أبواب - زياد عساف

على وقع نشرات الأخبار ومع ورود أي خبر يفيد باساءة للدين ورموزه ، يهرع بعض الكتاب و الفنانين إلى الأستوديوهات لتسجيل أغان يغلب عليها طابع الحماس و التنديد و الشجب ، ومع اقتراب شهر رمضان في كل عام يفطن المنتجون حينها للإسراع و بزمن قياسي لتقديم فقرات غنائية دينية بكلام و لحن عادي يخلو من أي فكر أو مضمون لتغطية المساحة الزمنية المفروضة في هذه المحطة أو تلك ، رد الفعل السريع وغير المدروس تجاه الحدث أو المناسبة أدى الى تكدُّس مئات الأعمال مما يُطلق عليها مجازاً أغاني دينية ، الحافز الوحيد الذي تخلقه هذه النوعية من الأعمال أن تدفع عشاق هذا اللون من الغناء لتغيير وجهتهم والبحث في قنوات أخرى عن فقرة أو برنامج اّخر من نوعية البرامج التي تستعيد التراث الغنائي الزاخر بالعديد من الفنون الغنائية الدينية ،أبرزها و أجملها المدائح النبوية التي تتغنى برسول البشرية محمد عليه الصلاة والسلام والتي يزداد عشاقها وعلى امتداد البلاد العربية و الإسلامية.

ازدهار هذا الفن وعلى مدار مئات السنين كان له مقوماته ، والتراجع الحاصل الاّن له أسبابه أيضاً ، هذا الإنعطاف يستدعي البحث و الدراسة في هذا المجال بهدف اعادة إحياء أحد أهم ركائز الغناء العربي ، والعودة بالأغنية الدينية الى سابق عهدها ، يتجاوز دورها مرحلة إحياء العاطفة و الشعور الديني ، الى بناء الإنسان الواعي المتحضر الذي هو هدف رسالة الإسلام و غايتها .

حسن و محاسن..

الأغنية الشعبية ظلت هي الأقرب لنبض الشعوب و أحاسيسهم ، و في الوقت نفسه كانت الفطرة الدينية ولازالت هي السمة الأغلب في سلوك الناس و طريقة تفكيرهم ، المدائح النبوية جمعت مابين هاتين الحالتين فحققت هذا الإقبال من الناس في المناسبات الدينية والموالد الشعبية و النشاطات التي تقيمها المؤسسات الدينية و الثقافية في العديد من البلاد العربية .

المديح النبوي و كأي فن له بداياته و جذوره ، الحُسن و المحاسن التي اتصف بها رسول البشرية كانت الملهم لظهور فن المديح ، وكما تروي العديد من المصادر أن عبد المطلب جد النبي كان أول من نظم الشعر في مدح حفيده وهو صغير ، ثم عمه العباس بن عبد المطلب وذلك عندما كان الرسول في بداية الدعوة للإسلام ، على هذا النهج سار العديد من الشعراء ممن واكبوا فترة الإسلام أمثال كعب بن زهير و كعب بن مالك و عبدالله بن رواحة و أولهم بطبيعة الحال شاعر الرسول حسان بن ثابت .

بعد وفاة الرسول تراجع شعر المديح و قلة من بادروا الى ذلك ، الى ان كانت النقلة النوعية مع ظهور شعراء الصوفية نهاية العصر العباسي ، ومع ظهور الحركة الصوفية التي رسخت فكرة مديح الرسول بنهج مختلف ، وجعلتها ركناً أساسياً في أشعارها وواكب العديد من أهم شعراء الصوفية تلك الفترة ،ونظموا القصائد و الأشعار في الرسول عليه السلام أمثال عمرو بن الفارض و الحلاج و البوصيري صاحب الهمزية و البردة ، وفي العصر الأموي يعتبر الفرزدق من أهم شعراء المديح النبوي خاصة في قصيدته -الميمية ، واستمر العديد من المبدعين بنظم اشعار المديح في حب رسول الله لغاية عصرنا هذا ، ويعود الفضل في إحياء شعر المديح النبوي الى احمد شوقي بنظمة للعديد من القصائد و اشهرها التي عارض بها الإمام البوصيري .

إثراء ..

تعتبر المناسبات الدينية الفرصة الأمثل للمداحين للتعبير عن حبهم لرسول الله و الشوق لرؤيته وزيارته والإشادة بشجاعته في الحروب والصلاة عليه و المعجزات التي حباه الله بها ، المولد النبوي كان هو الفرصة الأهم لتقديم المدائح النبوية تليها مناسبات أخرى مثل الهجرة النبوية و ليلة الإسراء و المعراج وشهر رمضان و ليلة القدر والأعياد .

في كل واحدة من هذه المناسبات كانت الجموع الغفيرة تكتظ بالأماكن التي تقام بها ،مثل المساجد و الموالد الشعبية والمقامات والمسارح والخيم التي تقيمها عادة وزارة الأوقاف ووزارة الثقافة والمؤسسات العامة والخاصة في بلاد عدة، هذه الظاهرة منتشرة في أغلب البلاد العربية مثل الأردن وسوريا و لبنان وفلسطين و العراق و المغرب العربي و دول الخليج ، في كل بلد عربي وكحال الإنشاد الديني في هذه البلاد ، توجد خصوصية لكل قطر ما أضفى حالة التنوع بفن المديح وهذا بدوره كان اثراءً للغناء العربي بشكل عام .

عوامل و أسباب كثيرة رسخت هذا الفن لدى الناس ، من أهمها تمازج المديح النبوي مع الشعر الصوفي وخاصة عندما يكون من أشعار محيي الدين بن عربي و الحلاج و ابن الفارض وجلال الدين الرومي ، والتي تحاكي الروح وتحلِّق بالمستمع في عالم من الصفاء و الوجد وهو يستمع للموسيقى المصاحبة لرقص المولوية و التنورة التعبيري المصاحب للغناء الصوفي ،عزز من ذلك ان نسبة كبيرة من المداحين ينتسبون للطرق الصوفية فاتسم اداءهم بالصدق و الشفافية .

موال..

تقديم المدائح بأسلوب الحكاية الشعبية المحبب لدى الناس و على طريقة الراوي أو الحكواتي ساهم أيضاً بجعل فن المديح الأقرب و الأحب للإنسان العربي ، كونه تربى ومنذ الصغر على سماع حكايا الجدات ورواة السير و الملاحم الشعبية حتى أصبحت الحكاية وبأسلوب الراوي ملمحاً بارزاً في الثقافة العربية .

وظَّف المداحون الموال الشعبي في أغانيهم وهو من الفنون التي يعشقها المستمع العربي ، ويبدأ كل مدّاح بالموال ل - تسخين - الجو والتأثير بالمتلقي من البداية ، هذا الأسلوب كان عاملاً إضافيا لنجاح فن المديح ، والذي ساعد على تألقه و استمراره أن كل مداح محترف كان له مجموعة من التلاميذ الذين أكملوا المسيرة بعده ليحافظ هذا الفن على الإستمرارية لغاية الاّن ، والملفت للإنتباه بروز العديد من ابناء المداحين الذين ساروا على نفس النهج و بمناطق القرى والأرياف تحديداً ،نظراً لفكرة التوريث السائدة في ثقافتهم و حسب رؤية الباحثين و المهتمين بأغاني المداحين و فنونهم .

خرافة ..

في الوقت نفسه يواجه فن المديح عقبات و إشكاليات عدة أهمها تراجع و غياب التوثيق لهذا التراث الغنائي لم لهذه الخطوة من أهمية ، وتجربة رائد الفن الشعبي زكريا الحجاوي لا زالت ماثلة أمامنا ، عندما طاف الحجاوي في المحافظات المصرية ولعدة سنوات يبحث و يدون للمدائح و للغناء الشعبي ، كان لهذه التجربة الفضل الكبير بالإستفادة من كنوز التراث ، وأهم ما في رحلة زكريا الحجاوي هذه اكتشافه لأشهر المداحين في مصر وما قدموه بعدها من أجمل المدائح النبوية ، ومن بينهم محمد طه و الريس متقال وابو دراع و شوقي القناوي وخضرة محمد خضر و جمالات شيحة و فاطمة سرحان و هنيات شعبان و رقية العطار و نبيلة عطوة .

من أهم الأسماء التي كانت لها بصمة كبيرة بفن المديح ، سيد النقشبندي و احمد التوني وياسين التهامي ومحمد توفيق المنجد و صبري مدلل و صباح فخري فهم أصحاب الفضل بوصول المدائح النبوية والصوفية الى العالمية حتى غدا هذا الفن مطلوبا في العديد من الدول الاجنبية .

على الجانب الاّخر وأمام هؤلاء المبدعين برز متطفلون كثر ، لايمتلكون الخبرة و الحرفية الكافية التي تؤهلهم للإرتقاء بهذا الفن ، و أخطر ما في الأمر تربية العقل العربي على الخرافة من خلال مايردده هؤلاء في الموالد الشعبية مايساهم بتعطيل العقل عن الإبداع ، و ترك كل شيء للقدروحسب مفاهيمهم الخاطئة والحث على الصبر والتحمل بعيداً عن السعي أو إحداث أي تغيير، ما يحول دون تطور الإنسان و تقدمه وهذا ما يستدعي دق ناقوس الخطر نظراً لاستشراء هذه الظاهرة ومنذ زمن ، وإيجاد الحلول لذلك وأهمها تغليب الفن الجيد و الهادف على ما يقدم من إسفاف يلغي الدور البناء للفرد ويعطل قدراته على كافة الإصعدة .

روحولوا المدينة ..

الإضافة الحقيقية هي المعيار الحقيقي لأي فنان ، أغلب ما يطلقون على انفسهم بالمداحين لم يصلوا لهذه المرتبة أيضاً ، و ساهموا بالتراجع على هذا الصعيد لغياب الموهبة الحقيقية لديهم ، لدرجة أنهم استعانوا بأغاني عاطفية شهيرة وقاموا بتوليف كلام ظاهره ديني مع الإحتفاظ باللحن الأصلي كونهم غير قادرين على انجاز الحان من وحي خيالهم و مقدرتهم ، الأمثلة على ذلك كثيرة ، ففي الفترة الأخيرة استمع الكثيرون لتسجيل نادر بصوت عبد الحليم وهو يستعيد بصوته أغنيته الشهيرة - قولولوا الحقيقة كما استمع اليها بأحد الموالد وبصوت مجموعة من المداحين مع كلام مخالف للأصل :

”روحولوا روحولوا ..روحولوا المدينة

روحولوا و شاهدوا .. و باركوا وعاهدوا نبينا

محمد نبينا .. روحولوا المدينة“ .

المردود السلبي في هذه الحالة ان المستمع يعود بخياله لمشهد الأغنية الذي أداه حليم بفيلم - شارع الحب 1958 ، ويستعيد المناكفة الساخرة بين زينات صدقي وعبدالسلام النابلسي ومشاركة نجوى فؤاد بالرقص في هذا المشهد ، ما يعني حالة القطع بين المستمع و المؤدي ، وهذا ماينطبق على هذه النوع من الإقتباس الغير موفق بأغلب الأحيان .

أحمد يا حبيبي ..

يحتفظ أرشيف المحطات الفضائية و الإذاعية بأروع و أجمل المدائح النبوية التي شكَّلت علامات مضيئة في تاريخ الأغنية العربية عموماً ، من الأعمال التي أنتجت في سوريا موشح اليه به سبحانه أتوسل و عليك الصلاة و أزكى السلام : الحان زهير المنيني ، اشرف الخلق نبينا :الحان سعيد فرحات ، يا امام الروح يا سندي :صباح فخري و احمد يا حبيبي سلام عليك لصبري مدلل .

من تونس غنت المطربة صليحة انزاد النبي و فرحناله ، لطفي بشناق هو رسول الله ،المطربة فيروز ومن الحان الأخوين رحباني و شعر ابن جبير شدت في حب رسول الله ومن قصيدة أقول و اّنست بالليل نارا :

ولما حللنا فناء الرسول

نزلنا بأكرم خلق جوارا

وقفنا بروضة دار السلام

نعيد السلام عليه مرارا

اليك اليك نبي الهدى

ركبنا البحار و جبنا القفار

دعانا اليك هوى كامنٌ

أثار من الشوق ما قد أثار .

أتحفتنا أم كلثوم و بفترة الأربعينات من القرن الماضي بثلاثة قصائد لأمير الشعراء وهي سلوا قلبي ونهج البردة و ولد الهدى وجميعها من الحان رياض السنباطي ، سيد النقشبندي : سيدي يا رسول الله و الصلاة على الحبيب و صلوات الله و سلامه عليك ،محمد عبد الوهاب :أغثنا أدركنا يا رسول الله ،اسمهان :عليك صلاة الله وسلامه ، ليلى مراد: يا رايحين للنبي الغالي ، احمد عبد القادر :يوم مولدك يا نبينا ، شافية أحمد :المولد النبوي و مولد الرسول ،صالح عبد الحي :مولد الرسول ، فايدة كامل : قصة الهجرة و يا أفضل الرسل ، ابراهيم حمودة : حبيبي يا رسول الله ، نجاة الصغيرة : نجوى الرسول .

الفين صلاة ع النبي ..

ومن الروائع التي قدمتها فايزة احمد من الحان محمد محسن :

يارب صلي على النبي المجتبى

ما غردت في الأيك ساجعة الربا

صلوا على المختار فهو شفيعكم

في يوم يبعث كل طفل أشيبا .

ومن المدائح الجميلة التي لازالت تردد لغاية الأن للمطرب محمد قنديل و الحان عبد العظيم عبد الحق :

الفين صلاة ع النبي

الفين صلاة ع الزين

وجه الكريم مكسبي

والصبر اّخره الزين .

مدد يا نبي ..

ومن مصر أيضاً غنت ياسمين الخيام : محمد يا رسول الله ، محمد رشدي : صلوا على المصطفى ، محمد طه : حب جمال النبي دا مكسبي ، سيد مكاوي : صلى الله على محمد ، خضرة محمد خضر : نور النبي ،سوزان عطية : الله زاد محمداً تعظيما .

”مداح الرسول“ لقب أُطلق على الفنان محمد الكحلاوي لما قدمه من روائع الأعمال في مدح الرسول عليه السلام ومنها :لاجل النبي و حب الرسول دوبني دوب و عليك سلام الله وبأداء شفاف غنى أيضاً وهو يناجي خير المرسلين :

”الورد كان شوك نوِّر في بساتينا

والأرض كانت تراب صبح التراب حنَّه

حتى الحمام كان ينوح لاجل النبي غنَّى

قلت لحمام الحمى خد من دموعي شهود

وانا جيت ازورك يانبي و اقول مدد

شاهدت نورك يا نبي زاد المدد

مدد يانبي يا نبي مدد

مدد ..مدد ..مدد ”.