كثيرة هي المؤشرات التي تشي بأن العراق يدخل مرحلة اخرى من الفوضى والإستقطاب الحاد, خصوصاً بعد «الحريق» الذي استهدف احد مخازن صناديق الاقتراع, ضمّ نصف عدد صناديق العاصمة بغداد, وصَفَه وزير الداخلية على الفور بانه «مُتعمَّد», بينما ذهب رئيس الوزراء المنتهية ولايته حيدر العِبادي نحو إدراج الحريق في خانة «مؤامرة تستهدف النيل من العملية الديمقراطية في البلاد».

ردود الفعل والتصريحات المتبايِنة التي أعقبت حريق «مخزن الرصافة»، تعكس حجم الإحتقان والخلافات بين الاحزاب والكتل والمكوِّنات السياسية. سواء تلك التي تُصنّف كفائزة في انتخابات 12 آيار الماضي، أم اولئك الذين حقَّقوا نتائج متواضِعة وغير متوقَّعة من وجهة نظرهم, فذهبوا كالعادة لاستدعاء نظرية المؤامرة, والإتّهام بالتزوير والتلاعب بصناديق الاقتراع. بدليل دعاوى الطعن التي رُفعَت الى مفوضية الانتخابات. هذه المفوضية التي باتت موضع اتّهام معظم الاطراف, المؤثِّر منها وغير المؤثِّر, وبخاصة انها (المفوضية) ليست موضِع ثقة, كونها ليست مُستقِّلة, لا تتمتّع بحصانة او قدرة على مواجهة عمليات التشكيك بنزاهتها. بل هي مجرّد تجمّع لممثلي احزاب وكيانات سياسية, تم توزيع مقاعدها وفق القِسمة العراقية البائسة, القائمة على المحاصصة الطائفية والمذهبية, وخضوعها لموازين القوى التي تكرّست بعد الاجتياح الاميركي للعراق, وتوافَقَ عليها «الديمقراطيون الجدد» الذين اقتسموا «كعكة العراق» مع المحتلّ الاميركي, وراحوا يروجون لشكل عَبثِيّ من الديمقراطية, التي لم تأت لغالبية العراقيين بأي فائدة او انعكاس ايجابيّ, على بؤس احوالهم المعيشية والخدمية, والغياب العميق لآليات العدالة الاجتماعية ودولة القانون وحاربة الفساد, وغيرها مما كانت نُخب المعارِضين للنظام السابق, تتحدّث عن افتقاد العراقيين الطويل لها.

وفي موازاة «الاقتراحات» التي تبرَّع بها بعض قادة القوائم والاحزاب التي انخرطت في الانتخابات الاخيرة, والتي توزّعَت بين دعوات لتشكيل حكومة «تصريف أعمال» تعمل على إعادة الانتخابات (سليم الجبوري واياد علاوي) وأُخرى «ترفض تشكيل حكومة نتائِج مُزوَّرة (نوري المالكي) ومسارَعة حيدر العِبادي للرد على «غريمه» في حزب الدعوة, المرشّح للإنقسام «بخروج احدهما من عباءته» للقول: ان المحكمة الإتحادية العليا هي «الكيان الوحيد» الذي له الحق في اتخاذ قرار بشأن الحاجة لإعادة الانتخاب، يمكن القول: ان العراق قد دخل بالفعل نفقاً مُظلماً لا أحد يعرِف مداه أو الوقت الذي ستستغرقه عملية البحث عن «ضوء» في نهايته، وخصوصا في ظل شائعات وتسريبات تقول: إن الاميركيين (وهم اصحاب نفوذ وتأثير قوِيَّين) أبلَغوا «قيادات» سُنيّة وشيعية وكردية ومنهم حيدر العبادي (على ما قالت التسريبات), بانهم «يرفُضون» إلغاء الانتخابات, وانهم «يُحذِّرون» من مغبَّة خطوة كهذه تُلغي انتخابات 12 أيّار بشكل كلّي, وهم أيضاً مع «ضرورة استمرار معالجة الطعون وتُهَم التزوير والتلاعُب, للوصول الى حل مُرضٍ من... النزاهة بـ»العملية الديمقراطية».

هذا يُطيح دور مؤسسات العدالة المفترَضة والمرجِعيات ذات الصلاحية في إلغاء او الإبقاء على النتائج التي تم إعلانها رسميّاً, وخصوصا المحكمة الاتحادية العليا التي تغنى بها السيد العِبادي, فضلا عن ملابسات وردود الفعل.. المرَحِّبة او الغاضبة, بقرار مجلس النواب إعادة فرز الاصوات «يدوياً». ذلك القرار الذي خضَع هو الآخر لجدل وسجالات لم تتوقّف أوتتراجّع حِدّتها, الاّ بعد حريق مخزن الرصافة, الذي وضع الجميع امام استحقاق جديد, لم يُخفِّف منه او يدفَع لـ»طمأنَةِ» إصحاب «المصلحة» في الابقاء على النتائج المُعلَنة, ما قيل عن توفّر «نُسخٍ احتياطية» للعملية الانتخابية, محفوظة لدى مفوضية الانتخابات. وهو امر لم يتم التأكد منه او معرِفة ما إذا كانت تلك النسخ ألكترونية أم ورقية؟ وبالتالي غموض إمكانية تنفيذ «قرار» مجلس النواب بالعدِّ اليدوي, وبخاصة انعكاس ذلك القرار على «دور» مفوضية الانتخابات, بعد تشكيل هيئة قضائية تتولّى الإشراف على عملية العد اليدوي. ما يضع هذه المفوضية في قفص الإتّهام بالتزوير وعدم النزاهة, وهو ما أسهم حريق مخزن الصناديق, في رفع منسوب هذا الاتّهام, فضلاً عن تناقض ردود الفعل التي عبرّت عنها تصريحات قادة الاحزاب والكتل والتيارات, وبخاصة «التحذير» المثير الذي أطلقه زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر من احتمال نشوب «حرب اهلية»، كان هو ذاته وبعض أركان «تحالف سائرون», الذي احتلّ المرتبة الاولى في قوائم الفائزين بالانتخابات الاخيرة, حذرّ ايضا من «حرب أهلِية» اذا ما استجابت الجهات المعنية لدعوات إلغاء نتائج الانتخابات (كان هذا قبل الحريق), ما يستدعي التوقّف عنده, لأن مجرّد التلويح به مرة قبل الانتخابات واخرى بعدها, تعني ان ثمة مُتضرِّرون من الإلغاء او إعادة الفرز (بافتراض تمّ ذلك), وأنهم لن يقبلوا به, وستكون لهم خطوتهم التالية, التي تعني اللجوء الى طرق وأساليب ومقاربات غير ديمقراطية(...) لعل أسهلها استدعاء السلاح والتمتّرس في الخنادق المتقابِلة, وجرّ العراق الى النموذج الليبي وربما الصومالي. في وقت يعيش شماله «الكردي» تحت وطأة اجتياحٍ وعربدة تُركية موصوفة, لا تأخذ في اعتِبار سيادة العراق (دع عنك سوريا), وهجمات ارهابية اخذت تشّتد في شمال العراق وغربه, وصراعات محمومة برزت بقوة بعد الانتخابات الاخيرة, وفشل الكتل الفائزة في إشهار «الكتلة الاكبر», التي كانت ستوكَل اليها مهمة تشكيل الحكومة الجديدة (وهذا كلّه.. قبل الحريق).

في السطر الاخير... احتمالات انزلاق العراق الى حرب أهلِيّة, واردة هذه المرّة اكثر من اي وقت مضى. وبخاصة اذا ما شعر المتضررون مما جرى بان دورَهم آخذ بالتراجع, وان «الدفاع» عن هذا الدور يحتاج الى إشعال حرب كهذه. إلاّ إذا تغلّبَت الحِكمة او تم استدراكها بِطرُق «إبداعِيَّة» نحسب انها لن تَروق لهؤلاء.

kharroub@jpf.com.jo