عواطف محجوب *

لمع المقصّ المعدنيّ في يدي العجوز اليابستين وضاقت عيناها تشفيّاً، أرسلتْ قهقهة قصيرة ثمّ صدحت في أرجاء السماء: «غداً يومك، سأقطع خيطَ عمرك بمقصّي الذي لا يتعب، تجهَّز لموتك، عمرُك قصير في حكمي».

تباكت قليلاً ثم انفجرت ضاحكةً، فملأت ضحكاتُها الفضاءَ المتّسع، ثمّ طارت تعانق مقصّها المخيف. عبرت وديانَ الجحيم ومرّت أمام باب الجنّة الموصد، حيّت الحارسين بإيماءة صغيرة ودارت حول نفسها بشدّة وانطلقت كالسّهم تنزل إلى الأرض.

بقلق راقبت «لاشيسيس» أختَها المسرعة وقالت في سرّها: «ليتني لم أجعله قصيراً خيطه! ليتني قدّرتُه أطول!». ونزلت دمعة حرّى على خدّها. اقتربتْ منها «كلوتي» ربّتت على كتفها قائلة: «لا تحزني يا لاشيسيس، ذاك حكم القدر الذي سطّرناه معا منذ نسجتُ خيطَ حياته، ولن تتراجع (آتروبوس). هي تؤدّي مهمّتها والإنسانُ عمره قصير!». وانتصبتا تراقبان ما يحدث في الأفق البعيد.

من مسافةٍ لمحته «آتروبوس» مكتئباً يدخّن سيجارة، نظراته تائهة لا تستقرّ، يحمل كلّ انكسارات العالم وخيباته بين جنباته، لا تتّضح قسماته من شدّة اليأس والإحباط. بهدوء وخفّة اقتربت منه، دنت وهمست في أذنيه، خالطت أفكاره اليائسة، خاطبته فخاطب نفسه: «أترى هذا البؤس يا (نضال)(1)، هذا العالم لا يربطك به سوى العبث، هذه الحياة كلها شقاء ومرارة، وهذه الكتابة التي تمارسها مجرّد شهوة عابرة لن تغيّر منك شيئاً، سيحزنون عليك لأيام ثم يكملون حياتهم كأنك لم تكن يوماً، تَجهّز يا نضال!».

فحّت العجوز «آتروبوس»، وفي لحظة تحوّلت إلى أفعى رقطاء، زحفت بعيداً واختفت في جذع الشّجرة التي يجلس تحتها «نضال» وقد استشعر كأنّ أحدا يراقبه على مقربة منه، التفتَ يمنةً ويسرة فلم يرَ سوى الخواء والظّلام. عاد أدراجه، جلس تحت فانوس مدخل البيت وفتح كتاباً. ترصّدته العيون ولمع المقصّ أكثر، لقد أعجبها صمته... إنّه صوت الموت. قريباً تقطع خيط حياته وتتلذّذ بطعم روحه الطّازج.

استلقى في سريره على ظهره، تأمّل السقف وقد تهيّأ له أنّه لمح طيفاً ما فيه، لكنه عجز عن فهمه. ابتسمت «آتروبوس» شاكرةً ضعفه الإنساني وقد تماهت مع لون السّقف تتابع حركاته. أرسلت موجات جحيمها إلى عقله، بثّت في كلّ خليّة من خلاياه فكرة للموت وألف ألف طريق إليه، الموت هيّن لا يكلّف أكثر من قرار. فلا مكان له في هذا العالم. مَن سيحفل به إن غادر! مَن يحفل بوجوده؟! لا أحد!.

فكّر وفكّر، تملّكه شيطان اليأس وكرهَ كلّ الوجود. سيطرت عليه أفكار العبث، وارتسمت ابتسامة عريضة وصدر فحيحٌ ما من السّقف، هكذا بدا له أو خُيّل إليه. ظنّ أنّه يتوهّم، فأسرعت «آتروبوس» نحوه، مرّرت أصابعها الطّويلة بأظافرها المتّسخة على وجهه فأطبق جفنيه لينام. احتضن فكرة موته المرتقب، تقلّب على جنبيه ولم ينم، بل جذبه سواد هوّة سحيقة لا قرار لها، تسارع وجيفُ قلبه خوفاً، فاقتربت «آتروبوس» شفّافة واخترقت أصابعها جدارَ صدره وربّتت على قلبه الواجف حتى هدأ وعاد إلى إيقاعه الرّتيب. جلستْ حذوه تتأمل تقاسيم وجهه عن قرب. لقد بدا هرماً قبل أوانه.

أحسّ «نضال» بعينيها اللتين تتفحّصانه، لكنه لم يعرف مصدرها. جلس فوق سريره ثم قام وخرج من البيت. هام لوقتٍ بين طرقات البلدة ترافقه «آتروبوس» دون أن يدري، يلفّهما الظّلام، وهي لا تنفك تهمس وتزّين له الموت وتسدّ منافذ الأمل عنه. مرّ على البقالة، اشترى بعض السّجائر وحبلاً، همست العجوز ساخرة: «زهيدٌ ثمن الموت(2) يا نضال».

بُخطى وئيدة مثقلة عادَ إلى البيت، جلس قبالة النّافذة يطلّ على الحياة حيث تمتد البلدة وخلفها الجبال الرّاسخة بثباتٍ على الأرض، ثم فتح حاسوبه وكتب وصيّة جدارية بحسابه (الفيسبوكيّ). «أخيرا!» قالتها «آتروبوس» ورقصت فرحاً وغنّت بصوتها القادم من الجحيم كالفحيح، أمسكت مقصّها متحفّزة، اقتربت وقد تماهت مع بياض الحائط. صعد «نضال» فوق الكرسيّ وربط الحبل بالسّقف ثمّ لفّه حول رقبته يخالطه تصميم «آتروبوس» وخوف الإنسان فيه. ركل الكرسيّ ملقياً إيّاه بعيداً وتدلّى متخبّطاً جاحظ العينين وشهقاته مكتومة. قطعت «آتروبوس» خيطَ عمره بمقصّها وعالجت روحه حتى فاضت من جسده وحبستها في قنّينة من فخّار. تركته جثّةً هامدة متدلّية وصعدتْ تقفز بين سماء وأخرى، ثمّ دلفت إلى الجحيم، ألقت خيطَ حياة «نضال» في النّار المستعرة، وجلبت مدادا ًأسودَ خالطته مع روحه في القنينة، ثمّ شربت منه وسكبت الباقي تغسل به كرةَ الأرض.

أمسكت بمقصّها وطارت تحوم بين سواقي الجحيم، دارت حول نفسها بشدّة ثم نزلت متّجهة نحو الأرض، رأته منزوياً بعيداً عن والديه وبيده الهاتف، اقتربت تسترق النّظر، إنّه يلعب لعبة الحوت الأزرق. ارتدّت قافزةً إلى السّماء، شحذت مقصّها جيّداً وعادت لتقطع خيط حياة الصّغير وقهقهاتها تملأ الكون.

- آتروبوس: آلهة عند الرومان والإغريق، من آلهة الجحيم، وهي المسؤولة عن قَصّ خيط حياةِ البشر.

- لاشيسيس: أخت آتروبوس، المسؤولة عن قَيس خيط حياة البشر.

- كلوتي: الأخت الثالثة لآتروبوس ولاشيسيس، المسؤولة عن حياكة خيط حياة البشر.

(1) نضال: اسم للإشارة إلى الكاتب التونسي نضال الغريبي الذي انتحر مؤخراً.

(2) مقتطفات من وصية نضال الغريبي.

• كاتبة تونسية