مفلح العدوان

مدخل:

(فكذبوه.. فعقروها)...

***

راغباً في الرؤيا..

منبثقاً من جوف الصخر، ولا أحد سواي!

بريشتي أرسم المكان..

قُدِدْتُ من صخر، وأنا وليد عرس الرمل والضياء.. أنا عصارة السماء!

أعلنتُ ذاتي، على غفلة من الفجر، وتلفّعتُ جسدي قبل أن يدري المساء.

جالساً هنا..

دائماً، أنا هنا؛ حيناً في (العين)، وأخرى في (الخزعلي)، وثالثة في (المعبد)، لكني لا أخرج من حدود رَمّ!

أخلط الألوان رملاً وصخراً، نوراً وجمراً، فتتنازعني غواية التشكيل، بينما جنيّة النحت دوماً تسكنني..

- «هنا مسرح الخلق!».

همستُ قبل أن أتوقف أمام نقش أخذتُ أتهجّى حروفه التي فاجأتني، فأجهشت باكياً!

***

كلهم مرّوا من هنا، وكنتُ معهم، جماعة هاربة، كلما استراحت عند ظلّ جبل أخذت تُخَرْبِش أمانيها حروفاً ثمودّية على جسد صخوره!

أتساءل: «هل كنت معهم؟! هل أنا واحد منهم حقاً، منسياً هنا؟!».

أحاول تحليل النقش أمامي: «عدة حروف، ورسم ناقة، فقط!».

***

السماء اقتربتْ مني، فأحسستُ الصخرَ يشلعني من خاصرة الانبساط باتجاه ذؤابة القمة.

أستوي عالياً، قائلاً: «هذا مقامي!».

وأبدأ حَجّي نحو أفق الفضاء..

أفكّر وأنا أصعد سلالم معراجي نحو الأعالي: وقت الزوال.. والصحراء تارة صخرٌ ينبثق جبلاً، وتارة سهلٌ يرفل رملاً، والوجهان كلاهما رَمّ.

ما فتنة الراء والميم هذه؟!

رمّ.. كَرفّة عين.. حرفان، ووثن الغواية.. رمل، وشبق النور.. صخر، ومجوسية اللون.. قمر، وسكينة الملائكة.. ريح، واستنطاق الأبد.. راءٌ، ميمٌ.. رَمْ!

رتّلتُ الاسم عالياً، فوجدتُ أنني أُردّد اسمي في المكان نفسه الذي تسامى معي.. ها أنا هو، ها هو أنا، ها نحن «رَمّ».. حينئذ، تذكرتُ النقش مرة أخرى أسفل الجبل!

***

قلت: لماذا حاولوا عقرَ الناقة؟!

قالوا: لأنهم سرقوا خيرها!

قلت: كانت ضرعنا الوحيد!

قالوا: كان حماتَنا اللصوصُ!

قلت: كل هذا الزمان ولم نكتشفهم!

قالوا: لو لم يجفّ ضرع الناقة، لخُدِعنا إلى الأبد!

***

استرجعتُ آخر ما تبقّى من كلمات مَن حفروا النقش، حين مرّوا هاربين من خطيئة المؤامرة على الناقة.. كانوا نادمين على صمتهم، وخائفين أيضاً.

أرادوا رابطاً يُذَكّرهم بثمود، فلم يجدوا وفاءً أكثر من حَرْفِه، و(الحرف يسري حيث القصد.. جيم جنة.. جيم جحيم).. هناك الجحيم.. وهم يسارعون الخُطى بحثاً عن جيم الجنة.. وكنت معهم فقلت: «هنا جبل الميعاد».

لم يصدّقوني..

اقتربت أكثر من نبض النقش..

تذكرتُ أنهم تركوني وابتعدوا، فدوّتْ في مخيلتي، حين رأيتُ الحروف المتبقية منهم، آخرُ حوارهم معي:

- هنا جنتي.

- بل هنا جحيمك.

- أينما اتجهتم ثمّة واحد يتآمر على الناقة!

- هنا.. لن تجد ناقة، ولا حياة، ولا متآمرين.. ستبقى وحيداً كشيء!

- وحيد أفضل من تكرار الخطيئة!

وارتَحلوا..

وبقيتُ أنا، وَرَمّ!

***

جاءني الصوت ما إن مضوا!

أَنْصَتُّ، فوجدتُ مصدره الجبل، توأمي، وسَمِيّي!

أتاني، مع الصوت، لهاثٌ، ونشيج، كأنه الحشرجة.

تلفّتُّ، متوجساً رعباً.. كان هذا وقت الزوال أيضاً.. والرملُ، لعابُ الصخر، تصفر فيه الريح، فيأتي الصدى كأنه غرغرة باتجاه الأعالي، والمدى رحب، وأنا ما زلت أتسلّق مدارج الصخر، وحيداً، بعد أن رحل كل الثموديين، إلّاي!

***

أول ليل، هنا..

البدر مكتمل، وأنا الوحيد!

جبالٌ حولي، كأنها جزر، وبينها محيط رمل، صفحة نور وأمواج صمت.

بدهشة، كأنني النبي، قلت: «ذاك وادي القمر!».. استلَبني جماله، فتوقفت قليلاً، وكتبت اسمه نقشاً على أقرب صخرة مني.. انتظرت برهة، فتذكرت لحظة وَشْوَشْتُ الناقةُ سرَّ المؤامرة عليها، وبعدها خرجتُ ومن معي قبل الميقات الذي حددوه لعقرها. رَدّت الناقة: (انتظرني هناك.. «عندك»).

تفاجأت، وأنا لا أدري أين الـ»هناك»، غير أني أدركت السرّ ما إن عرفتُ اسم هذا المكان، فقلت: ها أنا أنتظر «عندي»، وهذا موقع الميعاد.

ابتهلتُ كثيراً ما إن وصلتْ: تعالي، أيتها القادمة من بوابة العدم.. تعالي شعاع شمس، قطرة ندى، رجع موسيقى، عنقاء تراب.. أقبلي إيماءةَ نقش، تلويحة نجم، أو عربة المستحيل من جوف العماء.. أقبلي ها أنا «عندي» أنتظر!

أواصل صعود القمة، والأسئلة لا تنتهي: هل يُعقل ألّا تحمي الناقة نفسها، وهي معجزة الصخر؟!

كانت زادَهم، وشرابَهم، فكيف تآمروا عليها ما إن جفّ ضرعها؟!

لماذا بقي الجميع صامتين، ولم يتحدثوا؟

ولماذا نسي صاحب الناقة معجزته، مهملاً إياها، حتى تطاولوا عليها، وامتصّوا خيرها، وقالوا في الخاتمة: سنعقرها؟!

أوقفتني ذرة رمل دخلتْ عيني، فانهال منها الدمع..

تذكرتُ دمعة سقطتْ من عين الناقة حين تلفّتتْ فرأتْ صاحبها يقبض منهم ثمنها!

مسحتُ خدي، وتابعت المسير.

***

القمة الآن..

أتبع أثراً ما، متبوّئاً موقعي في الصخر، منتظراً قدومها، و(رَمّ) تحت نور البدر روضة أخرى، كل صخرة فيه دمعة، رأيتها نهاراً منسابة على خدّه، متداخلة تتشكل وجوهاً، وأعمدة، وتيجاناً، ومقاصل، وشمعدانات، ودهشةً تُسرّ الناظرين!

المكان اكتمل صخراً بعد رمل، فتوقفتُ أمام نقش في القمة.. قرأتُ التميمة فيه:

(من هنا مررنا، فهل سنعود؟!

غريب سيأتي.. غريب سيجمع حجارة الوَدَع قريباً من السماء، وسيرى ما لم نرَ..

يا الغريب.. أنت في برزخ الاستشراف الآن، فاجمع حجارة الوَدَع، لترى حجم الوجع!).

أعيد قراءة النقش، فتحيط بي هالة قداسة المكان.. أُسلم روحي لجلال الحرف.. أتساءل: مَن وصل البرزخ قبلي؟ ومن كتب بثمودية فصيحة هذه النبوءة؟!

ترى، هل قَدَر الثمودي أن تكون معجزته في حدود الصخر فقط؟!

أنا الغريب إذن..

تلفّتُّ مسترشداً بالغيب، وبضوء القمر، في بحثي عن حجارة الوَدَع.. كل الحجارة حولي، وأنا أتلمّس صخر القمة، كما أتماهى مع صفاء الفضاء.. هنا الأشياء مختلفة، روحي أخرى، ومنذ قراءة النبوءة النقش شعرتُ بالنور يغسلني، وما عادت الأرض هي الأرض السابقة، ولا السماء تشبه تلك التي رأيتها قبل لثغة حرف، وأحسستني ماشياً دون إرادة مني، شاخصاً في الصخر، باحثاً عن أولى حجارة الوَدَع.. رأيتها تستدعيني كأنها تنتظرني منذ بدء الطين.

مرسوم عليها جرح، وكانت حمراء تنزف، حاولت مسح الدم عنها فلم أستطع، تشممت الجرح، كان يحمل رائحة التراب، فأطبقت على الحجر كَفّي، وسرت باحثاً عن آخر..

قرب الحافة، وجدت حجراً آخر ينبض، عاينته فكان يشبه القلب، ويُذكّر بشقائق النعمان، فوضعته مع الحجر الجرح، وأكملت البحث حتى تجمّعت حجارة الوَدَع في كفّي، كل واحد يشي باسمه: (حجر النار، حجر القمح، اللبن، الفيروز، الموسيقى، الرؤيا، الظل، الجسد، الشبق، الغواية، النور،...).

كَوَّمتها أمام النقش لأرى.. كنت أعمى من قَبْل، وأريد الآن، أن أبصر بعين الحجر، كلّ شيء! بي رغبة لمعرفة كل شيء، لفضح الآتي، لكشف المسكوت عنه: (مَن قاتل الناقة؟! ولماذا باعها صاحبها، لسارقيها؟).

مثل عراف مجوسيّ عتيق حرّكت الحجارة بين كَفّيّ، ثم رميتها بيني وبين النقش، فسمعت صوت عويل.. هل هذا أول الوجع؟!

شاهدت السماء تزداد صفاء، والنجوم تعيد تشكيل أبراجها بحسب ترتيب الحجارة أمامي، فاحترتُ بين تتبع حجارة الوَدَع، أم مراقبة نجوم السماء.. كلاهما مرآة الآخر.. أيّ حيرة هذه التي أنا فيها؟!

ورأيت حجارة الوَدَع تتحرك وحدها..

زادت دهشتي، ولم أخَفْ، كأني صرت حجراً بينها.. قلت: (هذا ميعاد الناقة!).

نظرتُ للسماء مرّة أخرى..

النجوم بدأت تشكيل برج الناقة، فانعكس على الصخر ظلُّه، وأخذت حجارة الوَدَع تلتصق بالظل إلى أن ساحت بعضها على بعض، حتى ما عدت أُمَيّز بين حجر وآخر..

أخذت أراوح نظري بين البرج في السماء، وظلّه على الصخر، بينما البروز يزداد، والعويل كالمعركة يرتفع كأنه المخاض إلى أن تجسّدت الحجارة ناقة أمامي!

فَرِحْتُ وأنا أسمعها تقول: قتلتُ سارقي، وأتيت!