تُطْلق كلمة برلمان»كمصطلح» عموماً على مجلس النواب، أو ما تسميه بعض الدول «مجلس الشورى» أو «المجلس التشريعي» أو «الجمعية الوطنية» أو «المؤتمر العام» أو «مجلس الشعب». أما مجلس الأمة فتطلق أحياناً على مكوني السلطة التشريعية وهي؛ البرلمان (ويجيء بالانتخاب) والأعيان (ويجيء بالتعيين).

تعود كلمة «برلمان»، في أصلها، إلى اللفظة الفرنسية «بارلية» Parler، ومعناها الحوار أو النقاش أو تبادل وجهات النظر أو الكلام. أما أول استخدام لهذا التعبير فقد جاء عام 1236م في بريطانيا. وكانت تعني أنذاك مجموعة من المستشارين المقربين من الملك. أما أوّل برلمان (بمعناه الابتدائي) أُسس في العالم فكان عام 1118م في مملكة ليون الأسبانية.

والبرلمان بكل متقلباته، هو هيئة تشريعيّة، وجدت في دول تأخذ بالنظام الديمقراطي وذات دساتير تعتمد مبدأ فصل السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية وتعاونها، بمعنى أن يكون الفصل مرناً أو جامداً، تستقل فيه كل هيئة عن الأخرى إلى أقصى درجة ممكنة. والبرلمان هو الهيئة الوطنيّة التي تمثل الشعب أمام الحكومة، وتختلف سلطاته ومهامه من دولة إلى أخرى، إلاّ أنها في معظمها تتفق على وظيفتي الرقابة على أداء الحكومات، بالإضافة إلى التشريع وسن القوانين وتعديلها وإقرار الاتفاقيّات الدولية. كما تملك هذه السلطة (كونها الممثل المباشر والصريح لأفراد الشعب) صلاحية سحب الثقة من الحكومة، كما تملك الحكومة من جانبها سلطة التنسيب لرئيس الدولة بحل البرلمان، ولكن يجب أن يكون هذا التنسيب وفحواه مبررين.

هذه التفاتة سريعة ستكون بمثابة إطلالة عامة على الموضوع الرئيس الذي سيتمحور حول أهميّة البرلمان، وأهميّة النائب، وما يجب أن يكون عليه الأمر في مستقبل عملهما وجوهره.

يتكون البرلمان من مجموعة من الأفراد يطلق عليهم اسم «نواب»، يتم التحاقهم بالبرلمان عن طريق الانتخاب والاقتراع العام السري والمباشر، باستخدام أساليب الديمقراطية، ويتم اختيارهم من قِبَلِ المواطنين المسجلين على اللوائح الانتخابية.

أما أهمية وجود البرلمان فتعود، في أساسها، وحسب المراجعات التاريخيّة للدوافع التي كانت وراء نشأتها وتطورها، إلى أنها جميعاً تشكل الأساس والجوهر للوظائف الملكفة بها البرلمانات التي يجب أن تمارسها، وهي ابتداءً مهمة التمثيل أو النيابة عن الشعب، وبناء الدولة القوميّة، وحل النزاعات الداخلية بالوسائل السلمية، وكل ذلك يكون، بالضرورة، استناداً إلى حكم الأغلبيّة، وإلى مبدأ تدعيم أهمية خدمة التحوّلات الاجتماعية والاقتصاديّة الواسعة التي شهدتها أكثر من دولة من دول أوروبا الغربيّة، وذلك بعد نمو الطبقة الوسطى المؤثرة إبّان مرحلة الانتقال إلى فترة الثورة الصناعيّة، بحيث يكون الغرض من إنشاء البرلمانات، فتح المجال أمام أكبر عدد من أفراد الشعب للمشاركة في الحياة السياسية والتأثير فيها، وقد جاء ذلك محققاً لمبادئ السيادة الشعبيّة والمواطنة والمساواة بين المواطنين في الحقوق والواجبات. ولما أن كان من المُحال أن يشارك الأفراد جميعاً في البناء السياسي للدولة ذهبت المجتمعات والفقهاء إلى الأخذ بقاعدة التمثيل أو النيابة أو الإنابة.

ومع تطور مبادئ الحريات السياسيّة وأفكارها، وظهور الأحزاب وتعددها، أصبح البرلمان هو الساحة الصالحة والقادرة على عكس المساهمات الحقيقيّة للأفراد في اتخاذ القرار السياسي، وبالتالي المشاركة في المساءلة والمراقبة والاستشارات والمحاسبة.

أما في الدول النامية، ودول ما كان يعرف بالعالم الثالث، والدول المتحررة من ربقة الاستعمار، فقد كان الدافع لديها في تأسيس البرلمانات، يقوم على مبدأ بناء الدولة القوميّة، وتأكيد الهوية الوطنيّة المشتركة بين الأقطار التي قطّعها الاستعمار بحدود وفواصل جغرافية واجتماعية وسياسية وفكريّة لتحطيم مرتكزات القوميّة الواحدة. ولقد رأت هذه الدول ضرورة إنشاء المؤسسات السياسيّة لتجسد قوميتها وهويتها، وكان البرلمان من أهم هذه المؤسسات، كونه المعبِّر الأهم عن مختلف الجماعات والأقاليم والفئات التي تنتمي لنفس الدولة، وبالتالي هو الجهة الوحيدة المؤهلة لإيجاد أرضية مشتركة بينها، الأمر الذي يسوق نحو إيجاد أرضيّة مشتركة تُبْنى عليها الدولة بالمفهوم الصائب والحديث، هذا بالإضافة إلى كون البرلمان هو أحد المكوّنات المحققة للاستقرار الاجتماعي بمعناه الشامل.

وهكذا فإن وظيفة البرلمان تتراوح، في مجالها ونطاقها، من دولة إلى أخرى، وذلك حسب الإطار الدستوري لهذه الدولة أو تلكالذي يحدد أسلوب توزيع اختصاصات الحكومة، وكذلك تبعاً لمدى التطور الديمقراطي وقوّة السلطات الرسمية.

وعليه فلا بد من إدراك جميع أعضاء البرلمان للوظائف الملقاه على عائق كل واحد منهم تجاه الدولة برمتها، وليس تجاه دوائرهم الانتخابية فحسب. هذا الفهم يشكل، بصورة أو بأخرى، أساس وجودهم تحت القبّة.

أما الأمر الثاني فيتمثل في ضرورة فهمهم (أي النواب) أن فيهم وفي وظائفهم تتجسد قيم الديمقراطية في إنشاء نظام حكم يعتمد على تمثيل الشعب، وحرية المشاركة لأفراده، والمساواة بينهم.

وفي الثالثة لا بد من الإحاطة بأن التسمية المرادفة للبرلمان، في كل الثقافات المعاصرة، هي المؤسسة أو السلطة التشريعية برغم أن مبادرة اقتراح مشاريع القوانين وصياغتها تأتي غالباً من جانب السلطة التنفيذية، إلا أنها لا تمر ولا تثبت ولا تطبق إلا إذا أقرّها البرلمان، هذا إلى جانب دور البرلمان في اقتراح صور قواعد عامّة تحكم التفاعلات بين الأفراد والجماعات، وتنظم العمل والعيش المشترك بينهم، وذلك كون أن كل الأمر متعلق بإرادة الشعب التي يمثلها النواب، مما يجعل هذه الوظيفة البرلمانية من أهم سلطات الدولة.

ورابعتها السلطة الرقابيّة بصورها الثلاث؛ رقابة البرلمان على الحكومة، ورقابة الحكومة على البرلمان، ورقابة الرأي العام على البرلمان. وفي تكامل ذلك تستقر الديمقراطية، ويتحقق التوازن بين السلطات، وتُسْتكمل الإرادة الشعبيّة للمواطنين. وتنتهي السلطة الرقابيّة هذه إلى بناء الاستقرار السياسي، وبالتالي إعادة الأمور إلى نصابها إن هي انحرفت عن المسار الصحيح.

وفي الخامسة تنتصب الوظيفة المالية، تلك السلطة التي حصلت عليها البرلمانات بعد صراع طويل مع الحكومة منذ القرن التاسع عشر، بعد أن أصبحت هذه السلطة من أهم مصادر قوّة البرلمان في مواجهة الحكومة.

ولعل فوق ذلك كلّه هو ارتباط مسيرة التطوّر السياسي ونمو الاتجاهات الديمقراطيّة في جميع دول العالم بدور البرلمان، حيث كان نقطة الانطلاق لأفكار الحرية والمساواة والمشاركة السياسية الشعبيّة في الحكم، كون البرلمان يساهم مساهمة كبيرة وفاعلة في تشكيل الرأي العام، وبلورة الاتجاهات السياسيّة العامّة حول النظام السياسي، وأداء الأجهزة الحكوميّة باعتبارها هياكل نيابيّة.

هذا هو المفهوم الدقيق والصحيح والراشد لمصطلح البرلمان، وهذا هو معنى مهام النوّاب، الأمران اللذان يجب أن يبقيا أمام الأنظار ومنطلق كل العمل النيابي، كون البرلمان، في كل دولة، هو مستودع الفكر والخبرة، ومصدر قوّة الدفع في الدولة، خاصة إذا ما أدركنا أن البرلمان هو المؤسسة الوحيدة، في نظام الحكم، التي تجمع بين وظيفتين رئيسيتين، إلى جانب كونه هو المؤسسة الأكثر ارتباطاً بالجمهور. وهو إلى جانب ذلك يمثل السلطة العامّة الوحيدة التي تضم عدداً كبيراً من الأعضاء وكلهم منتخبون من قِبَلِ الشعب.

ومن المهم، إلى جانب ذلك كله، إدراك أن النائب يضطلع بمهمة لا تقل مسؤولية عن الرقابة والتشريع وهي ما تعرف بالمهمة «التواصلية»، بل وتعتبر هي أساس كل الوظائف، لأن النائب البرلماني لا يمكنه أن يكون مشرّعاً ناجحاً أو مراقباً جيداً أو سياسياً واقعيّاً، ما لم يكن متواصلاً مع محيطه، ومصغياً إليه، وناقلاً لانشغالاته وهمومه وآماله إلى ساحة العمل التشريعي والرقابي والسياسي.

ولما أن كانت هناك حالة متعمقّة من المطالبة بتحقيق الخدمات الشخصيّة للمواطنين القريبين من النائب أو لأبناء دائرته أو لمعارفه، وما يلحق بذلك من تهم وانتقادات بانحراف النائب عن وظيفته الأساسية، فإن القول الفصل يذهب إلى ضرورة فهم النائب والناخب أن عملية دراسة إنشاء تشريعات وقوانين، قادرة على تحسين معيشة الناس وإصدارها، كما تخلق إنسجاماً بين الحالين، إذ أن تحسين التشريعات والقوانين تحسّن من حياة الناس فينالوا مبتغاهم.

وهنا يصدق القول لو أن السلطة التنفيذية (الحكومات) قد أنجزت مهامها وقامت بواجباتها، من توفير جميع حقوق المواطنين من تعليم واستشفاء وسكن وعيش كريم، وعملت بمبدأ تكافؤ الفرص والمساواة، لما برزت ظاهرة «نائب الخدمات». ولو أن هذه الحكومات استمعت جيداً إلى مطالب الناس وصغت إلى احتجاجاتهم، لما ذهبوا إلى النائب ليشكوا له همومهم، خاصة أن هناك الكثير من يقايض النائب «بالصوت» مقابل «الخدمات». هذا دون أن ننسى أن هناك حالات واقعة تقول بمقايضة الحكومة للنواب، أي أنها ترهن تقديم الخدمات (التي هي أصلاً وظيفتها) لدوائر النائب، بأن يساير النائب هذه الحكومة، فيدعمها ويبتعد عن انتقادها وبالتالي يظل يمنحها الثقة تلو الثقة.

وعليه فلا بد من تعميق الأصول الدستورية والديمقراطيّة التي تعتبر النائب مشرّعاً ومراقباً في الأساس، على أن يترافق ذلك مع معالجة الأوضاع المعيشية للناس بشكل حقيقي وفاعل على قاعدة التنمية المتوازية.

إن الارتقاء المرتجى بمفهوم التمثيل النيابي إلى مصاف الإسهام في الحياة الوطنية العامة، وما يترتب عليه من واجبات تتجاوز المصالح الفردية والجهوية والمناطقيّة والطائفية إلى المصلحة العامة للدولة، يجعل من النائب جزءاً مهماً في الحكم المسؤول الذي يحصّن الدولة ويحقق التنمية والشفافية والسيادة.