استعرضت في المقالين السابقين, حجم اهتمام المبادرات الملكية السامية بالشباب, مستلهماً ذلك من الإيجاز الذي قدمه معالي السيد يوسف العيسوي, أمين عام الديوان الملكي الهاشمي العامر, رئيس لجنة متابعة المبادرات الملكية, في حواره مع جماعة عمان لحوارات المستقبل. وقلت إن المبادرات الملكية تهدف إلى بناء جيل متوازن نفسياً وجسدياً, وهو التوازن الذي يشكل الشرط الأساسي للحياة الإنسانية السوية, من هنا يمكننا القول إن مجمل استعراضنا لدلالات أرقام مشاريع المبادرات الملكية, أن الإنسان وخدمته هو محور هذه المبادرات, تجسيد لرؤية جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين, بضرورة توفير الحياة الكريمة للمواطن الأردني, وهو الهدف النهائي الذي تصب في مجراه كل روافد المبادرات الملكية, التي تُعنى بحياة الإنسان في كل مراحلها منذ الطفولة المبكرة, عبر سلسلة رياض الأطفال النموذجية, التي تقيمها المبادرات الملكية في مختلف مناطق المملكة, خاصة النائية منها والأقل حظاً, بالإضافة إلى تحسين البيئة المدرسية ببعديها المادي والمعنوي, عبر بناء وصيانة وتأثيث المدارس, وتزويدها بالمرافق المساندة من مختبرات وملاعب, وتغذية وخلافه, إلى مرحلة الشباب, من خلال إقامة مراكز الشباب والأندية و الملاعب ومحطات المعرفة, إلى تبني التميز والمتميزين من شباب الوطن, وصولاً إلى مرحلة الشيخوخة من خلال مشاريع سكن الأسر العفيفة وتأمين احتياجاتها من الغذاء و الدواء ومستلزمات الحياة الكريمة.

إن القراءة في دلالات المبادرات الملكية توصلنا إلى نتيجة مركزية تقول: أن الإنسان وحفظ كرامته هو محور هذه المبادرات, من خلال سعيها إلى إعداده وتدريبه وتأهيله تأهيلاً سليماً, خاصة في المناطق النائية والأقل حظاً, مما يعني أن المبادرات الملكية تهدف إلى تحقيق مبدأ أساسي من مبادئ الحكم الرشيد, هو مبدأ العدالة في توزيع الخدمات, المقدمة للإنسان وتوسيعها وتحسينها,كقاعدة أساسية من قواعد تحقيق العدالة بمفهومها الشامل.

وقبل سعيها إلى تحقيق العدالة كمبدأ من مبادئ الحكم الرشيد, فان المبادرات الملكية تسهم أيضا في بناء وترسيخ مفهوم التنمية المستدامة, من خلال التدريب والتأهيل ابتداء, وصولاً إلى نقل الكثير من الأسر العفيفة من مرحلة الحاجة والإعالة إلى مرحلة الإنتاج, والاعتماد على الذات.

إن تحقيق العدالة والتنمية الشاملة كهدف مركزي للمبادرات الملكية, يبرز واضحاً من سعي المبادرات الملكية إلى الوصول إلى المواطن الأردني حيثما كان, وتلمس حاجته وتلبيتها, قدوتها في ذلك جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين, الذي وصل في زياراته الميدانية إلى مواطنين يستوطنون حواف الوديان وقيعانها, مثلما وصل إلى المواطنين الذين يستوطنون أعماق الصحراء, مما فرض على العاملين في تنفيذ المبادرات الملكية نمطاً مختلفاً في العمل والمتابعة, ففريق متابعة المبادرات الملكية ليس فريق عمل مكتبي, يكتفي بالمراسلات والإتصالات لكنه فريق عمل ميداني, يواصل كلالة الليل بكلالة النهار, لتحقيق رؤى القائد, ولعل الخلفية العسكرية لمعالي رئيس هذا الفريق ساهمت في تكريس هذا النهج, ناهيك عن حرص الفريق على الاقتداء بجلالة الملك, وتوجيهاته المستمره بضرورة العمل الميداني وأهميته لتلمس حاجات الناس مباشرة, وعلى أرض الواقع, وهو أسلوب في العمل يفرض على من يمارسه مجموعة من القيم نجدها متوفرة في فريق متابعة المبادرات الملكية.

أول القيم التي فرضها العمل الميداني هي روح الفريق الواحد, وهذا يعني عملاً مؤسسياً تتحدد فيه الأدوار والمهام والمسؤوليات والواجبات, ولعل هذا هو السر الكامن في تمكن فريق عمل صغير, يتولى متابعة مئات المشاريع المنتشرة على امتداد خريطة الوطن من تحقيق كل هذه الإنجازات وكل هذه النجاحات, ذلك أن العاملين في المبادرات الملكية يشكلون في نمط عملهم وأسلوبه ثورة على الروتين, وخلاص من روح الوظيفة ورتباتها,ليقدموا من خلال هذه الثورة نموذجاً للعمل الرسالي الذي يؤمن صاحبه بما يقوم به, فيتابعه من «ألفه» إلى «يائه» ويسعى جاهداً إلى تذليل كل العقبات التي يمكن أن تعترضه, ولتحقيق ذلك كله فإن فريق المبادرات الملكية كثيراً ما يدخل في سباق مع الزمن, لأنه حريص على ثقه القائد الحريص على الإنجاز بسرعة وإتقان, ورغم كل إنجازاته فإن فريق المبادرات الملكية يتحدث بتواضع, ويؤكد على أن عمله هو عمل مكمل ومساند لعمل الحكومة, وليس بديلاً لها, أما نحن فنقول حبذا لو سرت روح عمل فريق المبادرات الملكية في كل مفاصل عمل الحكومة, من حيث قلة عدد العاملين وضخامة الإنتاج المتقن, ومن حيث إنكار الذات والذوبان بالفريق ومن حيث السعي والمتابعة, والحرص على إدامة المؤسسات والمنشئات حتى بعد تسليمها إلى الجهات المستفيدة منها, لتظل هذه المؤسسات محافظة على سويتها كمنجز ملكي فتحية للرجال الذين وثق بهم قائدهم فكانوا عند حسن ظنه.

Bilal.tall@yahoo.com