محمود المشاعلة/ دائرة الافتاء الاردنية

إن الله تعالى جعل لهذا الدين العظيم أركاناً عظيمة لا يقوم إلا بها، ولا يؤسس ويبنى إلا عليها... إذا قامت هذه الأركان قام الدين واستقام، وإذا هدمت هدم وانتهى أمره.

وإن من أعظم هذه الأركان صيام شهر رمضان المبارك، وقد جعل سبحانه وتعالى لهذا الشهر مميزات وخصائص يمتاز بها عن غيره من العبادات والطاعات الأخرى، منها:

أولاً: إن الله سبحانه وتعالى رتب على صيام هذه الشهر من الأجر والثواب ما لم يرتبه على غيره من العبادات:

فجعل سبحانه صيام هذا الشهر سبباً لمغفرة الذنوب جميعها. جاء في الصحيح أنه صلى الله عليه وسلم قال: (من صام رمضان إيماناً واحتساباً؛ غفر له ما تقدم من ذنبه) رواه البخاري ومسلم.

بل جعل سبحانه قيام هذا الشهر سبباً لمغفرة الذنوب جميعها. جاء في الصحيح أنه صلى الله عليه وسلم قال: (من قام رمضان إيماناً واحتساباً؛ غفر له ما تقدم من ذنبه) رواه البخاري ومسلم.

بل وأعظم من ذلك أنه جعل سبحانه وتعالى قيام ليلة القدر وحدها والتي هي أحدى ليالي هذا الشهر سبباً لمغفرة الذنوب جميعها. قال صلى الله عليه وسلم: (من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً؛ غفر له ما تقدم من ذنبه) رواه البخاري ومسلم.

ثانياً: إن الله سبحانه وتعالى أنزل القرآن العظيم في هذا الشهر المبارك... هذا القرآن الذي جاء هداية للناس، وخرجوا به من الظلمات إلى النور... هذا القرآن نزل في هذا الشهر المبارك. قال الله سبحانه: (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ) البقرة/185.

ثالثاً: إن الله سبحانه جعل هذا الشهر شهر العتق من النيران؛ ففيه تعتق الرقاب من النار، وتفك من أغلالها... كيف لا يكون ذلك وقد غفرت فيه الذنوب، وزيدت فيه الأجور. قال صلى الله عليه وسلم: (إن لله تبارك وتعالى عند كل فطر عتقاء من النار، وذلك في كل ليلة) رواه أحمد وابن ماجه.

فأي فضل وأي نعمة أعظم على المسلم من أن تعتق رقبته من النار!

رابعاً: إن هذا الشهر فيه تفتح أبواب الجنة، وفيه تغلق أبواب النيران، وفيه تصفد الشياطين؛ فلا يخلصون إلى ما كانوا يخلصون إليه فيما سواه. والسبب هو كثرة الأعمال الصالحة في هذا الشهر التي توجب دخول الجنة، وقلة الأعمال السيئة التي توجب دخول النار. قال صلى الله عليه وسلم: (إذا جاء رمضان: فتحت أبواب الجنة؛ فلم يغلق منها باب، وغلقت أبواب النار؛ فلم يفتح منها باب، وصفدت الشياطين) رواه البخاري ومسلم والترمذي.

خامساً: إن هذا الشهر فيه ليلة هي خير عند الله من ألف شهر وهي ليله القدر... ليلة مباركة عظيمة قال الله فيها: (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ) الدخان/3.

وهي ليلة العبادة فيها تعدل عبادة ألف شهر ويزيد كما أخبر سبحانه وتعالى. قال عز وجل: (لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ) القدر/3؛ أي خير من ثلاثة وثمانين عاماً وثلاثة أشهر تقريباً.

فمن قدر الله له أن يصلي في تلك الليلة ركعتين؛ فكأنما هو يصلي بين يدي الله ثلاثة وثمانين عاماً ويزيد، ومن قدر له إن يذكر الله في تلك الليلة؛ فكأنما هو يذكره ثلاثة وثمانين عاماً لا يفتر عن ذكره، ومن قدر له أن يذرف دمعتين خشية من الله في تلك الليلة؛ فكأنما هو قائم يبكي من خشية الله ثلاثة وثمانين عاماً ويزيد، فالله الله ما أعظم الأجر والثواب، وما أعظم الفضل والكرم والجود والإحسان!

سادساً: إن الصوم يتميز عن سائر العبادات أنه عمل باطني، ونية خفية لا يعلمها إلا الله سبحانه وتعالى، ولا يداخله الشرك أبداً، بخلاف العبادات الأخرى من صلاة وصدقة وحج وغيرها، فكلها أعمال ظاهرة يراها الناس، وقد يرائي بها صاحبها، ولأجل ذلك جعل الله هذه العبادة له خالصة وهو الذي يجزي عليها مباشرة. قال الله تعالى في الحديث القدسي: (كل عمل ابن ادم له إلا الصيام فإنه لي وأنا اجزي به) رواه البخاري.

سابعاً: إن هذا الشهر يعد مستودع الكنوز من الأجور والحسنات والفضائل كلها؛ فالأعمال فيه تزيد، والأجور تضاعف، والبركات تكثر، وأعمال الخير كلها تعم مجتمعات المسلمين عامة؛ فترى النفوس فيه طيبة، والأخلاق عالية، والقلوب مطمئنة، وتكثر الصلات، وتجاب الدعوات، وتقال العثرات، وتسكب العبرات، ويعيش المسلمون فيه أحلى أيام وليالي العمر.

فتوى

ما حكم زكاة البقر التي تتخذ لإدرار الحليب، علماً أن هذا الصنف من البقر يُعلف ولا يرعى، وهل عليها زكاة إن صارت معروضة للبيع، وهل على الحليب الناتج زكاة؟

البقر من الأنعام التي تجب فيها الزكاة بشروط مخصوصة، منها: ألا تكون عاملة، وأن تكون سائمة - أي أن ترعى في كلأ مباح لا معلوفة، جاء في (مغني المحتاج 2/ 79): «والشرط الثاني (في زكاة الأنعام) كونها سائمة أي راعية، ففي خبر أنس (وفي صدقة الغنم في سائمتها إلخ) دل بمفهومه على نفي الزكاة في معلوفة الغنم، وقيس بها الإبل والبقر، وفي خبر أبي داود وغيره (في كل سائمة إبل في أربعين بنت لبون)»، فلا زكاة إذن على البقر المعلوفة من صاحبها بشرط أن تعلف مدة لا تعيش بدونها ما دامت غير معروضة للبيع.

فإن كانت البقر المعلوفة معدة للبيع؛ فتجب فيها زكاة التجارة؛ قال الإمام النووي رحمه الله: «إذا كان مال التجارة نصاباً من السائمة أو الثمر أو الزرع لم يجمع فيه بين وجوب زكاتي التجارة والعين بلا خلاف، وإنما يجب إحداهما» «المجموع 6/ 50»، وما دام شرط السوم قد فقد فلا تجب فيها زكاة العين، وإنما تجب فيها زكاة التجارة إن نوى مالكها عند شرائها التجارة، أو نوى التجارة بعد تملكها وبدأ ببيعها بالفعل، والواجب في هذه الحالة إخراج (5ر2%) من قيمة هذه البقر إن كانت بالغة نصاب التجارة وهو قيمة (85) غم من الذهب.

وأما الحليب الناتج؛ فلا تجب فيه زكاة ولو كان معداً للتجارة؛ لأنه لم يملك بمعاوضة؛ قال الإمام النووي رحمه الله: «وإنما يصير العرض للتجارة إذا اقترنت نيتها بكسبه بمعاوضة كشراء، وكذا المهر وعوض الخلع في الأصح، لا بالهبة والاحتطاب والاسترداد بعيب» (مغني المحتاج 2/106)، أما إن تجمّع من بيع الحليب الناتج شيء من المال، فبلغ النصاب وحال عليه الحول، وجبت فيه زكاة المال لا زكاة التجارة.

والحاصل أن البقر المعلوفة مدة لا يمكن أن تعيش بدونها، لا تجب فيها زكاة الأنعام إلا إن كانت معدة للتجارة فتجب فيها زكاة عروض التجارة، أما الحليب الناتج فلا زكاة فيه. والله تعالى أعلم.

احاديث نبوية

عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الصدقة لتُطْفِئ غضَب الربّ، وتدفع عن ميتة السُّوء.

عن أبي هُرَيْرَة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما من يوم يُصبح العباد فيه إلا ملكان ينْزلان، فيقول أحدهما: اللهم أعطِ مُنفقًا خلَفًا، ويقول الآخر: اللهم أعطِ مُمسكًا تلَفًا).

عن ابن عُمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أحبُّ الناس إلى الله أنفعهم، وأحب الأعمال إلى الله عزَّ وجلَّ سرورٌ تُدْخِلُه على مسلم، أو تكشِف عنه كُربة، أو تقضي عنه دينًا، أو تطرُد عنه جوعًا، ولأنْ أمشي مع أخي المسلم في حاجةٍ أحب إليَّ مِن أن أعتكفَ شهرًا، ومَن كف غضبه ستر الله عورته، ومَن كظم غيظًا ولو شاء أن يمضيه أمضاه ملأ الله قلبَه رضًا يوم القيامة، ومن مشى مع أخيه المسلم في حاجته حتى يُثبتها له أثبت الله تعالى قدمه يوم تزِلُّ الأقدام، وإن سوء الخلُق ليُفسد العمل كما يفسد الخلُّ العسل.

قضايا شرعية

الدوافع والموانع لتعلم أحكام الطهارة الشرعية

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبيَ بعده وبعد :فقد أولى الإسلام عناية بالغة للتعلم الذي يعتبر السؤال الشرعي أحد روتفد العلم والتعلم. وقد اعتاد الناس سؤال المفتي واهل العلم على الاستفتاء والاستفسار عن كثير من الأحكام التي تعنيهم كالإرث والزكاة والتجارة وقد يشعر احيانا بالسعادة وهو يسأل لكن الكثيرين من الناس مع حاجتهم للطهارة - بأنواعها- إلا أنهم يترددون في السؤال عن أحكامها.لذا وجب التنبيه على اهمية دوافع التعلم لاحكام الطهارة والتنبه من موانعها.

أولا: الدوافع: وهي عديدة، وأهمها:

1. أن كل إنسان يحتجها في جميع مراحل عمره منذ استقباله غلى وداعه وذلك على مدار ساعات النهار والليل.

2. أنها تندرج تحت أمرالله، لنا بالسؤال لقوله تعالى: (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ).

3. أن كثيرًا من أحكام الطهارة قد تجددت كما هو الحال في بناء بيوت الخلاء الحديثة. وبعضها قد لا يتكرر، كما في السفر والمطر، والنفاس.

4. لعل أهم دوافع تعلم الطهارة، أن الصلاة والصوم والحج هي من أركان الإسلام. مما يجعل تعلّمَ أحكام الطهارة، من واجبات الدين وفروضه.

5. أحكام الطهارة تتفرع إلى أنواع وكل نوع له خصوصيته، ففي طهارة المكان ما يستوجب كفَّ أذى النجاسة، وتوفير الطهارة، وطهارة اللباس تبعث الراحة والسكينة وما في معناهما وأثرهما في حياة الإنسان، وطهارة البدن تميز المسلم عن غيره في الحفاظ على الطهارة البدنية الحسية التي تشير إلى أهمية الطهارة المعنوية. فالحسية للصلاة والطاعات، والمعنوية للمعاملات بين الناس بالحسنى.

6. الطهارة من سمات الأنبياء عليهم السلام وهو مما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم وحافظ عليه طوال عمره وهي من سمات التائبين الطاهرين.

7. أن كثيرا من الأحكام الفقهية الخاصة بالطهارة عملية تطبيقية.

ثانيا: الموانع من السؤال عن أحكام الطهارة:

1. الشعور الخطأ الجسيم، الذي يُشعر السائلَ أنه ضعيف وجاهل!!. بل إن السؤال عن الطهارة ولو كان مما يتعلمه الصغار، فلا يمنع أن نسأل وأن نتعلم. فالتردد عن السؤال يؤدي إلى عواقب وخيمة، والسؤال نور على نور.

2. مسائل الطهارة فيها نوع من الخصوصية الشخصية كمسائل الجماع والاستحمام والخلاء ونحوها. ولن ندرك المسائل الأعظم ونتعلمها ونُعلمَها، إلا إذا سألنا عن دقائق وصغائر المسائل كما أنه لا يوجد طريقة، غير السؤال لمعرفة أحكام الطهارة.

3. ومن موانع السؤال بالعموم: وجود هاجس لدى الكثيرين أنه يتوضأ خطأ وأنه لا يغتسل من الجنابة بطريقة صحيحة، على مدى سنين عديدة فينتابه خوف، أنه إذا سأل سيكتشف أنه يعيش على خطأ وأن طاعته خطأ، فلا تراه يبادر بالتعلم والسؤال، بل يترك التعلم والوقوف على صواب من أمره.

خاتمة: أحكام الطهارة لها أثر في كثير من العبادات العظيمة وهذا يدفعنا إلى أن نسأل وأن نتعلّم لنعمل ونُعلِّم، فنؤجر بالسؤال، ونرتفع بالعلم.

العشر الأواخر في رمضان

أ.د.إسماعيل البريشي

فإن الله سبحانه وتعالى قد حشد في رمضان الكثير من العبادات؛ من صيام، وصدقة، وقيامٍ، واعتكاف، ومن ذلك إحياء العشر الأواخر من رمضان، وفضلُ العشر الأواخر من رمضان، لا يخفى على كلِ ذي لُب، يكفي أن فيه ليلة القدر التي ذكر الله سبحانه وتعالى خيرتها وتفضلها على ألفِ شهر.

وهذه العشرُ هي المرادُ بقسمِ الله سبحانه وتعالى في قوله (والفجر وليالٍ عشرٍ) فإن الليالي العشر المذكورة في هذه الآية هي الليالي العشر الأواخر من رمضان على أحد قولي المفسرين، في حين ذهب القول الآخر إلى أنها العشرُ الأوائل من ذي الحجة.

وقد كان النبي (صلى الله عليه وسلم) كثير العبادة والتبتل في هذه العشر الأواخر كما تخبرونا بذلك الصديقة بنت الصديق، أم المؤمنين عائشة (رضي الله عنها) حيث قالت: كان النبي (صلى الله عليه وسلم) إذا دخل العشر الأواخر من رمضان شد المئزر وأحيى ليله وأيقظ أهله).

وشد المئزر كناية عن التشمير والجَد في العبادة، كما انه كناية عن اعتزال النساء، وأما إحياء الليل، فإن النبي (صلى الله عليه وسلم) كان يحيي الليل بالصلاة والذكر، والعبادة، وقراءة القرآن، وسائر أصناف القُربات.

وأما إيقاظ الأهل، فقد كان النبي (صلى الله عليه وسلم) يحرص على أن تشاركه زوجاته أمهات المؤمنين (رضي الله عنهن) القرب والعبادات، بل أنه كان إذا دخل العشر الأواخر يقول: أيقظوا صواحبَ الحجُراتِ، يعني نساءه عليه الصلاة والسلام.

والعشر الأواخر بالإضافة إلى ما تقدم هي زمان لإخراج صدقة الفطر، وهي العبادات المالية في هذا الشهر، كما أن في هذه العشر يتحقق العتق من النار لمن أراد الله سبحانه وتعالى أن ينعم عليهم بالعتق من نيرانه، كما دل على ذلك قول النبي (صلى الله عليه وسلم ) في رمضان (إن أوله رحمة ، وأوسطه مغفرة، وآخره عتق من النار).

ومن حكمه زيادة العمل وترتيب الأجر على هذه الليالي وقوعها في آخر الشهر، فإن وقتها مظنة فتور الهمم، وانحلال العزائم، فناسب أن يتجدد نشاط المسلم الصائم بهذه المحفزات والمُرغبات، حتى لا يفقده فتور الهمة عن السير إلى الله عز وجل.

وأخيرا أعزائي الكرام، لنرفع اكف الضراعة سويةً لله عز وجل بأن يتقبل منا الصيام، والقيام، وان يختم لنا بخيرٍ في هذا الشهر الكريم، انه جواد كريم.

رئيس قسم الفقه وأصوله سابقا - كلية الشريعة - الجامعة الأردنية