د. أحمد الحسنات

في كل عام يعيش المسلمون أيام خير وبركة، يعيشون أيام رجوع إلى الله تعالى وإنابة إليه سبحانه، إنها أيام الرحمة والمغفرة والعتق من النار، إنها أيام شهر رمضان.

كلّما دخل رمضان يتذكر المسلمون نعم الله تعالى عليهم، ونعم الله تعالى كثيرة لا تحصى، كما قال الله تعالى: ((وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا)) (إبراهيم: 34)، ((وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ)) (النحل: 53).

وحينما يقبل شهر رمضان يذكِّر الناس بنعم هي من أهمّ النعم وأجلّها التي أنعم الله تعالى بها على عباده المؤمنين، ألا وهي نعمة القرآن العظيم، ونعمة الصيام، ونعمة النصر على أعداء الإسلام، التي ارتبطت ارتباطاً شديداً بشهر رمضان حتى صار يعرف رمضان بشهر النصر والعزّة.

أمّا نعمة الصيام على الخصوص، فحدث عنها ولا حرج، ولو أنَّ الناس علموا ما فيه من نعم لتمنّوا أن يظلّوا لله صائمين، ولنْ أتكلم في هذا المقام عن النعم التي يتكلّم عنها أهل الطبّ والعلم الحديث من فوائد مادية ومعنوية للصيام، فهم يتكلمون عن فوائد الصيام الصحية من إعادة تنظيم أجهزة الجسم واستخراج السموم التي علقت به طوال عام كامل، فهذه كلها من نعم الله تعالى على عباده بالصيام.

ولكني سأتحدث هنا عن نعم أخرى قد لا يتنبّه لها الناس:

فالنعمة الأولى: شهود شهر رمضان، وهي نعمة يتذكرها المسلم ويشكر الله تعالى أن بلّغه رمضان، فكم من شخص كان يتمنّى ويدعو الله تعالى أن يدرك رمضان، ولكنه اليوم يرحل عن الدنيا، فحينما يدخل رمضان يحمد الإنسان ربه سبحانه وتعالى على أن بلغه الله هذا الشهر وأبقاه حياً ليدركه، فخير الناس من طال عمره وحسن عمله، فهذه نعمة عظيمة يستحقّ الله تعالى أن يُشكر عليها.

النعمة الثانية: أن أقدره الله تعالى على الصيام، فكم من مريض أدرك رمضان ولكنه يتمنى لو أن الله تعالى يعطيه القوة ليصوم ولو يوماً واحداً، وكم من عاجز هرم يقول: ألا ليت الشباب يعود يوماً فأصوم يوماً، فهذه النعمة التي تعيشها أيها المسلم والتي بها تقدر على الصوم ما هي إلا نعمة من نعم الله تعالى عليك، فلو شاء الله تعالى لسلَبها منك، فاشكر الله تعالى على أن أقدرك عليها.

النعمة الثالثة: الصيام نفسه من أعظم نعم الله تعالى على العبد، بل هو العبادة الوحيدة التي اختصّ الله تعالى بها بأجره من بين كل العبادات الأخرى، فقال صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه عزّ وجلّ من الحديث القدسي: (كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إِلَّا الصَّوْمَ، فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ) صحيح البخاري، فإذا كان الجزاء من الله تعالى، فأعظم به من جزاء، لأن الله سبحانه وتعالى عظيم لا يجازي إلا بالعظيم، فكيف وقد أخفى الله تعالى هذا الأجر ولم يصرّح به، إني أجزم أن أجر الله تعالى وثوابه على الصيام لا يجاريه أي جزاء آخر، أليست هذه نعمة من نعم الله الكثيرة التي ينبغي أن تلهج ألسنتنا وقلوبنا بحمد الله وشكره عليها؟

النعمة الرابعة: في رمضان تفتح أبواب الجنة الثمانية وتغلق أبواب النار السبعة، وتصفد الشياطين، فيقوى الإنسان على العبادة والطاعات بعد أن تكفل الله تعالى له بعدوه المقارن له الشيطان، ويفتح الله تعالى له أبواباً من الخير والطاعات لم تكن قبل رمضان، فتزداد أعمال الخير، ويعود الناس إلى ربّهم، وتكثر الزكاة والصدقات وإطعام الطعام وتذكر الفقراء والمحتاجين الذين لا يتذكّرهم أحد مثلما يكون في رمضان.

النعمة الخامسة: في الصيام يتفضل الله تعالى على عباده بمغفرة الذنوب، من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه، فبشرى لكل المذنبين مغفرة ذنوب عام مضى، يغفرها الله تعالى فلا يبقي منها شيئاً، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ، وَالْجُمْعَةُ إِلَى الْجُمْعَةِ، وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ، مُكَفِّرَاتٌ مَا بَيْنَهُنَّ إِذَا اجْتَنَبَ الْكَبَائِرَ) صحيح مسلم، ومن كرم الله تعالى في رمضان أن من تقرب فيه إلى الله بخصلة من الخير كان كمن أدى فريضة في غيره، ومن أدى فيه فريضة كمن أدى سبعين فريضة فيما سواه، فأي نعمة أعظم من هذه النعمة التي يكفر الله تعالى بها ذنوبك أيها المقصر، ويرفع لك بها الدرجات.

النعمة السادسة: في الصيام تهذيب للنفس البشرية: فهو يطهر النفوس من آثامها ويطهرها من ذنوبها ويأخذ بيدها إلى طريق العفّة والقناعة ويربي فيها خلق الأمانة، فمن يمنع نفسه من شهواتها وملذّاتها المباحة قادر على منعها من الشهوات والملذات المحرمة، فتقوى عزيمة الصائم ويدربها على التقوى وتحقق فيه الحكمة من الصوم التي أرادها الله تعالى بقوله: ((لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)) (البقرة: 183)، فالصيام يعين على التحكم في شهوتي البطن والفرج، وهما أعظم شهوات وملذات الإنسان الدنيوية، مما يدفعه إلى التحكم بجميع شهواته وميوله.

صاحب الشّهوة عبد فإذا/ ملك الشهوة أضحى ملكاً

النعمة السابعة: بالصيام يعرف الإنسان حقيقة نفسه، فعندما يضعف البدن ويشعر الإنسان بضعفه وحاجته لربه يدرك عزّ الألوهية، ويعلم أنّ الله ربّ مستحقّ للعبادة، وأن الإنسان عبد فقير يحتاج إلى الله في كل شؤونه، قال تعالى: ((وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ* مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ)) (الذاريات: 56، 57)، ويدرك حقيقة فقره إلى الله سبحانه وتعالى القائل: ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ)) (فاطر: 15).

النعمة الثامنة: في الصيام توحيد للأمة، فالكل يمتنع عن الطعام والشراب في وقت واحد، وهو مفروض على الغني والفقير، والعظيم والحقير، والحاكم والمحكوم، فالكل سواء أمام شريعة الله تعالى، والكل يشعر بالضعف والفقر إلى الله تعالى والاحتياج إليه، فيشعر الغني الذي جاع وعطش في ساعات معدودة بأخيه الفقير الذي لا يجد طعاماً طوال العام، فتزول الفوارق بين الناس، وإذا ما شعر الغنيّ بقسوة الجوع حمله ذلك على الإحسان إلى الفقراء والعطف عليهم، فيتآخى الجميع وتصفو نفوسهم وتطهر قلوبهم ويتعاون بعضهم مع بعض، فيقوى المجتمع وتزول أسباب الكراهية من بين أبنائه، مما يجعل المجتمع ينطلق للبناء والعمران وتقدم الأمة.

وآخر ما يعيشه العبد من نِعَمِ رمضان المبارك فرحة كبيرة يشهدها المسلمون كلهم، فتشمل صغيرهم وكبيرهم، فقيرهم وغنيهم، رجالهم ونساءهم، فيسعد الناس أجمعون بسبب طاعة مشهودة من الطاعات العظيمة التي من الله به علينا، وبها أنعم وتكرّم.

عطوفة الأمين العام /دائرة الافتاء الاردنية

فتاوى

هل يصح الجمع بين الصلاتين بإمام لكل صلاة؟

نوى الإمام أن يجمع بين المغرب والعشاء بسبب المطر، وعندما سلَّم من صلاة المغرب أُغمي عليه، فهل يجوز أن يؤمَّ المصلين في صلاة العشاء إمامٌ آخر؟

حدد العلماء شروطاً لجواز الجمع بين الصلاتين، ولم يذكروا فيها وجوب أداء الصلاتين بإمام واحد، بل نصوا على جواز أداء الصلاة الواحدة بإمامين، فمن باب الأولى جواز أداء صلاة المغرب بإمام، وأداء صلاة العشاء بإمام آخر حال الجمع.

يقول الإمام النووي: «إذا سلَّم الإمام، وفي المأمومين مسبوقون، فقاموا لإتمام صلاتهم فقدموا من يتمها بهم واقتدوا به، ففي جوازه وجهان، أصحهما الجواز» انتهى «من المجموع».

ويقول الخطيب الشربيني: «إذا خرج الإمام من الجمعة أو غيرها من الصلوات ولو بلا سبب جاز له وللمأمومين الاستخلاف في الأظهر الجديد؛ لأنها صلاة بإمامين وهي جائزة؛ فقد صح أن أبا بكر رضي الله عنه كان يصلي بالناس، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فجلس إلى جنبه فاقتدى به أبو بكر والناس (رواه الشيخان). وقد استخلف عمر رضي الله تعالى عنه حين طُعن، رواه البيهقي» انتهى «مغني المحتاج» (4/ 51).

وعليه فإذا أُغمي الإمام بعد صلاة المغرب جاز للمصلين تقديم إمام آخر ليصلي بهم العشاء، مع مراعاة ألا يكون هنالك فاصل كبير بين الصلاتين؛ لأن الموالاة شرط لصحة الجمع بين الصلاتين بسبب المطر، فإن تخلل الصلاتين فاصل طويل؛ بطل الجمع، ووجب تأخير العشاء إلى وقتها.

دائرة الافتاء الاردنية

المنهج الرمضاني

د جلال الرحامنة

مما لا شك فيه أن المنهج الرمضاني زاخر بمحتوى تربوي فري متكامل، تتخلله المبادئ المعرفية والاتجاهات القيمية والمهارات الأدائية، وبالرغم أن المرحلة الدراسية قصيرة إلا أنها مليئة بهذا المحتوى الغني، وفيها من الخير الرباني الكثير، فرمضان مدرسة إسلاميّةَ عظيمة تُربِّي الإنسان بكلِّ مكوناته ومقوِّماته النفسيَّة والجسميَّة والروحيَّة والخلقيَّة والاجتماعيَّة؛ إذ إنَّ للصوم حِكَمًا كثيرة وفوائد جمَّة من الناحية الاجتماعيَّة والجسدية والمعرفية؛ بمعني أنه منهج تكاملي، بنائي، سلوكي. ويعرف المنهج اصطلاحاً بأنه هو جميع الخبرات (النشاطات أو الممارسات) المخطّطة التي يتم توفيرها لمساعدة الأفراد على تحقيق الأهداف التربوية المنشودة. ولو قمنا بتحليل هذا المنهج إلى عناصره، لوجدنا أنه يتكون مما يأتي:

- الجانب المعرفي: الصيام منهج رباني، وضعه رب العزة سبحانه وفق أحكام طبقها النبي- صلى الله عليه وسلم- نتعلم من خلاله مفاهيم الصبر والتعاون والإيثار وتحقيق الذات ومراقبة النفس والقناعة والإخلاص وحسن الظن...

- الجانب الوجداني: الصيام سياحة في الحضرة القدسية، ففيه تهذيب للأخلاق وتقويم للنفس؛ فنعلم أن الجوارح تصوم.. فاللسان يصوم عن اللغو وقول السوء، والأذن تصوم عن سماع الحرام، والعين تبتعد عما ألِفَت النظر إليه من العورات والمنكرات، والقلب يصوم عن الميل للشهوات ويتفرغ للعبادات القلبية الوجدانية، كما أن للصوم خصلة قيمية تتمثل بعلاقة السرية بين العبد وربه، فمن يعلم بأنك صائم إلا الله؟ ومن الذي يراقب صيامك وامتناعك عن الطعام والشراب؟.

ومن القيم الوجدانية التي يتضمنها المنهج الرمضاني الشعور بالمساواة بين الأغنياء والفقراء، كما أنه يشعر المؤمن بالمحبة والأخوة الصادقة، كذلك يرسخ شهر الصيام فضيلة التكافل والتعاون بين المؤمنين.

- الجانب الأدائي: الصيام نظام عملي من أقوى وأبدع الأنظمة الربانية، تتجلى صور الجانب الأدائي السلوكي فيه بإتقان صلاة القيام وصلاة التسابيح، وعمل الطاعات والتقرب إلى الله بالصدقات، كما أنه يساعد على تعديل السلوك، والتمرن على ضبط النفس والسيطرة عليها.

وبالرغم من غنى المنهج الرمضاني إلا أن هنالك قصورا واضحا في أداءات طلبته، وهذا القصور ناتج عن عوامل كثيرة منها ما يتعلق بالجانب التوعوي وجوانب أخرى.

حدث في مثل هذا اليوم

في (25) رمضان عام (8) هـ، تم هدم أهم وأشهر الأصنام عند العرب وهو العُزى، وكان ذلك على يد سيف الله المسلول خالد بن الوليد ـ رضي الله عنه.

آداب قضاء الحاجة

1- السُّنة: التسمية والاستعاذة قبل دخول المرحاض أو الشروع بقضاء الحاجة؛ للحديث: كان إذا دخل الكنيفَ قال: ((بسم الله، اللهم إني أعوذ بك من الخُبُث والخبائث))؛ صحيح الجامع.

2- الاستتار ولا يرفع ثوبَه حتى يدنو من الأرض، والبُعْد؛ كي لا يُرى منه شيء أو يُسمع منه ريح؛ لحديث: «إن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا ذهب المذهب أبعد»؛ صحيح أبي داود، وحديث: «كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أراد الحاجةَ، لم يرفع ثوبه حتى يدنو من الأرض»؛ مشكاة المصابيح، أو دخول الكنيف (المرحاض): مكان قضاء الحاجة.

3- عدم استقبال واستدبار القِبْلة عند قضاء الحاجة، حتى ولو داخل الكنيف، وهذا ما ذهب إليه العلامة الألباني؛ للحديث: ((إذا أتيتُم الغائط، فلا تَستقبِلوا القِبْلة ولا تَستدبِروها، ولكن شرِّقوا أو غرِّبوا))، قال أبو أيوب: «فقَدِمنا الشامَ، فوجدنا مراحيض قد بُنيتْ نحو الكعبة، فنَنَحرِف عنها، ونستغفر الله»؛ متَّفَق عليه.

4- تجنُّب الظلِّ وموارد الماء والطرقات؛ للحديث: ((اتقوا الملاعِنَ الثلاث: البراز في الموارد، وقارعة الطريق، والظل))؛ إرواء الغليل؛ الألباني.

5- النهي عن قضاء الحاجة في الماء الراكد؛ للحديث: «نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يُبال في الماء الرَّاكِد»؛ رواه مسلم.

6- والسُّنة أن يدخل المرحاض برجله اليُسرى، ويخرج برجله اليُمنى، ثبت ذلك عن الصحابة، وهو يُوافِق حديثَ التيمن، والفرح بذَهاب الأذى عنه.

7- الاستجمار بثلاثة أحجار طاهرة، أو ما يقوم مقامها للقُبُلِ والدُّبر؛ للحديث: ((إذا ذهب أحدكم إلى الغائط، فليذهب معه بثلاثة أحجار، فإنها تُجزئ عنه))؛ إرواء الغليل، وأن تكون وِترًا؛ للحديث: ((مَن توضَّأ فليَستنثِر، ومَن استجمر فليُوتِر))؛ صحيح أبي داود، والاستنجاء بالماء أفضل؛ للحديث الذي رواه أبو داود من حديث أبي هريرة مرفوعًا: «نزلت هذه الآية في أهل قباء: (فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا) (التوبة: 108)، قال: كانوا يَستنجون بالماء، فنزلت هذه الآية»؛ إرواء الغليل.

8- ولا يجوز الاستنجاء برَوث أو عَظْم؛ للحديث: ((لا تَستنجوا بالرَّوث ولا بالعظام؛ فإنه زاد إخوانكم من الجنِّ))؛ رواه مسلم.

9- ولا يستنجي بيمينه؛ للحديث: ((إذا بال أحدكم، فلا يمسح ذَكرَه بيمينه، ولا يستنجي بيمينه))؛ التعليقات الحسان على صحيح ابن حبان.

10- وبعد الفراغ من قضاء الحاجة والخروج من المرحاض، من السُّنة أن يقول: غفرانك؛ للحديث: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خرج من الخلاء قال: ((غفرانك))؛ صحيح الأدب المفرد.