مُفاجئ ولافت إعلان «مجلس سوريا الديمقراطية» استعداده لحوار «غير مشروط» مع الحكومة السورية, على ما صرّح عضو الهيئة الرئاسية للمجلس حكمت حبيب لوكالة الانباء الفرنسية مؤخراً, واستخدامِه مصطلحات ومفردات تؤكّد ان ليس لديهم اي شروط مُسبَقة، وانهم «جادّون» لفتح باب الحوار. أمّا الأكثر إثارة قوله: ان فريقه «ينظُر الى كل القوى الاجنبية بما فيها التحالف على انها تدخّلات اجنبية». مضيفاً «إننا نتطلّع خلال المرحلة المقبِلة, الى خروج كل القوى العسكرية الموجودة في سوريا والعودة الى الحوار السوري–السوري من أجل حلّ الازمة».

اذا ما اتّخذ مسلحو كرد سوريا الذين ينتظمون في اطار قوات سوريا الديمقراطية «قسد», وينفذون – حتى الان – التعليمات والأوامر التي تصدرها قوات الاحتلال الاميركي، قراراً مُعلنا وجريئا مقرونا بخطوات عملية في اتجاه الحوار مع الدولة السورية, التي أعلنت على لسان رئيسها ووزير خارجيته, انها مَعنِية بتقديم منطق التفاوض على منطق الحل العسكري, لاستعادة المناطق التي يُسيطر عليها المحتلّ الاميركي, تُساعده في ذلك – على الأرض – قوات سوريا الديمقراطية.. الى كنَف الدولة، فانهم بذلك يخطون الخطوة الاولى والضرورية لفك ارتباطهم بالمحتل الاميركي, الذي ما يزال يستثمر فيهم ويجِدهم «غطاءً» لمواصلة احتلاله للاراضي السورية في شرق الفرات بما في ذلك الرقة ودير الزور, وخصوصاً شمال سوريا في القامشلي والحسكة التي باتت موضع مساومة بين المحتلّيْن الأطلسيّين... الاميركي والتركي.

لا يساور أحد الشك بان ما دفع «كرد سوريا» لموقف كهذا، هو الخِذلان الاميركي لهم, بعد انكشاف بنود «خريطة طريق منبج» التي وقّعها وزيرا الخارجية الاميركي والتركي مؤخرا، ولم تزَل أصداء التواطؤ الاميركي مع الغازي التركي لمدينة عفرين تحضر في ذاكرة الكرد, الذين رفضوا اقتراحا روسياً بتسليم المدينة للجيش العربي السوري, الا انهم ركِبوا رؤوسهم وظنّوا ان بمقدورهم الصمود وإفشال غزوة «غصن الزيتون» وتوهما ان الأميركيين لن يتوانوا عن نجدتِهم, فاذا بهؤلاء يديرون لهم ظهورهم ويتركونهم وعفرين.. لمصيرهم تحت رحمة جحافل الجيش التركي الغازي. وكعادتهم ذهبوا لتصوير انفسهم كـ»ضحايا» للخذلان ووجهوا اتهاماتِهم لروسيا والحكومة الشرعية في دمشق. والأدهى انهم بعد تلك «الهزيمة», واصلوا التنسيق مع الأميركيين الى ان جاءت الصفعة الثانية المتمثلة بخريطة طريق منبج.

تدرِك الحكومة السورية ان هذه الانعطافة «الكردية» باتجاه الانفتاح على الحوار معها, انما يأتي تحت وقع المصاعب والتحديات الميدانية التي تواجِهها قوات «قسد» هذه الايام, وبالذات بعد هزيمتها في عفرين ومعرفة تفاصيل الاتفاق الاميركي ــ التركي حول منبج ,والإنقسام الذي بدأ يتعمّق داخل صفوفها بين «المُكوِنين» العربي والكردي, وإن كان الاخير هو صاحِب الاغلبية «العددية» والقرار الاخير يعود إليه في النهاية, الاّ ان المكوِن العربي يبقى «مطلوبا» في المخطط الكردي, كونه يشكل «غطاء» لسيطرة «قسد» على بلدات ومدن ذات اغلبية عربية ساحقة (مثل منبج) كذلك مدينة الرقة الشهيدة, التي دمّرَها الاميركيون من «الجو» وأجهزت قوات «قسد» على ما تبقّى فيها من عمران وأسباب حياة. وما الاشتباكات والمظاهرات «العربية» ضد تواجد القوات الكردية في الرقة, سوى احد المؤشرات على ان تصدّع «قسد» قد بات حقيقة يصعب انكارها، في الوقت ذاته الذي بدأ يَتضح فيه مخطط إنشاء جيش «عشائري» سوري, بدعم من دولة عربية،يريد مُشغِّلوه بسط سيطرته على مناطق شرق سوريا اذا ما وعندما ينسحب المحتلّ الاميركي, او يضطر لمواجهة القوات الكردية او يتحالف معها (لا فرق).

تفاصيل كهذه لم تعد مهّمة الا لجهة استخلاص الدروس والعِبر، حتى في ظل الإعلان عن قيام فيدرالية روج آفا (غرب كردستان) في العام 2016، بعد ان «طوّر» كرد سوريا مشروعهم الإنفصالي الذي بدأ بـ»الإدارة الذاتية», ثم ما أن شعروا ببعض فائض القوة عبر التوسع الجغرافي, حتى بدأوا يتحدثون – لانعدام خيالهم السياسي, واتّكائِهم كالعادة على حليف خارجي – عن «فيدرالية» تتجاوز مساحتها الشاسعة (التي في معظمها مناطق عربية خالصة)، امكاناتهم العسكرية وقدراتِهم الإدارية والبشرية على الإحتفاظ بها ,لكنهم لم يكبحوا جشعهم او يفكّروا بعواقب هذا الانتشار الافقي السريع, الذي يبقيهم مكشوفين عسكريا وعرضة للهزيمة والانكسار. سواء في مواجهة الغازي التركي الذي لم يُخفِ مطامِعه, ام عندما «يتفرّغ» الجيش السوري لمواجهتهم ووضعهم امام امرين لا ثالث لهما,إما الجلوس الى طاولة المفاوضات لتجنيب السكان والبلدات التي يسيطرون عليها الاذى والدمار, او الاستعداد للمواجهة العسكرية التي يُدركون أن ليس بمقدورهم الفوز فيها.

أياً تكن الدوافع التي وقفت خلف الإعلان المفاجئ، بـ»ترحيب» مجلس سوريا الديمقراطية فتح دمشق باب التفاوُض, والنظر بايجابية الى «التصريحات التي توجَّه للقاء السوريين, وفتح المجال «لبدء صفحة جديدة، بعيدا عن لغة التهديد والوعيد»، كما كتب المجلس في بيانه على صفحته في موقع فيسبوك مؤخرا، فان خطوة كهذه إذا ما تبيّن انها جدية وتقف خلفها نيات حسنة, مترافِقة مع استعداد عملي للتخلي عن السلاح والعودة الى حضن الوطن (وليس مجرد مناورة لشراء الوقت وتفادي الهزيمة, على يد المحتل التركي المدعوم من حليفته الاطلسية).... فان ذلك يدفع للتفاؤل بقدرة السوريين أياً كانت مذاهبهم واعراقهم ومرجعياتهم السياسية, على دفن المؤامرة وإفشال المخططات «المتوالِدة» التي تقف خلفها قوى دولية واقليمية (بعضها عربي) والرامية الى عرقلة بل نسف كل المحاولات المخلِصة لإيجاد حل سياسي للأزمة السورية.

kharroub@jpf.com.jo