حزامة حبايب

كيف تأتينا الحكاية؟ كيف يطرق ناسُ الحكاية عتباتتا؟ كيف تتناسل الوجوه والروائح والأصوات والطرقات وحقبُ التاريخ الشخصي، الحقيقي جداً، والتاريخ السري والتاريخ المهمَل؟ كيف تحتمل صفحات السرد كل هذا الضجيج البشري؟ كيف يمكن أن تتسع المرويّةُ لحياة عظيمة؟

هي أسئلة لا أذكر أنني توقفتُ عندها كثيراً، ربما لأنني عشتُ في قلب محكية كبرى.

هذا لا يدخل في باب التبجّح أو الادعاء. لا شيء هنا يدعو إلى التفاخر؛ فمحكيتي تنهضُ فوق عمارة شاهقة من الخسارات، وتستمدّ مشروعيّتها من إرثٍ مُضنٍ من الفقد، والمزيد من الفقد.

حتماً هي لحظة ثمينة تلك التي يستطيع فيها الكاتب أن يقبض على الإحساس الأول في النص، أن يشهد تفتُّحَ أوراق الحكاية، أن ينحاز للفكرة المتوهجة في الضلوع، وبخاصة إذا كان القلب ما يزال تحت تأثير واحدة من انكساراته الكثيرة، أو ربما في طور التعافي منها.

فكرة رواية «مخمل»، جاءتني على هيئة هجوم مباغت على حواسي.

نمتُ ذات ليلة على عطشٍ كبيرٍ في قلبي، قبل أن أصحو في الفجر على رائحة عنيفة. لقد كانت رائحة طين طازج، ترابٌ صَبرَ على الجفاف طويلاً وبلَّله أخيراً مطرٌ متمنِّع. ومن وسط سحابة الرائحة الحسية التي نفذت إلى روحي الدائخة، تخايلَ أمامي فجأة وجهُ امرأة.. وقفتْ هناك.. ساقاها غُرستا في الطين، أو ربّما في تلك اللحظة كانت تُجْبَل، لتتشكّل منحوتةً حيةً من الرغبة.

راقبتُها بافتتان وشيءٍ من أسى. كانت كلما تحاول أن تتنزع نفسها من الطين، تغوص أكثر.

لم أشأ أن أمدّ لها يداً. كنتُ واثقةً أنها اختارت أن ترسم مشهديتها بطريقتها. وما عليّ سوى أن أجمع في حضني مشاعرَها التي فاضت من حواليها.

وفي النهاية، شقَّت امرأةُ الطين البهية الطينَ والترابَ وماءَ السماء الهادر ورياح الجهات كلها وجفاف النهارات ووحشة المساءات. حاكت حكايتها من مخمل أثير، يتخايلُ في طبقات الحرير الجوانية فيه دفءٌ غافٍ وعشقٌ بطعم الحرمان.

لقد اشتقّت امرأتي لنفسها في الحكاية حياةً أبقى من الحياة.

وفي الحكاية عاشت.

«مخمل» هي رواية المرأة، عاشقةً ومعشوقةً، المرأة التي وإن أنهكها الضيمُ والمراراتُ وأزقةُ الحياة الوعرة وجبروتُ الرجال الذين نخرتهم هزائم التاريخ، فإنها تتقنُ صنعَ الحب وعيشَ الحب والموت كُرمى للحب. ونساءُ «مخمل» قادراتٌ على اقتناص البهجة من وسط القهر؛ وهن يتشهّين الطعامَ والأقمشة المترفة وينتظرن رجلاً واحداً ووحيداً حتى ضمن فضاء عريض من البؤس والانتهاك والكبت عنوانه «المخيم».

***

فلنتّفِق على شيء واحد، وهو أننا قد نعرفُ كيف نبدأُ حكايتنا، أو من أين، وقد نستدِلُّ على أول طريق الكتابة، وبعضِ المفارق والمنعرجاتِ الأساسية، ولعلنا قادرون على أن «نهندسَ» السطرَ الأولَ ونهجسَ بالجملة الافتتاحية والمشاعر الاستهلالية. لكننا، على الأرجح، لا نعرفُ إلى أين تقودُنا الرواية وكيف ستنتهي. وإذا سمحنا لأنفسنا بأن نتجرّدَ من الأحكامِ المسبقة والآراءِ المتحيزة و»الرسائل» الأخلاقية و»آثام» الأيديولوجيا، وأكذوبةِ انتصارِ الخيرِ والحقّ على الشر والظلم، فإننا سوف نُفاجأ بمنعطف السرد في النهاية.

علينا أن نثقَ بأن الحكاية تنطوي على قابليةِ التطور بطريقتها، فتمضي إلى حيث تأخذها كل الاحتمالات غير الممكنة قبل تلك الممكنة، تماماً كالحياة نفسها؛ وأن الناسَ، الذين اعتقدنا، كرواة مغرورين، أننا صانعوهم سوف ينشقّون عنّا منذ أن يتكوّنوا شحماً ولحماً على الورق، متخطّين هشاشةَ خيالنا.

صحيح أننا نخلقُ شخوص الرواية، أو نوحي بذلك بطريقةٍ ما، لكنهم سرعان ما يخرجون من وصايتنا. وليس من «سلطاتنا» أن نحْييهم أو نتّخذَ بحقّهم حُكماً بالموت. الحكاية هي التي تُحيي وتُميت، وحين يموتُ ناسُ الحكاية الذين نحبُّهم، أو الذين يشبهوننا، حتى وإن لم نعترف بذاك الشبه صراحةً، فإن قلوبَنا يصيبُها كمدٌ شديد. نحزن؟ طبعاً! لكن في نهاية المطاف، هذا هو شرطُ الحياة وشرطُ السرد: أن العيشَ كما الموت؛ يُمليه منطقُ الحكاية لا التمنياتِ والآمال.

في كل مرة أخطُّ فيها مشهدَ موتٍ واقعاً لا محالة، أكون شفوقةً، عطوفةً، عطفَ الحياةِ الشحيح؛ وأحياناً أكون متجرِّدةً من الرأفة، قاسيةً، قسوةَ الحياة الغالبة. وفي كلتا الحالتين، أداري دموعي وحرقتي.

لقد بكيتُ نساء «مخمل» كلهن، النساء الجبارات، اللاتي غرسن أظفارهن في حوائط الأيام. بكيتُ نسائي الملتاعات، الموجوعات، المنتظرات، الصبورات، الذاويات، مشرئبّات الجسد من وراء أستار الليل، المتداريات من الريح بالريح، مناجيات الروح من تحت غلالات المطر.

وفي كل مرة كنتُ أودّع فيها إحداهن، كان قلبي يتداعى.

أعترف بأنني أشعر بالذنب أحياناً، لكنني أعرفُ أيضاً أنني لا أستطيع أن ألوم نفسي.

ثم مَن أنا لأُحاكمُ أو أُسأل؟ أنا في النهاية لست سوى حكّاءة، حتى وإن كنت غير محايدة.

***

لماذا الحكاية؟

أنا امرأةٌ بلا وطن. ورثتُ من أبي الفلسطيني حكايةً ناقصة عن بيتٍ كان لنا ذات وطن.

ولدتُ ونشأتُ في بيت في المنفى، بيت حاولنا أن نجعله يشبه بيتاً كان يمكن أن يكون لنا في الوطن، بيت مليء بحسّنا وحواسنا، بهمسنا، بوشوشاتنا، بضحكاتنا التي تعالقت مع عرقِ أكفّنا على الحوائط، بنشيجنا الخافت الذي طرّز أرق الليالي.

ثم راح البيت في حربٍ، كالعادة، نحن ضحاياها الموعودون. حوائطنا تهاوت، وأشياؤنا الكثيرة التي كنا نحسبها لا غنى عنها لوجودنا ضاعت.

كل شيء ضاع.. خشب الذكريات، والملابس التي كانت تتمدد على أجسادنا بقدرة قادر، وروزنامات السنوات الفائتة التي كنا نحتفظ بها لصور الطبيعة المترفة فيها، وأشياء كثيرة غير ذات صلة.

حملتُ الوطنَ الفكرة، الوطنَ المتخيَّل، ومشيتُ في الحياة طريقاً طويلة ومرهقة، قطعتُ أياماً ومدناً وخرائط شائكة، تفيأتُ ظلالَ صحبٍ تفرّقوا عني تباعاً، وأسندتُ قامتي المنهكة على أعمدة الهواء والغبار، وتهشّم قلبي مرات ومرات. وفي الطريق تعثّرت، ونهضتُ. وفي الطريق أيضاً، فقدتُ بيوتاً كثيرة، حاولت أن أجعل كلّاً منها وطناً أو شيئاً يشبهه، دون أن يتحقَّقَ الوطنُ أو شيءٌ يشبهه في أيٍّ منها.

شيء واحد فقط في رحلة الفقد المتتالي استبقيتُه.. شيء واحد ضننتُ عليه من الضياع: الحكاية!

لقد كانت الحكاية هي الدليل بأني وُجدتُ يوماً. وهي البرهان بأني عشتُ.. عشتُ حقاً.

وفي مفترقات الحياة، أنقذتني الحكايةُ من نفسي التي تميل إلى تدمير ذاتها في أحيان كثيرة. آوتني واحتضنتني، وقَتْني وأبقتني وعزَّزت يقيني المهزوز بأن لي وطناً ينتظر أن أفترش طرقاته باللقاءات والذكريات الجديدة، وطمأنتني ولو إلى حين بأن «خيمتي» مؤقتة، وهي قطعاً إلى زوال.

وعليه، سأواصل العيش. وسأواصل كتابة الحكاية. وسوف أمضي، ما استطعتُ المضيّ، في طريق الحياة الطويلة، وقد أقع في الطريق.. أعرفُ ذلك، لكنني أعرف أيضاً أني سأنهض. وسأجمع أشلاءَ الأيام وبقايا الوجوه الذائبة وصدى الأصوات وأبخرة العواطف المتبددة، والقليل من عبرة التيه والخسارة، وأصوغها -بأقل قدر ممكن من البلاغة- حكايةً تشبه وطناً حقيقياً متحققاً.

أنا بالحكاية أرسم خريطةَ العودة إلى وطني، إلى بيت هناك كان لي ذات وطن.. إلى بيت هناك سيكونُ لي ذات وطن.

أنا حزامة حبايب، ابنة اللاجئ الفلسطيني حامد محمد حبايب، الذي غادر قريته الفلسطينية طفلاً في السابعة، ممسكاً يدَ أمه، لاهياً عن مآلِ البلاد وناسِ البلاد، غير واعٍ أنه استحال رمزاً لأكبر نكبات العصر.. أنا حزامة حبايب، إنما أستعيدُ البلادَ وناسَ البلاد بالحكاية.

أنا في كل حكاية، أعود إلى وطني.. قد لا أكون منتصرةً.. لكنني بالتأكيد أكون مهزومةً أقل.

فالمجدُ للحكاية، المجدُ كلُّ المجدِ للحكاية.