الرأي - رصد

فيما يشبه السجن الحقيقي، يعيش سكان تل الرميدة في الخليل، لكل منهم رقم خاص يتيح له الدخول والخروج وفق أمزجة الاحتلال .. معاناة لا حدود لها تزداد في المناسبات ومنها هذه الأيام، أيام عيد الفطر.

وتل الرميدة من أحياء مدينة الخليل القديمة ويقع على الدفة الشرقية لجبل الرحمة، تعمره العشرات من أشجار الزيتون الرومية القديمة، ويتوسطة مسجد قديم يسمى مسجد الأربعين، بني كما يقول المؤرخون على أنقاض دير كان يطلق عليه مشهد الأربعين في العصر الصليبي.

جذور التل التاريخية

يتكون التل من هضبة عالية تطل على حارات الخليل القديمة (حارة الشيخ، وحارة المشارقة الفوقا والتحتا، وحارة بني دار والسواكنة، وقيطون، والمسجد الإبراهيمي بكل ساحاته، ومنطقة الأسواق الكبرى المعروفة بالسهلة).

وينتهي المطاف بامتداد تل الرميدة من الناحية الشمالية حتى واد سحيق مأهول أطلق عليه شارع الشهداء، وسمي بهذا الاسم نسبة للرواية التاريخية المألوفة لدى أهالي الخليل في العهد الصليبي، حيث يتناقل كبار السن أنه في العهد الصليبي احتجز 40 من المجاهدين المسلمين الذين كانوا يقاتلون الصليبيين دفاعا عن المدينة في الدير، وذبحهم الصليبيون، فتدحرجت رؤوسهم إلى أن انتهى بها المطاف نحو الوادي الذي أطلق عليه فيما بعد شارع الشهداء.

ويحيط بمسجد الأربعين العشرات من المنازل العربية القديمة والحديثة التي اعتلت تل الرميدة، وتمتد نحو مقبرة اليهود غربا ومنطقة الكرنتينا جنوبا، وشارع الشهداء ومنطقة باب الزاوية وحارة الشيخ في الشمال الشرقي للتل.

احتلال تل الرميدة

وبعد احتلال مدينة خليل الرحمن عام 1967م سيطر الصهاينة على منطقة التل، وعدّوا كذبا وافتراء مشهد الأربعين كنيسا يهوديا بناه بزعمهم أجدادهم.

وتطور الأمر ليقام على التل تجمع استيطاني أحيط بالأبراج العسكرية والبوابات الإلكترونية والحواجز العسكرية، وتحولت المنطقة إلى مربع أمني عسكري لا يمكن للفلسطينيين الدخول أو الخروج منه إلا عبر البوابات والحواجز العسكرية وبإذن مسبق من جنود الاحتلال المقيمين على مدار الساعة في المنطقة.

هذا التواجد الصهيوني كان سببا في ارتقاء العشرات من الشهداء على مداخل تل الرميدة وفي جنباته؛ إذ كثيرًا ما ينتفض الشبان غضبا لتنفيذ عمليات، ضد الجنود والمستوطنين، كما أن قوات الاحتلال حولت حواجز المنطقة إلى ساحات موت دون أي مبرر.

وتحولت حياة الفلسطينيين في المنطقة إلى جحيم بفعل الإجراءات الاحتلالية وإرهاب المستوطنين، فلا يعرفون أعراسا ولا أعيادا ولا مناسبات .. فهم في سجن كبير وحالة دائمة من الرعب.

حياة الجحيم

الحاجة فريان أبو هيكل من سكان الحي تصف الحال فتقول: "أين المسؤولون الفلسطينيون والزعماء والقادة؟ نحن نعيش حياة البؤس والقهر والغدر من جنود الاحتلال والمستوطنين، لا نشعر بالأمن والأمان، حياتنا معطلة في المناسبات والأفراح والأتراح!!".

وتضيف، في حديث خاص لمراسل المركز الفلسطيني للإعلام،: "نحن اليوم في عيد الفطر، لا يسمح لأحد من أقاربنا وأرحامنا بالدخول إلى تل الرميدة وزيارتنا، لأن دخولنا وفق أرقام لكل مواطن، ومن لا رقم له لا يسمح له بالدخول".

وتابعت؛ "تصور حاجياتنا التي نشتريها من السوق تفتش أكثر من خمس مرات، وبحسب مزاج جنود الاحتلال، مرة يسمحون بمرورها ومرات يلقون بها في حاويات القمامة .. احنا يا عالم في عذاب لا يعلمه إلا الله!! لا نعرف طعما للعيد ولا يتمتع أطفالنا بالألعاب والمرح والفرح مثل غيرهم .. فالعيد عندنا ليس سعيدا!".

عيد ليس سعيدا

ويصف الحاج خليل أبو عيشة (73 عاما) وهو أحد سكان حي تل الرميدة حال العيد فيقول: خرجنا لصلاة العيد في مسجد جبل الرحمة القريب من منازلنا فسجل الجنود أسماءنا وفتشوا ملابسنا قطعة قطعة، ومنعوا الشباب الصغار من الخروج، وبعد أن عدنا من الصلاة استوقفنا الجنود نحو ساعة حتى يسجلوا أسماءنا من جديد ويفحصونها، فحولوا عيدنا الى قطعة من عذاب.

لن نهجر منازلنا

ويضيف الحاج أبو عيشة في حديث خاص لمرسلنا: "بعد أن سمحوا لنا بالعودة إلى منازلنا احتجزوا ابني حسن (18 عاما) ثلاث ساعات تحت حجة أن رقمه غير واضح، وبقي جالسا بجوار البرج العسكري على الأرض في يوم العيد وهو ينتظر فرج ربنا .. والله يا عمي هذه مش عيشة".

ويتابع "لا نعرف طعما لرمضان وصيامه ولا للعيد ولا للأعراس والأفراح .. احنا يا عمي عايشين حياة تعيسة!! ولا أحد من مسؤولي السلطة بتعرف علينا وكذلك المؤسسات، الجميع تاركينا نعاني لوحدنا!! واليهود جيش ومستوطنون حولوا حياتنا اليومية إلى جحيم كي يرحلونا .. لكن والله لو بنموت كلنا الواحد ورا الثاني ما رحلنا .. (فشروا )؟؟ مش مشكلة حتى لو ما اعرفنا طعم العيد بكفي انو احنا شوكة في حلق الاحتلال.

هكذا هو مشهد المعاناة اليومي في تل الرميدة بالبلدة القديمة من الخليل، فعيد الفلسطينيين في التل صراع وتحد وعذابات، إنها معركة وجود أو لا وجود في ظل سياسة عنصرية احتلالية مبرمجة تهدف إلى تفريغ المدينة من سكانها الأصليين.

المركز الفلسطيني للإعلام