عمان- إبراهيم السواعير

نماذج المرأة الأردنيّة لدينا كثيرة، في السياسة وفي الشأن الدبلوماسي والأدب والطب والفنون وفي كلّ مجالات العلم والمعرفة والحقول الإبداعيّة الإنسانيّة، وكتاب»المسافرة» الذي قدّم له وزير الإعلام الأردني الأسبق المقيم في الإمارات صلاح أبو زيد، يروي مشاهدات امرأة أردنيّة استعادت ذكريات زوجها الدبلوماسيّ، وكانت تربّت في بيت دبلوماسي لترتبط في ما بعد برجل دبلوماسي صنعا معاً عالماً من الفرح والصور المضيئة في ذاكرة رئيسة الاتحاد النسائي الأردني العام لمحافظة العاصمة انتصار العرموطي زوجة المؤرخ والقنصل الأردني الراحل الدكتور كليب سعود الفواز، وابنة السفير والوزير الأسبق الراحل محمد نزال العرموطي، فكان أن جمعت بين النشأة في بيت الوالد «الإتيكيت» الدبلوماسي، وتجربة امرأة الدبلوماسي في حياة زوجها الدبلوماسي أيضاً، فمن الطبيعي إذن أن تبوح بقصص وحكايات قديمة وأن تضعنا بصورة الدول العربية والأجنبيّة التي زارتها بين الدبلوماسيين محمد نزال العرموطي وكليب سعود الفواز اللذين تذكر منهما فيوض الإنسانيّة والفضاء الأوسع في رحلة طويلة ذات شجون آثرت أن تضعها في كتاب.

تطوافٌ عذب وسطور مضيئة للمرأة التي خزّنت في ذهنها عوالم ساحرة وظروفاً ليست جميعها مليئةً بالفرح، خصوصاً حين تكون مُعينةً وسنداً لدبلوماسي ناجح خدم بلاده وكان مؤرخاً، يحتاج لأناة في جمع معلومته وتحليلها، كلّ ذلك فضلاً عن دقّة العمل الدبلوماسي والإتيكيت المصاحب لهذا العمل، وهو الموضوع الذي أفردت له العرموطي في بداية الكتاب فصلاً تحدثت فيه عن مشاقّ الإتيكيت وحسناته وأهميّته واتفاق الناس عليه، ما لم يقدح أو يسيء إلى دينٍ أو عرفٍ اجتماعيٍّ أو ثقافي لهذا البلد أو ذاك.

تقول انتصار العرموطي في مستهلّ التقديم عبارةً تشرح طبيعة العمل الدبلوماسي، بكلّ موضوعيّة وشفافيّة وصدق، إذ تؤكّد «أنّ الحياة ليست مخمليّةً وحفلات استقبال، بل هي واجبٌ وطني ومسؤوليّة كبيرة يحتم علينا انتماؤنا إلى تراب الوطن أن نؤديها على أكمل وجه، خصوصاً وأنّ من شروط هذا العمل الحرص على تمثيل البلد والوقوف إلى أزواجنا لتسهيل مهماتهم، باعتبار زوجة الدبلوماسي واجهة تعكس حضارة بلدها وعاداته وتقاليده».

إنّ مهام زوجة الدبلوماسي لا تقلّ أهميّةً عن مهام زوجها، فهي نصفه الآخر، كما تقول انتصار العرموطي، حيث هي عونٌ له في الحياة الاجتماعية، تتقاسم همومه ومتاعبه وتمدّ له يد العون في كلّ ما يلزمه، ومن هذا المنطلق، كانت مكاشفة المؤلفة بأنّ معاناةً لأطفال الدبلوماسيين في تأقلمهم مع أوضاع جديدة في التعليم والمدارس تحديداً، ولذلك فإنّ تعويضهم كما فعلت هو بالزيارات المتكررة للوطن والأهل والحكايات والذكريات الجميلة، وهو أمرٌ مهم، لربطهم بالوطن وتذكيرهم به، مع أنّهم بالتأكيد يكتسبون شخصيّاتهم المستقلة القادرة على اتخاذ القرارات والخبرات والمهارات في بلاد الغربة.

بعد هذا التمهيد تسير بنا العرموطي لتأخذنا إلى بلدان كانت زارتها مع العائلة في تونس والجزائر وليبيا، خصوصاً وهي تستعيد خيوطاً من الذكريات لطفلة مع أشقائها، اعتادت السفر والترحال بحكم عمل والدها محمد نزال العرموطي حاكماً إدارياً في وزارة الداخلية، إذ خدم في معظم محافظات المملكة «الضفتين»، فكانت دائمة الترحال بين الكرك إلى إربد إلى الخليل إلى السلط.

تروي المؤلفة، التي لا تذكر الكثير من الأحداث لصغر سنّها سوى أنّ أخاها نزال وُلد في إربد وأخاها عمر ولد في الخليل، مستذكرة فترة طرد كلوب باشا حيث كان والدها متصرفاً في أربد، وفي البلقاء وفي الكرك، وكلّ هذه الفترات كان يصاحبها نوع معين من الأحداث، منها أنّ العرموطي يوم كان متصرفاً في الكرك كان النحيب يملأ عرض السماء حزناً على الملك الشهيد فيصل الثاني في العراق، أما الحدث المخيف فكان أثناء عمل والدها محافظاً للبلقاء، حيث شهدت تلك الفترة اغتياله يوم كانت الترتيبات جارية لزيارة جلالة الملك الحسين بن طلال إلى متصرفية لواء البلقاء، حيث شاء الله أن ينجو العرموطي والمقدم آنذاك عبدالمجيد الجندي من حادث التفجير في رئاسة الوزراء بعمان الذي أودى برئيس وزارء الأردن الراحل هزاع المجالي، لسبب بسيط أراده الله وهو تكرار استضافتهما من قبل العشائر والوفود على طول الطريق ما بين السلط وعمان.

تستذكر انتصار العرموطي سفر والدها إلى بريطانيا للحصول على شهادة عليا في الإدارة العامة، واصطحابه معه والدة المؤلفة وشقيقيها الطفلين نزال وعمر، بينما كانت هي وشقيقاها أيضاً اللذان يكبرانها مازن وسلطان وشقيقتها الصغرى ميسون في مدرسة» راهبات الوردية»، حيث كانوا يذهبون في الإجازات إلى بيت عمهم وفي كنف جدّهم، كما تستذكر ولادة أختها عالية التي تسمّت باسم سمو الأميرة عالية بنت الحسين التي كانت تزاملت معها انتصار العرموطي وأختها ميسون في المدرسة، وبعد عودة والدها من بريطانيا تمّ تعيينه عام 1963 وكيلاً لوزارة الداخلية، وفي هذه الأثناء جرت انتخابات نيابية في الأردن، إذ استقال وزير الداخلية صالح المجالي لترشيح نفسه للانتخابات وفي الأثناء مرض رئيس الحكومة وكان الشريف حسين بن ناصر فكلف جلالة الملك والدها بإجراء الانتخابات وهو وكيل وزارة الداخلية، فجرت الانتخابات في الضفتين وكانت مثالية أدت إلى أن ينعم جلالة الملك الحسين طيب الله ثراه بوسام الاستقلال من الدرجة الأولى لمحمد نزال العرموطي، ليُعيّن بعدها وزيراً للداخليّة في حكومة بهجت التلهوني، وبعد استقالة الوزارة تم تعيين والدها سفيراً في تونس وليبيا والجزائر، وهكذا واصلت المؤلفة الترحال خارج الأردن، لتتحدث عن هذه البلدان وعن مزاياها وأهم الأحداث والأنظمة فيها ولتحتفظ بشيء من تلك الأيام.

تقول المؤلفة في وصف طقوس رمضان بتونس إنّ أجمل شيء في تونس هو ظاهرة النفارين الذين يطوفون على مختلف الأحياء والأزقة وهم ينفرون ويزمرون ويدقون على الطبول، مرددين أغنية خاصّة، وتأتي هذه المظاهرة مع أضواء الجوامع والأسرار العتيقة المتلألئة بالأضواء كأنها مدينة من ألف ليلة وليلة. كما تقول في وصف ليلة القدر بتونس» ليلة القدر لها نكهة خاصّة إذ تعد الأسر ألبسة تقليدية حريرية لأطفالها مثل الجلابيب والطرابيش والسراويل الفضفاضة والصدريات المحاكة بطريقة تقليدية بخيوط الذهب التي تفضي جمالاً على هذه الألبسة الحريرية الزاهية، أما الفتيات الصغيرات فيرتدين القفاطين الحريرية التي تتفنن الخياطات التقليديات بحياكتها ويرتدين تيجاناً مذهّبة على الرأس».

كتاب»المسافرة» تزيّن بتواريخ قديمة وصور بيضاء وسوداء تدل على زمن قديم، وحين يتم تجميع هذه الصّور نحصل على ذكريات دول في بدايات النّمو العمراني والاقتصادي، هذا عدا حديث المؤلفة عن حكّام هذه البلاد ومعرفتها بكثير من الخصوصيات والبدايات.

تتحدث المؤلفة عن احتفال جميل يتميز به الكويتيّون في شهر رمضان، ويأتي في ليلة منتصف الشهر الفضيل، حيث يلبس الأطفال الملابس الشعبيّة المزركشة بالحلى ويحملون أكياساً يدورون بها البيوت ليجمعوا بها الحلوى والمكسّرات، ويمشون جماعات وهم يرددون أدعية خاصة ويغنون أغاني خاصة بليلة القرقيعان، حيث يقولون «قرقيعان وقرقيعان/ شهر افضيل رميضان/ عادت عليكم صيام/ كل سنة وكل عام».

كما تتحدث عن كلّ دول الخليج العربي، خصوصاً عن الشيخ زايد آل نهيان الذي كان مؤمناً بالانفتاح على العالم ووسائل الرقي وسار على سياسة عربية رشيدة أكسبته مكانة عالية في عالمنا العربي وفي المجال الدولي، وعن دبي تتحدث كذلك عن عقلية الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم وعقليته الجبارة والمتفتحة. الهند كانت مصدر إعجاب شديد لانتصار العرموطي التي قالت عنها «غادرنا الهند، البلاد العظيمة، بلاد مدهشة لدرجة الإرهاق، بلاد استثنائية لا تنسى، ولا أزال أستحضر زيارتي لـ»ردفورت» القلعة الحمراء في دلهي، وقد دخلت البهو الكبير الذي يتوسطها وكان قاعة «عرش الطاووس» زمن السلاطين، سقفها من الفضّة الخالصة وجدرانها من المرمر والالبستر، وقد نُقش على الجدران بأحرف من ذهب كلمات لشاعر فارسي تقول (إذا كانت هناك جنة على الأرض فهي هنا، فهي هنا، فهي هنا!!!)».