ا.د. عباس أحمد الباز

أجمع الفقهاء على وجوب أداء صلاة الجمعة على المسلم الذكر الصحيح المقيم البالغ العاقل لقول الله تعالى في سورة الجمعة : « يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا الى ذكر الله وذروا البيع ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون «

وكذلك اتفقوا على أن صلاة الجمعة تسقط عن المريض والمسافر والمرأة وأهل الترحال الذين يديمون التنقل من مكان الى آخر كالبدو الذين يرتحلون طلباً للماء والكلأ على أنهم يؤدون صلاة الظهر .

فصلاة الجمعة من فروض الأعيان التي يجب على المسلم أن يؤديها إذا توافرت فيه شروط أدائها ، ولا تسقط عنه إلا إذا وجد سبب موجب لسقوطها كالسفر أو المرض أو الجنون .... وبغير ذلك يحرم على المسلم ترك أداء صلاة الجمعة ، فإن تركها عامداً بلا عذر شرعي كان آثماً ولزمه أن يصلي الظهر أربعاً بعد أن يتوب الى الله تعالى عن تركه أداء صلاة الجمعة .

لكن إذا وافق مجيء يوم العيد يوم الجمعة واجتمعا في يوم واحد فللعلماء في إجزاء صلاة العيد عن أداء صلاة الجمعة ثلاثة أقوال :

القول الأول : تجب صلاة الجمعة يوم العيدعلى من شهد العيد ومن لم يشهده كما تجب سائر الجمع في غير يوم العيد ، ولا يجزيء أداء صلاة العيد عن صلاة الجمعة. وهو قول الأئمة أبي حنيفة ومالك وابن حزم الظاهري

وهذا القول عند الحنفية والمالكية والظاهرية قائم على ان حكم صلاة العيدسنة مؤكدة فإذا اجتمع يوم عيد وجمعة فالمكلف مخاطب بهما جميعاً : العيد على أنه سنة مؤكدة ، والجمعة على أنها فريضة، ولا ينوب أحدهما عن الآخر ، قال أبو محمد ابن حزم الظاهري : « الجمعة فرض والعيد تطوع والتطوع لا يسقط الفرض « وهذا هو الأصل إلا أن يثبت في ذلك شرع وعندئذ يجب المصير إليه .

القول الثاني : وهو قول الإمام الشافعي الذي يرى أن صلاة العيد سنة مؤكدة إلا أنه يفرق في هذه المسألة بين من يسكن المدينة والحضر وبين أهل البادية الذين يحضرون صلاة الجمعة مع أهل الحضر، فإذا وافق يوم العيد يوم الجمعة فالأصح أن لا تسقط صلاة الجمعة عمن أدى صلاة العيد إذا كان من أهل البلد المقيمين لعدم العذر في إسقاطها ، وأما من أدى صلاة العيد من أهل القرى والبوادي ومن في حكمهم فالراجح عنده سقوط أداء صلاة الجمعة عنهم لعذر المشقة ، فإذا صلوا العيد جاز لهم أن ينصرفوا ويتركوا أداء صلاة الجمعة .

فمضمون هذا القول لزوم أداء صلاة العيد وصلاة الجمعة على أهل الحواضر والأمصار، وعدم وجوب أداء الجمعة على من أدى صلاة العيد من أهل القرى والبوادي ممن يشق عليهم الحضور ثانية لأداء صلاة الجمعة ، فإذا سقط عنهم أداء صلاة الجمعة وجب عليهم أن يصلوا الظهر أربعاً ؛لأن صلاة الجمعة إذا سقطت تؤول الى بدل وهو أداء صلاة الظهر أربعاً كالمريض الذي يشق عليه أن يحضر صلاة الجمعة فتسقط عنه ويصلي الظهر أربعاً .

وهذا قول الشافعي في القديم وهو الصحيح المنصوص عليه في الأم .وهناك قول آخر للشافعي ذكره بعض أصحابه يوافق قول أبي حنيفة ومالك السابق أن صلاة الجمعة لا تسقط بأداء صلاة العيد؛لأن من لزمته صلاة الجمعة في غير يوم العيد تلزمه يوم العيد،إذ لا فرق بين يوم العيد وغيره في اداء صلاة الجمعة.

والذي يلاحظ أن الشافعية اشترطوا شروطاً ثلاثة على من تسقط عنه صلاة الجمعة يوم العيد ، وهذه الشروط هي :

أ – أن يكون قد أدى صلاة العيد مع إمام المسلمين وجماعتهم،فإن لم يكن قد أدى صلاة العيد جماعة مع إمام المسلمين وجب عليه أن يحضر صلاة الجمعة ويحرم عليه تركها.

ب _ أن يكون في حضوره صلاة العيد وعوده مرة ثانية لحضور صلاة الجمعة مشقة تلحق به ، ولذلك فرق الشافعي بين أهل القرى وأهل الحضر أي المدن ، فجعل الترخص بإسقاط الجمعة لأهل القرى دون الحضر للحوق المشقة بهم بخلاف أهل الحضر الذين لا يشق عليهم حضور الصلاتين معاً كلاً في وقتها استدلالاً بما روى البخاري في صحيحه عن أمير المؤمنين عثمان بن عفان أنه قال في خطبته لما اجتمع عنده يوم جمعة ويوم عيد : « أيها الناس قد اجتمع عيدان في يومكم، فمن أراد من أهل العالية أن يصلي معنا الجمعة فليصل ، ومن أراد أن ينصرف فلينصرف «

وهذا الكلام لم يكن موجهاً لعموم المسلمين ولا لعموم من حضر مع سيدنا عثمان صلاة العيد وإنما كان موجهاً لأهل العالية وهي قرية تقع الى الشرق من المدينة المنورة وتبعد عنها ثلاثة أميال. حيث كان يشق على أهل العالية التي تبعد ثلاثة أميال عن المدينة أن يحضروا صلاتين متقاربتين في الزمان في يوم واحد؛لأن ذلك يتطلب أن يقطعوا ثلاثة أميال ذهاباً الى صلاة العيد ومثلها إياباً الى أهليهم ثم يعودون لقطع ذات المسافة لأداء صلاة الجمعة فيتحصل مجموع المسافة المقطوعة لأداء الصلاتين كل في وقتها اثني عشر ميلاً في فترة زمنية لا تتعدى الأربع أوالخمس ساعات،وهذا لاشك فيه مشقة بالغة خاصة في ذلك الزمان الذي كان يسير المسافر مشياً على الأقدام أو ركوباً على الدابة ، لهذا راعى سيدنا عثمان حال الناس في القرى وأذن لهم بعدم حضور صلاة الجمعة اكتفاء بصلاة العيد رفعاً للحرج والمشقة عنهم وتيسيراً عليهم في أداء العبادات، إذ الشريعة لم تأت لإيقاع الناس في المشقة والحرج ، بل جاءت لرفع الحرج عنهم والتيسير عليهم لقوله تعالى: « يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر « فكانت العلة في اسقاط صلاة الجمعة هي عدم إقامة صلاة الجمعة في البوادي والقرى؛لأن الجمعة لا تقام إلا في المسجد الجامع في المصر بحضور إمام المسلمين أو من كان نائباً عنه ، فمن كان ساكن قرية أو كان من أهل البادية ولا تقام عنده صلاة الجمعة جاز له أن يأخذ بالرخصة ويترك أداء صلاة الجمعة إذا حضر صلاة العيد ، ومن لم يكن من أهل القرى لم يجز له الترخص لأن الحكم يدور مع علته وجودا وعدما ، فإن أقام الإمام صلاة العيد وصلاة الجمعة في أهل القرى والبوادي أو بعث من ينوب عنه في إقامة هذه الشعائر لم يجز عندئذ لأهل القرى أن يتخلفوا عن أداء صلاة العيد وصلاة الجمعة لانتفاء العذر وقيام المانع وهو عدم لحوق المشقة بهم ويكون حكمهم عندئذ حكم أهل المدن الذين يشهدون صلاة العيد في وقتها وصلاة الجمعة في وقتها .

القول الثالث : وهو قول الإمام أحمد بن حنبل الذي يرى أن من شهد صلاة العيد مع جماعة المسلمين لم تجب عليه صلاة الجمعة سواء كان من أهل القرى أم من أهل الحضر ويكفيه أداء صلاة الظهر وعلى الإمام أن يقيم صلاة الجمعة ليشهدها من شاء شهودها وكذلك ليشهدها من فاتته صلاة العيد .

كلية الشريعة / الجامعة الأردنية

عضو رابطة علماء الأردن