أمين دراوشة *

ما الشعر إلا فنّ وسيلته اللغة، ويجمع بين جمال التصوير والموسيقى الأخاذة والحركة واللون. يقول الآمدي: ليس الشعر "إلّا حسنُ التأتي، وقربُ المأخذ، واختيارُ الكلام، ووضعُ الألفاظ في مواضعها، وأن يورَد المعنى باللفظ المعتاد فيه المستعمَل مثله، وأن تكون الاستعارات والتمثيلات لائقة بما استعيرت له، وغير منافرة لمعناه، فإنّ الكلام لا يكتسب البهاء والرونق إلا إذا كان بهذا الوصف".

وهذا التعريف يخالف تعريف قدامة بن جعفر الذي قال عن الشعر إنه الكلام الموزون المقفّى الدال على معنى. وقد عدّ النقادُ تعريف قدامة ناقصاً وغير مكتمل، لأنه يشير إلى مظهر الشعر وليس إلى جوهره. ولا ريب في أن هذا التعريف لا يلج إلى حقيقة الشعر، ولا يلامس قلبه.

ويرى ابن خلدون أنه من الضروري أن يكون الشعر "ضرباً من الكلام البليغ الذي تزيّنه الاستعارة والوصف الجميل، وأن يكون الشعر مفصّلاً بأجزاء متّفقة في الوزن والرويّ وألا يبتعد عن أساليب العرب".

أما عبد القاهر الجرجاني فقد عرّف الشعر بأنه: "علم من علوم العرب، يشترك فيه الطبع والرواية والذكاء، ثم تكون الدربة مادة له وقوة لكل واحدٍ من أسبابه. فمَن اجتمعت له هذه الخصال، فهو المحسن المبرّز، وبقدر نصيبه منه تكون مرتبته من الإحسان". ويضيف: "لست أفصلُ، في هذه القضية، بين القديم والمحدث، والجاهلي والمخضرم، والأعرابي والمولّد".

ونلاحظ إن الشاعر العربي، قديماً، ركز على سهولة العبارة، والابتعاد عن الألفاظ المهجورة والمعقّدة. بمعنى الاعتناء باللفظ الجميل والمعنى البديع والاهتمام بالوزن والقافية.

ومع تطوُّر الحياة تَطوّر مفهوم الشعر وخاصة بالغرب، فلفظة الشعر مأخوذه من الشعور، وبالتالي فالشعر هو الذي يعبّر عن الشعور والعواطف، ويعمل على إثارتها بصرف النظر عمّا إذا كان الشاعر يعبّر عن تجربة ذاتية خاصة، أو تَجاوز ذلك إلى مسألة أخرى متعلقة بالمجتمع أو العالم. ومشاعر الشاعر تسري عبر الأفكار إلى المتلقي من خلال التصوير والعبارات، وهذه العبارات توحي بالأفكار، ولا تشير إليها بشكل صريح. فقوة الشعر بحسب محمد غنيمي هلال، "تتمثل في الإيحاء بالأفكار عن طريق الصور، لا في التصريح بالأفكار المجرّدة ولا في المبالغة في وصفها. ومدار الإيحاء على التعبير عن التجربة ودقائقها، لا على تسمية ما تولده في النفس من عواطف، بل إن هذه التسمية تُضعف من قيمة التعبير الفنية". فالشعر لغته وجدانية، ويرتكز على مشاعر الشاعر اتجاه نفسه وما يدور حوله ويتفاعل معه، ومن خلال فنّيات الشعر يكشف لنا أسرار النفس البشرية أو المجتمع أو العالم.

فالشاعر، عبر شعره، يبتغي التأمل في تجربته الشخصية، أو تجربة عامة لها علاقة بالمجتمع، لينقل لنا صورتها بشكل جميل، فالشعر وفقاً لهلال: "الخلق الأدبي المُوَقّع للشيء الجميل. ومرده إلى الشعور والذوق لا إلى الفكر. ذلك أن موضوع الذوق هو الجمال. والذوق لا شأن له بالواجب الذي هو موضوع الحاسة الخَلقية. ولكن الذوق مع ذلك يشرح مواطن الجمال في الواجب من حيث هو جميل، ويحمل على الرذيلة من حيث هي قبيحة".

لقد اختلف مفهوم الشعر وغاياته تبعاً للمدارس الفكرية المتنوعة التي ظهرت. فهذا "وردزورث" يقول إن الشعر هو "التعبير الخيالي لشعور عميق داخلي يكوّن موسيقى الأداء لأنه فيض عفويّ للعواطف القوية تنساب للشاعر بهدوء". فهو يرى أن الشعر يعبّر عن العاطفة الصادقة والإحساس العميق.. يتمتع به البشر لأن صوره تنساب إلى القلب بخفة... ويثير العواطف ويبهجها.

أما "كولرج" فعرّف الشعر بأنه "أسلوب" لإثارة العواطف للوصول إلى سرورٍ آني يتخذ الجمال وسيطا لـ"حقيقة". فالشعراء والنقاد في الغرب ركزوا على ما يثيره الشعر في خلجات النفس، وتأثيره الساحر على المتلقي بما يشعره بالسرور والفرح. يقول الناقد الإنجليزي هازلت: "الشعر تعبير عن الانطباع الطبيعي لردّ فعل في حادثة، يثير بحيويته حركة لا شعورية في الخيال، والعاطفة، ويَخْلق بالانسجام تغييراً في الطبيعة المعبرة عنه في اللغة والموسيقى". ويضيف أن لغة الشعر هي لغة الخيال المُجَنّح والعواطف الملتهبة، التي تمنح المتعة أو الألم العميق.

فالشعر الغربي يهدف إلى العاطفة الصادقة المتأجّجة، والخيال السامي، وتصوير حقائق الحياة بأجمل الصور وأعذبها. وقد اهتمَّ بالعاطفة الإنسانية، والإحساس المرهف، والموسيقى العذبة، لتخلّد الشعر وتلذّ النفس سماعه.

***

أنجز الشاعر عبد الناصر صالح سبع مجموعات شعرية، كلها تدور حول فلسطين. وفي ديوانه "خارطة للفرح" (منشورات وكالة أبو عرفة للصحافة والدعاية والنشر، القدس 1986) يهدي الشاعر قصائده إلى شهداء بيروت، الورود البيضاء في عالم أسود. ويستعين بالشاعر "يوليوس فوتشيك"، ليعبّر عن مضمون ديوانه:

"لقد عشنا للفرح،

وخضنا النضالَ من أجل الفرح

وفي سبيل الفرح نموت".

في قصيدة مهداة إلى الشهيد ماجد أبو شرار بعنوان "نُبوءاتُ الزّمن المُقبل"، يتحدث الشاعر عن قسوة العالم، وبؤس الغربة، والموت الصعب، والضياع والتشرد الذي يطارد الفلسطيني،. ورغم مرارة الحياة إلا أن الفلسطيني (أبو شرار) كانت عيناهُ "تضجّان بأعراسِ الميلاد الثّوريةِ". فهو الأديب المقاتل، الذي كتب بدمه، لذا كانت دماؤه نبوءة لاستمرار الثورة التي يطمح العدو، باغتياله، في وأدها:

"يرتفع عويل الساعات الأولى المسكونةُ،

حدّقتُ بزرقة ماء البحر

فأعياني التحديقُ

وأثقلني صمتي،

والقادم ينتشر على وجهي ورداً أخضر

يُمطِرُني بشعاع الرغبة".

فرغم استشهاد "أبو شرار"، إلا أنه يدفع بالشعب الفقير إلى النظر بتمعّن إلى زرقة ماء البحر، فهي، في النهاية، ستفيض لتملأ حياة الفلسطيني بالأخضرار والفرح المفقود بفعل الاحتلال المُدمِّر. سيموت أبو شرار برصاص المحتلين، وسيترك الأمل للّاجئين بالقادم الجميل، سيبقى أبو شرار الشعلة التي ركبت الأمواج وسط ريح لا ترحم ليبلغ عنان السماء:

"سأموت إذن،

في كفّي باقة وردٍ للقادمِ

من غابات الشهوةِ

ممتطياً أمواج الريحْ".

وفي قصيدة "خارطة للفرح"، التي تعدّ قلب الديوان، يخلط الشاعر بين فتاته التي يعشق والأرض التي أحبها:

"وحاوَلْتُ رَسْمكِ في القَلْبِ زيتونةً تَتَمرَّدُ،

قافلةً تَتَوحَّدُ

مَوْجاً بذاكرتي يَتَجَدَّدُ

أشْهَدُ أنّي أحبُّكِ".

ففي حبهما يغرق بالمحبة والجمال والأمل الوردي، ويصعد:

"يَمْلِكُني النَّبْعُ والشَّجَرُ المتورّدُ

أخرجُ من جَسَدٍ يَتَقَمَّصُني

وأشيّدُ في البحرِ بوابةً للحياهْ".

فالبحر هو أصل الحياة وبوابتها إلى الطهر والسعادة، وفتاته وأرضه تتبادلان الغبطة.

واتخذ الشاعر البحر رمزاً يعبّر من خلاله عن تجربته وهمومه وآماله. وأسبغ عليه صفاته الإنسانية.

ومن الشعراء الذين عاشوا تجربة البحر بطريقة مخالفة للنمط السائد: محمود درويش ومحمد القيسي ومريد البرغوثي. فهؤلاء الشعراء لم يكتفوا بالوصف العاديّ والحرفيّ للبحر، بل جعلوا منه موطن الحلم، الذي هو من الحقائق الكبرى في حياة الشعب الفلسطيني، وحاول بعضهم الخروج من هذا الرمز بدلالات مبتكرة وخداج؛ فهو رمز لبوابة العودة، ويشكل بوابات للمدن الفلسطينية كما ذهب درويش. وهو رمز للفضاء اللامتناهي، وقلب الأسرار، والبحث السندبادي عن المغامرات. وهو مكان يدلّ على الحياة المتجددة والحب، والرحلات التي لا تنتهي.

يقول عبد الناصر صالح:

"تَمُرّينَ، رغم انتشارِ الحواجزِ

تَخْضَرُّ زَيْتونةٌ في عُبورِكِ

تورِقُ سُنْبلةٌ

يَتَراجع ظِلُّ الجنودِ على النَّهرِ

يَسْكُتُ صوتُ الرّصاصِ".

فالنهر، هنا، مكان طاهر لا يستطيع الجنود دخوله، فيعودون أدراجهم، وقد صمتَ صوت الرصاص ليترك للأرض زخرفَها، وللحبيبة خيرات الأرض التي لا تنضب.

وفي قصيدة "لبيروتَ، للبرقِ، للأقمارِ القتلى..."، كانت بيروت المدينة الثائرة التي لا ترضى الضّيْم، تماماً، كالبحر الذي يضج بتاريخ الشهداء واللؤلؤ.

وفي قصيدة "اللغّة المفقودة" المليئة بألفاظ الحزن واليأس (حزني الغجريّ، رمل الصحراء الحارق، المدن المدفونة، لنهارٍ مات، المنفى...) كان البحر هو القوة التي ستنتشل الشاعرَ من الغربة والضياع:

"تأخذني بين يديها الوادعتينِ

تقبّلني،

كان البحر يرانا

كان البحر يغطّينا بالأعشاب المائيّة والأصداف".

فالبحر يدرك ما يحيط به، وجاء كأنه المكان الذي يحرس حلم الشاعر وفتاته. وجاء البحر هنا ليرمز للطمأنينة حيث يحمي الشاعرَ ومحبوبته من الذئاب.

وفي المطوّلة الشعرية "نشيد البحر" (دار النورس للصحافة والنشر، القدس، 1991)، استعان عبد الناصر صالح بالشاعر "كولريدج"، ليقول ماذا يعني له البحر. يقول كولريدج:

"وحدي

وحدي تماماً

في هذا البحر الواسع ".

يتحدث الشاعر عبد الناصر صالح عن بحر فلسطين الطاهر، الذي يبقى عصيّاً على الغزاة، ويظل رمزاً للسلامِ والوئام:

"هُوَ البَحْرُ،

بوّابةُ الماءِ والملْحِ

آخرُ ما تستطيعُ الوصولَ إِليهِ عيونُ الغُزاةِ

وأوّلُ ما تستطيعُ الدُّخولَ إليهِ النَّوارسُ...".

وكأنه يرمز للنوارس الى الشعب الفلسطيني الذي مقتَ الهجرة والتهجير، ولا بدَّ له من العودة إلى حضن الوطن. وسيبقى البحر رمزاً للوطن المسالم، الذي يهب الخير والعطاء، ويمنح الأرض زخرفها وجمالها:

"هُوَ البَحْرُ

لَوْنُ البلادِ المُقَدَّسُ

حينَ يصوغُ الرّبيعُ أخاديدَها

ويُهدهِدُ منها الجُذورَ الدّفينةَ

يرسمها شجراً طالعاً في المحطّاتِ

حول البحيراتِ

والقمم الجبليّة والأَوديهْ".

وفي تناصّ مع القرآن الكريم، يخاطب الشاعر أبطالَ انتفاضة الحجارة، حيث يقول:

"سلامٌ عليكَ وأنتَ تموتُ

سلامٌ عليكَ وأنت تُقاتل

سلامٌ عليكَ وأنتَ تغادِرُ

كي تتقدَّمْ.

سلامٌ عليكَ

تَقَدَّمْ

أنتَ سِرُّ الطبيعةِ يا صاحبي

فَتَقدَّمْ

يكتبُ البحرُ مَوْلِدَهُ

فَتَقدَّم.

تكتبُ الأرضُ قرآنَها

فَتَقدَّمْ.

هيَ الاِنتفاضةُ

نارُ البدايةِ

قافلةُ الرَّغْبَةِ القادِمَهْ".

فأبطال الحجارة خرجوا من رحم الأرض ومن طبيعتها، كما يولَد البحر، بشكل دائم، وكما تكتب الأرض بعناصرها، قدسيتَها. هكذا هم بَشَر الانتفاضة يخرجون، أيضاً، من بركان الأرض، ليحققوا الأمل المنشود.

والبحر يرمز إلى جمال الشهداء، وطموحهم بالعدالة الغائبة، والحرية دون حدود، فيشبّه في قصيدة "جدليّةُ الموتِ والبعث" الشهيدة إلهام أبو زعرور (ابنة جامعة النجاح) والتي استُشهدت في أوائل الثمانينيت، بالبحر، بعينيها الزرقاوين اللتين تحتويان القمح والعاشقين والطيور...

وفي قصيدة "مدائِنُ الحُضورِ والغِياب" (مجموعة "مدائن الحضور والغياب"، منشورات بيت الشعر الفلسطيني، رام الله، 2009)، يتناول الشاعر مأساة الشعب الفلسطيني وحالته الصعبة، ومدنه المحاصرة:

"لا ظِلٌّ سَيَحرُسُنا إذا انحرفَ السّبيلُ بِنا

وأجْهَضَ شَمْسَنا في عزِّ صَبْوَتِها

المدى الثَّلجِيُّ..

مُقفِرَةٌ مآذنُ صَوْتِنا،

جَرْداءُ إلّا من حجارتِها

فهل يُجدي البكاءُ المرُّ حين تُصادَرُ الكَلِماتُ؟".

ولا شيء قادر على دفع الفلسطيني للنهوض إلّا البحر:

"سَتَجيءُ ذاكِرةٌ ونَعبُر ضِفَّةً أُخرى،

إلى جِهةِ البَنَفسجِ

سوف نَعبُر، مُثْقَلينَ بجُرحِنا المَنسِيِّ،

صوبَ البحرِ...".

فالبحر أصبح هو المكان الذي به يستطيع الشعب الفلسطيني إعادة الحياة لذاكرته، إلى مدنه وقراه التي عمل الاحتلال على إفراغها ليجلب المستوطنين من كل بقاع الأرض، لا أمل للفلسطيني إلا الاغتسال بماء البحر، لأن طريق البحر يقود، هنا، إلى داخل فلسطين التاريخية، إلى حيفا ويافا وعكا...

ولا بدّ للشعب أن يتسلح كما تسلّح الشاعر بالقوة والحلم والتضحية:

"بيدي عصايَ وبعضُ أُغنيتي

فهل سَيَؤمُّني نَخْلُ الجزيرةِ

إن نَزَفْتُ دمي

وأَطلَقْتُ العَنانَ لآيَتي في البحر؟".

فالبحر سرُّ الثورة وجوهرُها. وترتكز صورة البحر على تراكيبها المتشابكة، وأبنيتها التصويرية الكثيفة، فتشكل "الحقل الذي يقتنص منه الخيالُ عناصرَ الصورة ويستمد الرموزَ ويجسد فيها معاناة الشاعر، فيفكك عناصر الواقع ويعطيها وظائف جديدة يغور في أعماقها ويضيء جوهر وجودها ". يقول الشاعر:

"هاك دمي..

مُتَلَفّعاً بحرارةِ الأمطارِ

هاك دمي..

فاملأ حروفَكَ ما استَطَعْتَ

سيُنجِبُ المعنى إذا انبَلَجَتْ عَباءَةُ شَمْسِنا

وأذاب بَوْحُ نَشيدِنا غَبَشَ المَجَرَّة".

ولا تكون الثورة دون منح الدماء للأرض العطشى، الدماء التي تمتزج بحرارة المطر، كي تظهر الشمس دون غبشٍ أو ضباب.

أما في قصيدة "فاكهة الندم" (مجموعة "فاكهة الندم"، بيت الشعر الفلسطيني، رام الله، 1999)، فيقول:

"النوارس تملأ محرابها

والعناقيد تنهض خضراء

والماء يصفو

وقد ورث الأرضَ

أبناؤها".

ونلاحظ، هنا، أن البحر تحوّل إلى فضاء من التأملات... إلى عودة حتمية لأبناء الأرض، فالنوارس عادت لتملأ سماءها، ذلك أن النوارس سرعان ما تعرف سبيلها.

إنّ البحر في الشعر الفلسطيني يرمز على الأغلب للنفي، وهذا ما أعطى لهذا الشعر نكهته وجماليته، لأن البحر مرتبط بالمغامرات والخرافات والأساطير، وقصص التيه والموت.. فالبحر أصبح معادلاً موضوعياً للمنفى.

غير إن الشاعر عبد الناصر صالح، وكونه ابن الأرض، ولم يعش بالمنافي كأغلبية الشعراء الفلسطينيين، كانت قصائده التي عبّر فيها عن الأرض وطبيعتها الخلابة، بما فيها البحر، لها معنى آخر، فالشاعر، كغيره من الشعراء، يظهر الوطن بكل تجلياته في شعره، فكانت الأمكنة المختلفة، والبحر بشكل خاص، تعبّر عن الذاكرة الوطنية في فكر الشاعر، فالبحر في النهاية من روافد الأرض الطيبة.

يسيطر البحر كمكان على قصائد الشاعر، ونصوصه "تحفر الذاكرة وتسبر أغوارها وتربط بين الحاضر والماضي، وبين الذات والجماعة". فالمكان عندما يكون موضوعاً جمالياً متخيلاً، يكتسب خاصية الأثر المبدع الذي تؤول ملكيته إلى القارئ، فالشاعر لا يقدم سوى الإشارة إليه في إبداعه، يعمل الاقتصاد الشعري على اختزالها وحذف أجزائها. بيد أنَّ التخييل بحسَب حبيب مونسي، يعيد إليها المحذوف ليس بالطريقة الآلية التي يمكن أن نتصورها سريعاً، وإنما بالإضافة الجديدة التي لم تكـن للمكان من قبل".

وفي النهاية، أجدني متفقاً مع الشاعر "إليوت" بقوله: "الحس التاريخي ليس إدراك دور الماضي وحسب، إنما أيضاً أثر الحاضر في شعر الشاعر، فعندما ينظم قصائده فلا بد أن يتسرب التراث في شعره".

فالشاعر يجب أن يكون صاحب تراث وحداثة، وفي الوقت نفسه واعياً بما في الزمان والمكان. وهذا الإحساس التراثي هو الذي يُظهر الشاعر تقليدياً في الوقت نفسه لأنه يعي موقعه في جيله.

وتعدّ الدرامية من خصائص شعر عبد الناصر صالح، وهي تظهر بقوة في قصيدة "طيور الفينيق" المهداة إلى كفر قاسم حاضنة الشهداء، فهناك حوارٌ دراميّ يجري بين الشاعر وأشلاء الشهداء، يتم التطرق فيه لصراع الخير والشر، المحتلين وأبناء الأرض، ويؤكد أن يوم النصر لا بد أن يأتي، حيث تفيض القصائد بالتفاؤل والإيمان بالغد، رغم الأوجاع التي تحيط بها.

وقد حقق الشاعر في شعره مقولة "رولان بارث" حول نص اللذة، فشعره "ذلك الذي يُرضي، يفعم، يعطي المرح، ذلك الذي يأتي من الثقافة، ولا يقطع معها. إنه مرتبط بممارسة مريحة للقراءة".

فهو متخم بالخيال المجنَّح، والعاطفة المتدفقة، ويستحضرني، هنا، قول "وردزورث" في رسالة وجهها إلى شاعر أحبَّه: "إن مشاعرك قوية، فثق في هذه المشاعر، فيستمد منها شعرك ما له تناسق وشكل، كما تستمد الشجرة من القوة الحيوية التي تغذّيها".

• ناقد وقاص من فلسطين