عمان – ناجح حسن

استعاد عشاق السينما في أرجاء العالم جملة من أبرز إبداعات المخرج الفرنسي الراحل فرنسوا تروفو، التي احتفت بها الكثير من الملتقيات والمهرجانات السينمائية العالمية بعد أن جرى ترميمها وتحويلها بأحدث التقنيات الرقمية لتعرض على شاشات العالم في أفضل صورة جمالية.

ومن بين الأعمال التي جرى الاشتغال عليها أفلام : «الأربعمائة ضربة»، «جول وجيم»، «الصبي المتوحش»، «الرجل الذي أحب النساء»، «مصروف جيب» ، «الليلة الأميركية»، و»المترو الأخير» .. وجميعها عدت من بين أشهر كلاسيكيات السينما وأفردت لها فضاءات جديدة من البحث والتحليل أشرت على فطنة صانعها تروفو وبراعته في ابتكار مفردات اللغة الدرامية والسينمائية، حيث اعتبره النقاد أحد أبرز المخرجين القلائل الذين تركوا بصمتهم الواضحة على دنيا الأطياف والأحلام.

أخذ فيلم «الأربعمائة ضربة» موقعه المتميز كواحد من أشهر الأفلام في تاريخ السينما، حيث فاز بجائزة أفضل إخراج في مهرجان «كان» دورة العام 1959، وفيه يروي جانباً من سيرته الذاتية من خلال قصة تصور حياة فتيان على عتبة المراهقة ومغامراتهم داخل مدينة مزدحمة مثل باريس، كل ذلك يسري بعين فتى يتعرض للمعاملة السيئة من قبل الأهل والمدرسة، فيهرب من العقاب ليبدأ رحلة الكذب والتشرد بعدها، إلى أن تصل به الأمور إلى سجن الأحداث، ويشكّل مشهد هروب الفتى الختامي واحداً من أكثر المشاهد شهرة في تاريخ السينما.

جاء فيلم «الأربعمائة ضربة»، أول أفلام المخرج الفرنسي الراحل فرانسوا تروفو، بعد تحوله من الكتابة في النقد السينمائي إلى صناعة الأفلام، انطلاقاً من نظريته في البحث عن رؤى وآفاق جديدة مغايرة للسينما السائدة .

صور تروفو في الفيلم محطات مقتبسة من سيرته الذاتية وتحديداً في مرحلة الطفولة بأسلوبية جديدة، شكلت دعائم ما اصطلح على تسميته بتيار الموجة الفرنسية الجديدة، التي ألقت بظلالها على تيارات ومدارس سينمائية عالمية .

دارت أحداث فيلم «الأربعمائة ضربة» حول فتى يتعرض دوماً لمشكلات مثقلة بالضربات والخيبات التي يتلقاها من داخل أسرته أو في محيطه الاجتماعي، وتحديداً من والدته وزوجها ومعلمه في المدرسة، الأمر الذي يضطره للهروب من منزله والمدرسة أكثر من مرة، لينتهي به المطاف قابعاً في السجن مع عتاة المجرمين، قبل أن يرسل إلى مركز تأهيل للفتيان، ثم لا يلبث أن يهرب منه صوب منطقة واقعة على البحر.

يتكيء الفيلم على نصوص حوارية بليغة تدور حول الفتيان والرغبة في التحرر والانعتاق من قيود الأسرة والتعليم التقليدي والرغبة في اكتشاف عالم الكبار رغم كل العقبات والتحديات التي تحيطه به مدينة كبيرة مثل باريس.

اشتغل تروفو بالفيلم أيضاً على جملة من عناصر الصورة بدلالات وإشارات بليغة وأيضاً في الانتقال بحيوية وسلاسة من مشهد لآخر، بشكل يفيض بالرؤى والأحاسيس الإنسانية، وأكثر ما يتبدى ذلك في مشهد النهاية البديع الذي يجمل فيه كل تساؤلات الفيلم من خلال نظرة الفتى الشديدة الحيرة أمام الكاميرا حول ما ينتظره من مصير قاتم مثقل بتداعيات الواقع وإفرازاته .

مواضيع إنسانية شتى عالجها تروفو في قائمة أعماله الطويلة بدءاً من فيلم «جول وجيم» 1961، و»بشرة ناعمة» 1963، وقبلهما فيلمه الساحر «أطلق النار على عازف البيانو» 1961، مروراً بأفلام «العروس تلبس ملابس الحداد» 1984، وصولاً إلى أعماله الأخيرة «امرأة بالجوار»، «ادالين ها»، «الحب الهارب»، و»الرجل الذي أحب النساء»، و»المترو الأخير»، حين قدم تروفو فيها تلك البساطة والشاعرية المتقنة الصنع، المكتنزة بلمسات إبداعية متفردة مانحة القضايا والمضامين الإنسانية النبيلة أبعادها ودلالاتها عبر المناظر والصور المتتابعة في أحداث متشابكة سواء على الصعيد الدرامي أو الجمالي.

كما أن أعمال تروفو اتسمت بكونها مليئة بلحظات الحب والدفء الانساني وذات شفافية وخصب فني وفكري، برع في سردها بتلاوين جمالية أبهرت المشاهد في أكثر من بيئة ثقافية بفطنتها ودونما تعقيدات أو فذلكات أو تحليلات بعيدة عن الفهم، فالشخصيات عادية تتصرف بشكل طبيعي تبعات لمواقفها في الأحداث، تبدو كما أرادها تروفو معبرة عن صفات الإنسان البسيط في أحلك أوقاته وكيف يقتضي منها لحظة سعادة أو هدوء رغم معاندة وجسامة ما يتعرض له في محيطه اليومي المعاش، كل ذلك بأسلوبية تنهل من الواقع بيقظة تبدو شبه كلاسيكية هادئة في حدتها وقليلة السخرية والدعابة في رؤيتها لحالات أبطاله في أطوارهم السوداوية.

تأثر تروفو بآراء زملائه ولكنه كان يصر على التحليق منفرداً عنهم، وسعى انطلاقاً من الموجة الجديدة في تقديم مجموعة من الأفلام البعيدة عن التأثر في سينمات العالم وتياراتها التي كانت تقدمها السينما السوفياتية السابقة أو السينما الهوليودية، مما أوجد له ولزملائه أسلوبية خاصة مكنتهم من تكريس أسمائهم كقامات إبداعية في حقل الفن السابع إضافة إلى مساهمات تروفو في التمثيل بأكثر من فيلم عالمي من باب التحية لزملائه من السينمائيين: كالأميركي جورج لوكاس والياباني الراحل اكيرا كوروساوا.

اعتبر الكاتب والمخرج السينمائي جان رينوار تروفو بمثابة هدية للعالم بفضل أفلامه الغنية بمواضيعها كقصص الحب وأفلام الجريمة وتلك المقتبسة عن أعمال أدبية، لافتاً إلى استخداماته الرشيقة للكاميرا والتحديث الدائم لأدواته الإخراجية.

يعتبر فرانسوا تروفو الذي ولد العام 1932 في مدينة باريس وغيبه الموت العام 1984 ، أحد أبرز صناع الموجة الجديدة في السينما الفرنسية التي بزغت أواخر الخمسينيات، وضمت إلى جواره أسماء : جان لوك غودار وايريك رومر ولوي مال، وسواهم كثير ..