سيبقى يوم الاربعاء المجيد (30 أيار) والاسبوع الذي تلاه منعطفاً تاريخياً في حياة الاردنيين لم يعرفوا له مثيلاً منذ ما يقرب من مائة عام ، فلقد اثبت لهم قبل ان يثبت لغيرهم أنهم قادرون لا ضعفاء كما اعاد لنفوسهم ثقة وهنت حتى كادت تتلاشى تحت وطأة الخيبات والنكسات وشماتة الكثيرين بين ظهرانيهم !

وقبل الحديث عما تحقق في هذا المنعطف علينا أن نطل بصبر وأناةٍ على ما لم يتحقق وأن نفكر ملياً بما ينبغي عمله لمواصلة مسيرة التقدم نحو الديمقراطية وأن نناقش الدروس المستفادة والعبر المستخلصة لعلنا ندرك حقاً ان عبقرية المعارضة لدى الشعوب يمكن ان تأخذ ألف شكل وتتخذ ألف اسلوب، وعلينا أن نتفحص بهذه المناسبة الكم الكبير من الكلام الذي تناقلته الخلويات عندنا لنرى صدق بعضه ونفاق البعض الآخر.وعلينا أن نلاحظ دون عناء مدى الارتباك الذي انتاب الاعلام الرسمي في هذا الشان.

ونحن اذ نستعرض بعضاً من جوانب المشهد الجليل في الايام القليلة الماضية، ما ظهر منه لا ما بطُن، فاننا نتعرف اولاً على مجلس النقباء العتيد وقد تبلورت فيه الحالة الاردنية الأبية الرافضة وانعكست على مداولاته وقراراته غضبةُ الاردنيين المكظومة منذ زمن ، حتى ان هذا المجلس هبّ للقيام بدوره التوجيهي دون تفويض قانوني من احد وجابه الموقف الصعب بالاصرار على رفض قانون ضريبة الدخل بتعديلاته الجبائية الظالمة بعد أن تعلم من تجاربه القريبة والبعيدة ألا يصدق مراوغة الحكومات بذرائع اللعبة البرلمانية وقد لدغته في السابق مرات ومرات ! كما أنه تجاوب باخلاص مع نبض الجماهير رغم اختلاف الرؤى عند اعضائه، ثم استقوى بها وبصمودها فما تراجع أمام التهديد ولا لان أمام المغريات الى أن أُقيلت الوزارة وتلقى عهداً لا وعداً بالغاء القانون المعترَض عليه ، وإلا فالعودة الى الدوار الرابع ومواصلة الاضراب !

ولعلنا في هذا المشهد ايضا نسجل مظاهر الهلع الذي اصاب بعض رموز الدولة العميقة (وقد عرّفناها في مقال سابق) إثر الاطاحة بالوزارة فباتوا يترقبون ما قد يطالهم حين يشتد اكثر فاكثر عود المعارضة الشعبية ويبلغ وعيها لحقّها بل واجبها حداً يشمل المساءلة والمحاسبة في آتٍ من الزمان لا يكون إلا طوع بنانها !

ولا بد كذلك من اشارة كبيرة الى الاعلام العالمي الذي عاد للاهتمام بنا من خلال اخبار الاسبوع الاردني الملتهب اذ أبرزها في نشراته وتقاريره اليومية بعد ان كان يهمل ولأمد طويل فيضاً لا يطاق من انباء أخرى باهتة ظل أصحابها يجترونها له بلا جدوى ! ولعل مقال الكاتب المعروف ديفيد هيرست في صحيفة الديلي ميل البريطانية الذي تداولته وسائل التواصل عندنا على نطاق واسع خير مثال على ذلك..

دعوني قبل ان انهي هذا المقال البوح ببعض مكنون نفسي في هذا العمر المتقدم فلقد شعرت بسعادة غامرة حين تحركت في اعماقي ذكريات من شباب سحيق في القدم كنت فيه أشارك زملائي طلاب جامعة القاهرة مظاهراتهم في خمسينات القرن الماضي، وذكريات من شيخوخة غير بعيدة وانا أدلف واجف القلب الى ميدان التحرير في القاهرة بعد ثورة 25 يناير2011 ، ثم ذكريات الصدفة البحتة وأنا اسير في محاذاة مظاهرات حزيران 2013 في ميدان تقسيم في استانبول وأفرّ مع الفارين من القنابل الخانقة التي يسمونها تمويهاً مسيلة للدموع ! وقد اجتاحتني تلك الذكريات دفعة واحدة في احدى ليالي الاسبوع الماضي فوجدتني اخرج من منزلي عند الساعة الثانية عشرة متجها على قدمي صوب الدوار الرابع ، غير هيّاب الا قليلاً ! لأشهد بنفسي جماهير المعتصمين فيه وهي تهتف بشعاراتها السلمية المشروعة وسط ارتال من قوات الأمن المتحلية بالهدوء وبالتعامل الودود.. ثم وجدتني مرة اخرى وسط الجموع المحتشدة في مجمع النقابات المهنية يوم الاربعاء 6 حزيران 2018 وهي تستمع الى نقيب الاطباء يتلو عبر مكبرات الصوت بيان مجلس النقباء بعد اللقاء الحاسم برئيس الوزراء المكلف وعندما انطلقت من بين الصفوف هتافات مشككة عاد ليصحح خاتمة بيانه بالقول: وإذا نكثوا العهد عدنا الى الاضراب !

وبعد.. فكما أن اربعاءنا المجيد له ما قبله فلسوف يكون له ما بعده !