا ولدي

لم نعد نستطيعُ أنا وأبوكَ الكلاما

في الصّباح يمرّ على خيمتي

ودموعُ المساء تبلّل لحيتهُ

فيلاعبُ (بنيامَ) شيئاً،

ويلقي عليّ السلاما

ثمّ تشربُهُ الطّرقاتُ..

يعودُ الرّجالُ لخيماتِ زوجاتِهمْ

وأعودُ إلى خيمتي

وإلى خيبتي

وهو ما عادَ

يوماً فيوماً

وعاماً فعاما..

هكذا نحن يا ولدي في غيابكَ

صرنا يتامى

(4)

أخذوك إلى زمنٍ آخرٍ

في انطلاق الربيعِ؟

إلى أينَ؟

هل أرجعوك إلى النهرِ؟

أنعمُ جلدُكَ من ماء نهرِ

أم ترى غرسوكَ مع الزهرِ

في حوض زهرِ؟

أم ترى أنزلوا قمراً

من أعاليهِ

في جوف بئرِ؟!

لستُ يا حلوُ أدري!

ولكنّني أتذكّرُ خطوَكَ

ملء الفضاءِ الوسيعِ

كنتَ كالمُهر تجري

(وما زلتَ كالمُهرِ تجري)

ويجري وراءكَ عمري

كم ربيعاً مضى؟

كيف أدري أنا البدويّةُ، يا ولدي

بحساب السنينْ؟

كلّ عامٍ أُضيف إلى جسدي ثُقُباً

لأراكَ بهِ..

لو ترانيَ يا ولدي

صرتُ غربالَ شوقٍ

مثقّبةً بالحنينْ

(5)

النّساءُ يقُلْنَ

بأنّي خَرِفتُ

وأسمعُ همساتِهنَّ

إذا عبرتْ (أُمّ يوسفْ)

أين أذهبُ بي؟

وبسرّي؟

قد انجرحَ السّرُّ في لحظةٍ

-عندما شبَّ بنيامُ عن طوقِ قلبي-

وما زالَ ينزفْ

كانتِ البدويّاتُ يرقصنَ

في عُرسِ (بنيامَ)

يضربْنَ دفّاً بدُفّْ

ويردّدْنَ:

«غنّي لبِنْيامَ يا أمّهُ وارقصي!»

وأنا رحتُ أرقصُ

بين النّساءِ..

وأرجُفْ

والنّساءُ يقلنَ

بأنّي خرِفتُ

وأنّيَ في عرس بِنْيامَ

كنتُ أغنّي ليوسُفْ..

(6)

أمسِ يا ولدي

عاد يعقوبُ قبل مجيءِ الظّلامْ

عادَ

لكنّه لم يجد دربَهُ

نحو خيمتِنا في الخيامْ

أصبح الشّيخُ أعمى

ولكنّ عينيهِ

ما زالتا تدمعانْ

وأنا صارَ قلبيَ أعمى

وما عاد يسعفهُ الخفقانْ

(7)

أتُرى سوف أشتمُّ عطرَكَ ثانيةً

يا حبيبي

ويسمحُ لي العمرُ أن ألثمَكْ؟

أم ترى الدّم فوق قميصِكَ

كان دمَكْ؟!