نصر سامي *

«في نهايتي بدايتي».

ت. س. إليوت

بيته في الغاب من ميتافيزيقا ومن خشب. ويعرف كلّ أعشاب الحقول وكلّ أسماء الحجر.

هو لا يملك شيئاً ولا يملكه شيء. الأعمى قال: «لقد أبصرت!» لمّا لمسته يداه. والأكْمَه قال: «لو حدّثنا منذ سنين!». أمّا المجنون فلم يتكلّم أبداً، مدّ يديه ليلمس صدر المرأة من تحت ثياب الصّوف، فلفّته بُروق واختضّت غيماتُ حليب وانتفض النهرُ السّاكن في الأعماق.

أبصرْنا ساعتَها نهراً يتنامى، قلنا: «هذا وطنٌ أم منفى؟». لم يفهم أحدٌ شمسَ مشاعرنا. حتّى شجر الغاب لم يفتح أطواق النور لينضج فيه الثمر. مدَدْنا الأيدي نحو الضوء كأشجار الزيتون، قلنا: «الضوء سيعمّق فينا إحساس الغيب، فيفهمنا العالم. لم ندرك أنّ العالم لا يفهم غير الظلمات وغير القهر. شئنا شيئاً لكنّ الوقت تغيّر. لم نفهم بعد، كعادتنا، أنّ الآخر لن يقبلنا حتّى لو أصبحنا منه، لن يقبلنا حتّى لو فجّرنا أنفسنا نبعَ محبّات، لن يقبلنا أبداً حتّى لو أصبحنا الآخرَ ذاته، أو جزءاً منه، أو أصبحنا برقاً في غيمته النوويّة!».

نحن الآن نمنّي أنفسنا بالعودة نحو الماضي (لو كان الماضي شجراً لَتكسّر منذ قرون)، نمنّي أنفسنا بالغيب (كأنّ مفاتيح الغيب بأيدينا نحن فقط)، نتمنّى طيراً فيسّاقط منه العظم فقط، أما اللحم فله أيدٍ أخرى. لم يفهم أحدٌ شمسَ مشاعرنا.

يتذكّرها حين الشمس تصبّ أباريق القهوة فوق كؤوس الأفق وحين الشمس تضيء! ولا يتحدّث عنها أبداً. «تشبه بردى». كان يغنّي. «تشبه بردى».. «وأنا لا أنساها أبداً.

تشبه نهراً أخضر يأتي

من أعماق العالم يأتي

لا أعرفه بل أعرفه

حين يعانق جسدي وردا.

ما أحلاها حين تجيء

كلّ ظلام القلب تضيء

تشعل نجماً في أعماقي

ثم تساقط حولي بردا.

قالوا عنها قالوا عجبا

قالوا سحراً قالوا ذهبا

وأنا لم أتذكّر شيئا

غير غيماتٍ حبلى وندى.

قبلَ يديها كان العالم

سجناً وخراباً ومظالم

وبعد يديها...

فجرُ الحرّيات بدا.

ما أعرفه عنها يكفي

كي أستكشفَ كلّ المخفي

كي أتعلّم منها أملا

أنسجه في ظلمي بلدا.

حين أراها أبدو ملكا

أصنع غيماً، أصنع فلكا

أصنع لي أفقا ومدى

وأنا أصرخ بردى بردى».

كان حزيناً، أمّا نحن فكنّا نمطر حزناً. كنّا نهطل حزناً وصوت قطار البلدة يلهث فوق السكّة، لم نعرف سبباً للبرق وأيدينا ترفو في البرد جواربه، ولم نفهم معنى لِلْبُنّ السّائل تحت فحيح الماء، قلنا: «هذا الصوت سيجعل تلك المرأة تظهر»، ولمحنا بالفعل زهيرات تظهر للتوّ من الحصباء ومن أكمات العشب. لكنّ المرأة لم تظهر. قلنا: «للنّسوة أسرار»، وجلسنا كعادتنا في مقهى منسيّ قرب شجيرات السّرو المسفوعة بالرّيح... نراقب ما قد يحدث..

أمّا هو، فها قد أقبل مخفوراً بفَراشات الوهم!

• كاتب تونسي مقيم في سلطنة عُمان