أسباب عدة دعتني لكتابة هذه المقالة اولها التقائي مؤخرا بالفنانة –الرسامة-الفلسطينية ابنة يافا «تمام الأكحل» ارملة الفنان- الرسام- الفلسطيني الراحل اسماعيل شموط ابن الّلد ، حيث سطّرا معا تداعيات القضية الفلسطينية بفن خالد تتطلع لإبداعاته الأجيال بإطلاعها على جداريات فنية تارة مكسوة بالوان الفرح الفلسطيني الزاهية وتارة مغطاة بليل احزانه التي تروي محنة الشعب الفلسطيني بإبداع يشمل الوطن السليب من اقصاه الى اقصاه وما يتوسطهما من المسجد الأقصى وقبة الصخرة..

ثلاثة اسباب دعتني لكتابة هذه المقالة :

الاول :التقائي بتمام بعد غياب طويل بشهر رمضان الحالي بليلة رمضانية مميزة تخللها فن عربي اصيل اردني سوري فلسطيني يحمل العبق الفني لبلاد الشام غناء لحنا تراثا طعاما وشرابا..

فالإبداع بمثابة لغة استثنائية لكونها الأصدق والأقرب الى القلوب والأسهل لقدرتها على تكسير الجليد بين الاختلافات العرقية واللغوية والثقافية والدينية..فبلمح البصر تستطيع هذه اللغة بناء جسور التفاهم بين الآخرين عبر هذه الأداة السحرية الابداعية العصية امام اي تعصّب او كراهية..

وثانيها: استرجاعي لذكرى مذبحة الحرم الإبراهيمي بالخليل التي ارتكبها الطبيب الاسرائيلي بوسط العتمة..الطبيب باروخ جولدشتاين في 25 شباط 1994 بحق مصلي بالحرم الابراهيمي وبشهر رمضان اثناء ادائهم لصلاة فجر الجمعة وذكِّر ان نفعت الذكرى!

وكما يبدو اسم مرتكب المذبحة الرمضانية «جولدشتاين» على نفس وزن «فلنكشتاين»..ف «شتاين» stein كلمة المانية تعني صخرة او حجر وغالبية اليهود من اصول المانية ينتهي اسمهم ب «شتاين».. حتى «فرانكشتاين» المشهور بافلام الرعب ينتمي الى هذه العائلة من الأسماء..

ويعود للذاكرة اسم شوشانا فلنكشتاين والتي تضمنته لوحة تمام الأكحل بتفاصيلها العالقة بالعقل والوجدان محصلتها تدمي القلب والروح معا.. أذكر كيف استمعنا لتفاصيل هذه اللوحة ترويها لنا الفنانة تمام والتي رسمتها بعد زيارتها الأولى لمسقط راسها يافا بعام 1997 منذ ان غادرته عنوة لاجئة على متن باخرة متجهة الى بيروت 1948..

لن ادخل بتفاصيل رحلة اللجوء الطويلة التي خاضتها تمام بل سأتوقف عند زيارتها لبيتها بيافا بعد سنوات طويلة من التهجير..

دخلَتْ تمام حديقة «الذي كان منزلها بالماضي»..صعدت الدرج.. قرعت الباب بيد مرتجفة وافكارها المتلاطمة تتصارع مع قهرها المفاقم بإعلان صاحبة المنزل الحالية – شوشانا فلنكشتاين- اليهودية الأشكنازية ذات الجذور الألمانية -والمقيمة بمنزل عائلة الأكحل، بانه غير مرحَّب بها.. و يصرخ بها رجل مفتول العضلات يقف الى جانب شوشانا بان تنصرف بعيدا وتغرب عن وجهه ناطقا بكلمات لا تليق..

فتجيبه تمام بصوت تخنقه العبرات: بل سأعود سأعود!

شاءت الصدف ان «شوشانا فلنكشتاين « فنانة وتقيم معارضها ببيت الأكحل ، مع ان تعاملها مع تمام يتناقض مع الإبداع والفن بأنواعه الفن الذي يزيل العراقيل ويمد جسور التفاهم بين الثقافات والشعوب..

لأنه من المفروض ان المبدع يتمتع بحس مرهف أرهف بكثير من الآخرين ويتفاعل بعواطفه اكثر.. ويكون اكثر رأفة بمن حوله.. لكن على النقيض فالإناء ينضح بما فيه.. اناء الاحتلال الذي لا يعرف شريعة ولا اتفاقية ولا حقا ولا انسانية..

والمفروض ان الفنان صاحب رسالة توحِّد ولا تجزِىئ فنان له رسالة راقية علوية تترفع عن صنوف الطمع والجشع والأنانية والكراهية

فنان يعترف بالتعددية.. يعترف بالآخر !

الا بحالة الاحتلال حيث يقف فيها الفن ضد الإنسانية.. ضد العدالة.. ضد كل معنى جميل بالحياة..

مكثت تمام تجوب حديقة منزلهم متفقدة بذاكرتها دجاجات وارانب واحواض نعنع علقت بطفولتها.. فما كان منها إلا وأن تكمش بقبضة يدها حفنة رمل وتقفل عائدة لتروي حكاية حفنة الرمل اليافاوية التي استودعتها بزجاجة لتبث لوعتها بضربات ريشتها مخلدة بلوحتها لحظات الألم التي عايشتها بعقر دارها المستلبة !

حاول الإعلام الإسرائيلي اظهار ديمقراطيته حيث دعت شوشانا «تمام» عبر التلفاز لتتناول الشاي واعدة بمنزلها واعدة إياها بخبز كعكة خصيصا لها من صنع يديها كأنها « ترشّ على الموت سكّر»..

المهم رسمت تمام « وجه شوشانا وقبضة يدها التي تقفل الباب» بلون «نيلي» يرمز بنشازه الى وجود شوشانا الشاذ موحية ب «نيليته» بأنها مؤقتة مارقة ستزول مع الزمن..

قد تقيم شوشانا معرضا للوحاتها الغارقة بخضرة مصطنعة لوفاء مصطنع تخدع به الآخرين.. متسترة على حقيقتها المتقلبة التي هي ابعد ما تكون عن اللون الواحد.. فالتقّلب بين الألوان المتعددة رمز لحالات من الرياء والأمزجة المتغيرة لاحتلال بوجوه واقنعة.. كل ومناسبته..

فشوشانا تحتل بغطرسة بيت تمام وشوشانا بنت الإحتلال الطارئة تنطبق عليها مواصفاته غير الطبيعية.. بعكس تمام بنت يافا المتمسكة بجذورها والقابضة على رملها ، ولهذا ستعود تمام ل «عروس البحر» ما دام بأن هنالك لونا واحدا.. لون الحق..يبشر بميلاد عهد جديد..

شاءت شوشانا او لم تشأ!

hashem.nadia@gmail