إيمان الزيات *

دوبلير

آآآخ..

نسيتُ مرة أخرى ماذا يجب عليّ أن أقول!

كانت الجملة بسيطة لكني لا أذكرها، فلم تكن تخرج من قلبي وأنا أرددها..

آآه تذكرت: «أنا سعيدة.. أنا سعيدة»!

أتمنى ألّا أنساها ثانية..

دقيقة وسيقول المخرج كلمته المعتادة: «آكشن»، وستحرقني نظراته إن أخطأتُ في وضعيتي أمام الكاميرات، يجب أن أقف في المكان الصحيح وأن تكون ملامح وجهي منبسطة بلا تشنّجات وأنا أردد الكلمة.

الحقيقة أنني مللتُ لعب الدورَين معاً، ذلك الأمر الذي لا أعرف كيف تورطتُ فيه مع الوقت يفوق قدراتي حتى التمثيلية منها، في آخر مرة وقفتُ مرتبكة بخصلات شَعري الأصفر الطويل على البدلة (السموكِن) وكنت أضع الشارب الرفيع، وأقول جملتك في النص:

- أنا هَفْضَل جنبِك على طول يا ليلى.

ثم انتقلتُ للجهة المقابلة، نزعتُ الشارب و(البابيون)، وابتسمتُ ابتسامة عذبة أجبتكَ بها، ولا أدري من أين جاءت وسط التوتر!

من حين لآخر أنظر إليكَ وأنت جالس تحت المظلة في (البلاتوه) تتابعني كحكَم مستاء، تداعب أنامله (الكارت) الأحمر الذي أتوقّعه منك في أيّ وقت دون إنذار.

عندما ينتهي دوري أجاهد في القيام بدوركَ على الرغم من صغر حجمه، إلّا أن حركاتك العنيفة، وصوتك الخشن الذي لا بد أن أحاكيه كان يؤلم حنجرتي، أيضاً افتعال القسوة كان صعباً عليّ جداً.

هذا ما كان يجعل أدائي هزيلاً في مشاهد بعينها..

لماذا لا تيسّر الأمور وتقف حيث يجب أن تكون؟!

ما الجميل في مشهد إنسان يجلس بين المنهمكين بلا عمل أسفل مظلة؟

(ستوب)

وجبة إضافية

لو كنتُ صاحبة مطعم لن أقدم لزبائني وجبة إضافية، سأقدم لهم على حسابي سعادة إضافية بجانب الرائحة الخلابة، والطعم اللذيذ، والتقديم الخرافي..

لفافة ورقية صغيرة على يمين الطبق الأبيض الكبير، مكتوب فيها جملة سأغيّرها من حين لآخر وفقاً للقائمة..

«أنزِلْ مجدافك في الماء» في يوم الأطعمة البحرية..

«استنشقْ رائحة شواء العائلة في أيام العطلات» ستكون جملة الأطعمة المشوية..

«كن صديقاً للبيئة وتعلّمْ فن الاعتناء بنفسك» ستكون جملة يوم الخضراوات..

«أنت تستحق تلك العناية» ستكون في اليوم المفتوح..

سأفتح في يوم ما مطعماً يقدم وجبات إضافية من السعادة!

أدخلتُها وخرجتْ

دخلتْ من الباب الشرقي للمكان تقدم ساقاً وتؤخر الأخرى، تدفعها ريح صيفية لم يعرف أحد ساعتَها من أين أتت، ولا من أين يصدر صوت العواء البعيد!

دخلتْ من الباب الشرقي للمكان حيث كانت الشمس تهرب من ورائها، وتعانقها برودةٌ غير مبررة رغم ذلك!

تلفّتتْ على الفور بعد العناق المرجف تطلب السماح من الفراغ الذي شغل أحدهم جزءاً ضئيلاً منه، توقفتْ عنده تماماً كمؤشر بوصلة، كلما حدقتْ فيه اتسع سوادُ عينيها شيئاً فشيئاً، وامتصّ البياضَ حتى اكتمل. تغيّرت نبرةُ صوتها بعدما تحسست الفراغ بأصابعها وراحت تقول بنبرة سحيقة:

- أشياء كثيرة كُسرت هنا!

مزهرية ثمينة، وبرواز..

عظم ساق صغيرة كانت تضرب الكرةَ بطفولة في كل اتجاه، وذراع ناعمة كانت تحتضن وتربّت انخلع مرفقها!

صمتتْ كمن يرهف السمع، ثم وضعتْ كفيها على جانبي رأسها وعقدتْ حاجبيها، وقالت بتوسل: كفى!

نقطة بياض تظهر ككشّاف ضوء ظهر فجأة وسط الظلام مسلّطاً أشعته الواخزة على الواقف مرتجفاً من كشف المستور..

نظرتُها استحضرت أمامه صورة الشيخ «المبارك» الذي استجلبه قبلها، وكيف وضع طرف عباءته في فمه، وفرّ هارباً من المكان بعد وقت قصير من دعائه وتمتماته، لمّا فكر أن يربّت على كتف الذي جلبه ليطمئنه أن محنته أوشكت على الزوال، وسقطتْ من طرف إصبعه قطرة من الماء كان ينثره يميناً ويساراً في المكان على شحمة أذن المنكوب من دون قصد، فلسَعَته القطرةُ القدرية تاركةً بعد تحدُّرها حرقاً صغيراً على شكل «فراشة»، كأنما كانت قطرة من ماء النار الحي!

شدّته المرأة مجدداً من أفكاره حين عادت لحديثها عن الخفيّ الذي تراه، فقالت:

لون الأرض الزرقاء هنا قد تغيّر ذات يوم، ذلك البساط اصطبغ بالأحمر ثم ما لبث أن عاد إلى سيرته الأولى!

هناك روح صغيرة ما زالت تحلّق في المكان، وقلب كبير قد تهشّم من الجزع قبل الجمجمة.

ارتجف الواقف كالمسجّى عليه وصرخ: اسكتي..

ابتسمتْ ابتسامة ليستْ لها في الحقيقة، ثم قالت بغنج يعرفه جيداً:

- مساء الخير يا حبيبي، العشاء جاهز.

عاد السواد لمساحته القصوى مبتلعاً نقطة الضوء التي ظهرت في عينيها، خرجتْ التي دخلت، وغلّقت الأبوابَ على الصارخ، وقفتْ تتابعه من خلف زجاج الشرفة وأيادٍ خفية ترفعه إلى السقف ثم تهوي به مرات عدة..

وضعت يديها بعضهما على بعض أسفل صدرها، ثم سارت في الطريق تصفر، وفَراشة صغيرة راحت تحوم حولها.

• كاتبة مصرية