لعل الرئيس المكلف هو الوحيد الذي يقول في كل مناسبة أن الحمل ثقيل وأن الرحلة طويلة حتى يتحقق الإنجاز. اما المعلقون والمتابعون للمشهد فيصفون د. الرزاز بالمنقذ والمخلص والقادر على حل كل المشكلات بحكم تاريخه النقي وسيرته التي لم تشبها شائبة.

إن الأجواء الإيجابية المحيطة بعمل الرئيس المكلف من شأنها فعلا أن تسهل مهمته ، ولكن ليس من مصلحة أحد تصوير الأمر وكأنه رحلة سهلة وميسرة.

إننا إذا أمام إتجاهين في التفكير ، كلاهما لاتنقصهما النوايا الحسنة ، حيث يمثل د. الرزاز الإتجاه الأول الذي يحاول أن «يعقلن « التصورات حول قدرات الحكومة القادمة بالقول أن الأردن لايملك عصا سحرية. أما الإتجاه الثاني فإنه يعلق أمالا كبيرة على قدرة د. الرزاز وحكومته على الإنتقال بنا من حال إلا حال بين عشية وضحاها.

إن قدرا من التفاؤل قد يكون مشروعا ومطلوبا في هذه المرحلة ، فقد إجترح الأردنيون حراكا راشدا وعاقلا عبروا فيه عن مطالب مشروعة ، وأعلنوا بشكل حضاري عن رفضهم للنهج الجبائي لحكومة الملقي الأمر الذي أدى إلى خروجها من المشهد السياسي بشكل غير مأسوف عليه.

وقد إستجاب جلالة الملك لصوت الحراك المدني وعبر عن تفهمه الكامل لمعاناة المواطن الأردني الإقتصادية مضيفا أنه يشعر بالفخر لأنه أردني عندما يشاهد الشباب وهم يعبرون بطريقة حضارية عن آرائهم.

كما أن التصرف الحضاري لأجهزتنا الأمنية عزز صورتها الإيجابية في أذهان المتابعين والمراقبين في الداخل والخارج.

إن هذا التناغمالراقي في الأداء الذي تقاسمه المواطنون ومؤسسات الدولة المختلفة شكل مزيجا أردنيا خاصا أو وصفة مميزة حازت على إعجاب العالم.

وقد ساهم في تعزيز الأجواء الإيجابية حول الحكومة الجديدة ماصدر عن قمة مكة من قرارات من شانها أن تخفف بعض الضغوط الإقتصادية التي عاني منها الأردن في الآونة الأخيرة. كما أن صندوق النقد الدولي أوشك أن يتغزل بالأردن في بيانه الأخير وذرف دموعا حرى على الفقراء في البلاد ومعاناتهم الشديدة !

ولكن أخطر ما يمكن أن يحدث الآن هو الإغراق في التفاؤل أو الإعتقاد أن كبسة زر ستحل كل شيء وتحقق لنا كل الأماني المنشودة، وهو الأمر الذي يدركه الرئيس المكلف أكثر من غيره ويحذر منه. فالتحديات ليست مستحيلة ولكنها كبيرة وتستدعي عملا حثيثا وسعيا متواصلا.

أما الأمر الآخر الذي يشير إليه د. الرزاز في كل مناسبة فهو أنه لن يستطيع وحده أداء ماهو مطلب من مهام ، وأن التحدي يتطلب شراكة من الجميع ، فالتغيير المنشود هو تغيير نهج ، وهذا لايمكن أنه يحققه فرد حتى لو إمتلك قدرات أسطورية.

ولعل المطلوب الآن هو تطبيق ماجاء في الأوراق النقاشية الملكية وتحقيق الإصلاح الإقتصادي والسياسي المنشود. فالحكومة مطالبة – في الجانب الإقتصادي – بتحقيق النمو الإقتصادي وتحفيز الإستثمار وتنمية القطاعات التجارية والزراعية والصناعية وفتح مجالات العمل أمام الشباب بإطلاق المشاريع الجديدة والتصدي لمشكلتي الفقر والبطالة. أما الجانب الاخر المطلوب هنا فهو مراعاة الجانب الإجتماعي عند تحقيق التنمية الإقتصادية ، فقد عانى المواطنون كثيرا من النهج الإقتصادي الذي ساد في السنوات الأخيرة والذي كان يكتفي بالنظر إلى الأرقام دون أية مراعاة لإنعكاسات السياسات الإقتصادية سلبا على حياة الناس.

وإذا ماإنتقلنا للإصلاح السياسي ، فإن الخطوة الأولى تكمن في معالجة واقع الحياة الحزبية الأردنية والتي إستعصت على كل الحلول حتى الآن. ويدرك د. الرزاز أن أي حديث عن الحكومات البرلمانية التي أشار إليها جلالة الملك في أوراقه النقاشية لايمكن أن يترجم إلى صعيد الواقع في ظل هذه الحالة الحزبية التي تعاني من إختلالات عميقة. كما يجدر النظر في إعطاء اللامركزية زخما جديدا يتناسب مع المعول عليها من آمال.

بإختصار ، فإن خريطة الطريق طويلة ولكن الوصول إليها ليس مستحيلا إذا ماعملنا معا ، كل في موقعه ، دون تحميل الرئيس الرزاز وحكومته القادمة وحدهما كل الحمل ، ودون السباحة في بحار التفاؤل والأمال دونما إدراك لثقل الحمل وصعوبة التحدي.