مع اقتراب موعد الانتخابات البرلمانية والرئاسية «المبكرة» في تركيا (24 حزيران الجاري), يخوض الرئيس إردوغان – في ما يبدو – معركته الحاسمة وربما الأخيرة, في مسعاه لإحكام قبضته على «القرار» وفق دستور جديد تم تفصيله على قياسه، يضع حداً لمائة عام, هي عمر النظام الجمهوري العلماني الذي اقامه مصطفى كمال (اتاتورك) في العام 1923، ويفسح في المجال للرئيس المُمسك بالسلطة منذ ستة عشر عاما, لتأسيس جمهورية «مختلِفة» بخطاب وايديولوجية ذات غطاء إسلاموي، فيما هو يروم استعادة إرث أجداده العثمانيين وإن بصيغة ومقاربات جديدة، بعد أن لم يعد بمقدور احد مهما بلغ دهاؤه وأيا كانت طموحاته وأحلامه (اقرأ أوهامه), استعادة المناخات والأجواء التي كانت عليها العلاقات الدولية قبل قرن, وخصوصاً في زمن صعود الإمبراطوريات الإستعمارية وتوسّعِها الجغرافي, وتنافسها المحموم على «استرقاق» واستعِمار الدول الضعيفة. تتساوى في ذلك الامبراطوريات الثلاث المعروفة العثمانية والبريطانية والفرنسية, ومَن أقلّ مستوى أو قوة في أوروبا وآسيا.

أسبوعان يفصلاننا عن الاستحقاق التركي الحاسم, الذي ظنّ أردوغان أن بامكانه الاستفادة من «الإنجازات» التي حقّقها على الصعيد الإقليمي وبخاصة في سوريا، فضلاً عن فشل أحزاب المعارضة في توحيد صفوفها, لمواجهة رئيس حزب العدالة والتنمية/رئيس الجمهورية, الذي»ضَمِن» دعم الحزب اليميني المتطرف بزعامة دولت بهشيلي (حزب الحركة القومية), ووقوف الأخير الى جانبه في استفتاء نيسان 2017 (تعديل الدستور وإلغاء النظام البرلماني الحالي لصالح نظام رئاسي يمنح رئيس الجمهورية صلاحيات واسعة) ظنّاً منه (اردوغان) انه يُجيِّر لنفسه المزيد من اصوات المتعصبين القوميين, الذين يُبدون كراهية وعنصرية تجاه كُرد تركيا, ويَبثُّون خطاباً شعبوياً يدعو لِشنّ «حروب» على حزبهم الشرعي.. «الشعوب الديمقراطي» الذي كسر حاجز نسبة الحسم (10%) وبات مُمثلَّاً في البرلمان, ما حرَم – وربما سيحرِم – اردوغان من الفوز في الجولة الاولى، ما يمنح المعارَضة في الجولة الثانية, فرصة لتوحيد صفوفها والوقوف خلف مرشح واحد في مواجهة اردوغان (يترشح الان «خمسة» معارِضين أمام أردوغان...وبعضهم البعض)، ناهيك عن دعوة حزب الحركة القومية اليميني للتوسّع في الحروب التي يشنها الجيش التركي ضد حزب العمال الكردستاني التركي «PKK» في سوريا, عبر الزعم بأنه يستهدف الذراع السوري لهذا الحزب المتمثل في حزب الاتحاد الديمقراطي وقوات حماية الشعب PYD التي تشكّل العمود الفقري لقوات سوريا الديمقراطية YPG «قسد» تبريراً لاحتلاله الأراضي السورية ورغبته في اقامة حزام أمنِيّ في الشمال السوري.فضلاً عن «المغامرة» الجديدة التي يخوضها الآن في «جبال قنديل» العراقية, دون استخلاص اي دروس وعِبر من الفشل الذريع الذي حصده جيشه, عندما توغل اكثر من مرة في تلك المنطقة بلا نتيجة تذكر.ما بالك الآن بعد ان ارتمى قادة كرد سوريا وحزب العمال التركي PKK في الحضن الاميركي, وباتوا جزءا من المشروع الاستعماري الأميركي الجديد؟.

إلى أين من هنا؟

المرشّح لمنصب الرئاسة والرئيس الحالي, الذي «يُسخِّر» كل موارد الدولة التركية لخدمة حملته الإنتخابية (له ولحزبه أيضاً الذي يخوض معركة برلمانية حاسمة أيضاً) لا يتورّع عن استخدام كل ما يتوفر عليه من «أسلِحة» لشيطنة منافِسيه والمسّ بهم والتحريض عليهم, وهو في آخر مهرجاناته الإنتخابية, ذهب في اتّجاه استِثمار الخطاب «التكفيري», لدغدغة مشاعر وغرائز البسطاء الأتراك, عندما شنّ حملة «تكفير» غمزاً من قناة مرشح حزب الشعب الحمهوري.. مُحرم إنجه, الذي اخذ يُشكِّل هاجسا لاردوغان ومصدر خطر ماثل امامه, عندما اتهم إردوغان «الجمهورِيين» بانهم حوّلوا الآذان من «العربية الى التركية» ويزعمون – وِفق اردوغان – ان افتتاح مدارس الأئمة والخطباء يُعد إسرافاً, مواصِلاً اتهامهم والتحريض عليهم بأنهم:»يتحدثون عن إلغاء مشاريعنا لعام 2023 (مئوية الجمهورية التركية) ويتعهّدون باهمال خطوط القطار السريع, وبيع المجمع الرئاسي».

يبث الرئيس التركي الذعر في أوساط البسطاء الأتراك, بعد استحضاره واستثماره الطويل في «نظرية المؤامرة», التي لا يتوقّف عن الإشارة اليها وبخاصة بعد التدهور المتسارع الذي شهدته «الليرة التركية» وفقدانها نحواً من 20% من قيمتها, ما انعكس سلباً على الشرائح الفقيرة والمتوسِّطة من الشعب التركي, ناهيك عن تراجُع الاستثمار وتسجيل حالات «هروب» واسعة, إثر التصريحات المُقلِقة التي اطلقها اردوغان نفسه, والتي اعتبرها مراقبون السبب الرئيس في تراجع سعر صرف الليرة مقارنة بالدولار الأميركي. تصريحات ادلى بها لصحف بريطانية «توعّد» فيها بانه»سيتوَلّى المسؤولية كرئيس للسلطة التنفيذية (فور استكمال التحول الى النظام الرئاسي)..بحيث لا ينازعه احد في ما يتعلق بالخطوات والقرارات المتعلِّقة بدور البنك المركزي التركي (الذي هو الان وقانونياً...مُستقِل). مستطرِداً فخامته «...ان الرئيس يجب ان تكون له سلطة على السياسة النقدية».

لا مؤامرة ولا ما يحزنون (أشار اردوغان وبعض وزرائه.. الى انخراط دولتين اولاً «مسلِمتَين»..ثمّ بوضوح «عربيتين» في هذه المؤامرة المزعومة, او على الأصح المُبالَغ في الاتكاء عليها)، بل هي نتيجة سياسات تدخلية وإشارة منه الى نيّتهِ إلغاء استقلالية البنك المركزي وتحويله الى اداة لخدمة اهداف حزب سياسي ورئيس كلِيّ السلطة, يستعد لدفن جمهورية اتاتورك, لصالح جمهورية ذات ايديولوجية إسلاموِية.

يقترب الرابع والعشرون من حزيران, فيما يواصل الرئيس التركي «معاركه» الداخلية, وخصوصاً «حروبه» الخارجية ذات الطابع العسكري التوسعي العدواني في سوريا والعراق. دون اي رادع سياسي او قانوني او وازع اخلاقي يحول دون المسِّ بسيادة هاتين الدولتين العربيتين، ودائما في استذكاء وغرور وتجاهُل مقصود للمتغيرات المتلاحقة...الإقليمية والدولية, التي تُؤشّر – ضمن امور اخرى – إلى أن تركيا لن تخرُج رابِحة.. في النهاية.

kharroub@jpf.com.jo