أبواب -غدير سالم

يعتبر إهدار الطعام من أكثر السيناريوهات المتكررة في شهر رمضان،فمائدة الإفطار تحوي العديد من الأصناف التي تهدر كل يوم من أجل تحضير أصناف جديدة في اليوم الثاني، على الرغم من أن شهر رمضان يجب أن يكون فرصة للتوفير لا للتبذير فالله سبحانه وتعالى يدعو إلى ذلك في كتابه العزيز :» {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا} [الأعراف: 31] ، فالسؤال هل شهر رمضان حقيقة شهر توفير أم تبذير ؟

«أعشق تسوق المواد الغذائية «،بهذه الكلمات بدأت سها سالم موظفة في شركة خاصة الحديث عن مصروفها الزائد في شهر رمضان ،وتابعت :» بحكم أنني عزباء وليس لدي مسؤوليات لذلك أصرف دخلي الشهري على التسوق وخاصة في شهر رمضان أصرفه على الطعام والشراب ، فأنا احب التسوق وشراء المواد الغذائية المتنوعة والحلويات والعصائر اللازم منها وغير اللازم ، وأعلم بأن هذا تبذير ،ولكني لا أستطيع أن أضبط نفسي عن التسوق أبداً ، فالصيام يفتح شهيتي على الطعام والشراب».

وتوضح جنى عيسى ربة منزل أن شهر رمضان بالنسبة لها ولعائلتها شهر تبذير وليس توفير، فتقول :» للأسف لا استطيع توفير ولو دينار في شهر رمضان ، فالصيام يفتح شهيتي وشهية عائلتي على الطعام ، وقد أضطر في الكثير من الأيام إلى أن أعد لكل فرد صنفا من الطعام مختلفا عن غيره ، عدا أن زياراتنا العائلية تكثر ،ويجب أن نأخذ الهدايا سواء من الطعام أو غيره ، وهذه جميعها مصروفات زائدة «.

في حين ترى مريم أحمد ان شهر رمضان من أكثر الشهور توفيراً ،فتقول :» شهر رمضان شهر التوفير لا التبذير ، ففي الأشهر العادية نصرف أنا وزوجي على الطعام والسهرات الكثير ، أما في رمضان فلا ننفق كثيرا من المال ، وبحكم أننا موظفان فنلغى في رمضان السهرات العائلية ، لذلك نوفر الكثير من الدخل الذي قد نصرفه في العيد «.

ويبين عز الدين أحمد –وهو محاسب في شركة خاصة- :» نفطر أنا وزوجتي وطفلتي الصغيرة طيلة أيام رمضان عند أقربائنا ، لذلك لا أصرف شيئا على الطعام أبداً ، ولا أقيم العزائم والولائم فالجميع يرفض هذه العزائم بحكم اننا عائلة صغيرة ، فيتوفر دخلي ودخل زوجتي لتجهيزات العيد وغيره «.

ووفقاً لأستاذ الفقه وأصوله في كلية الأميرة عالية الجامعية بجامعة البلقاء التطبيقية الدكتور محمد علي الهواري فإن « الشريعة الإسلامية جاءت بقواعد عامة منظمة لشؤون الناس بما يعود عليهم بالنفع والخير، منها القواعد المنظمة للإنفاق ، والأكل والشرب ، قال الله تعالى ( وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين ) وقال ( وآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ولا تبذر تبذيرا، إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين وكان الشيطان لربه كفورا ) .

واشار إلى أن الشريعة الإسلامية حثت على الاقتصاد في المعيشة ، قال الله تعالى مادحاً المؤمنين( والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما ) ، وهذه القواعد حاكمة لتصرفات الناس في كل الأوقات، ولا تتنافى مع توجيهات الإسلام الداعية إلى إكرام الناس ، وإعانة الفقراء والمحتاجين، وإغاثة الملهوف ، وصلة الأرحام،والإنفاق في سبيل الله تعالى، وغيرها من أعمال البر والخير المشروعة في الإسلام لخيرها العميم ، وليست من الإسراف والتبذير».

وعن خصائص شهر رمضان الذي تميزه عن غيره من الشهور يقول الهواري :» وشهر رمضان المبارك من الأوقات المحكومة بهذه القواعد إلا أن له خصائص على خلاف الشهور الأخرى ، فهو شهر العبادة والطاعة، وشهر الكرم والجود، وقد بينت السنة النبوية فضل الإنفاق في رمضان ، وسيرة النبي صلى الله عليه وسلم المثال الحي في ذلك فقد كان جواداً كريماً وكان أجود ما يكون في رمضان، وبين للمسلمين فضل تفطير الصائم في رمضان ، فقال صلى الله عليه وسلم ( من فطّر صائما كان له مثل أجره غير أنه لا ينقص من أجر الصائم شيء) ، ونظرا لهذه الفضائل لشهر رمضان ، ورغبة في تحصيل المسلمين للثواب من الله تعالى ورضاه عز وجل ، فإنهم يقبلون كل حسب طاقته وقدرته على اغتنام هذه الأيام الخيرة العظيمة على إعطاء الصدقات ، وإخراج الزكاة ، وتفطير الصائم ، وغيرها من أفعال الخير».

وأضاف :» وهذه جميعها تحتاج إلى المال فتزداد نفقة الشخص في هذه الأيام عن غيرها وهذا لا يعد من التبذير والإسراف، وفيما يتعلق بإفطار المسلم ، وتفطيره لغيره طلباً للأجر والثواب فيجب عليه أن لا يسرف في تحضير الأطعمة والأشربة ، وأن تكون على قدر الحاجة حتى لا يكون مصيرها حاويات القمامة فنقع في الإسراف والتبذير المنهي عنهما، وحاصل الأمر أنه لا يمكن وصف شهر رمضان بأنه شهر التبذير، ولا شهر التوفير، لأنه جزء من الأوقات التي نعيشها ونقوم به بكل ما نحتاجه في الأيام الأخرى، وتحكمه قواعد الشريعة الإسلامية المنظمة للأوقات ، وشؤون الناس جميعاً» .

ويقول أخصائي علم الإجتماع الدكتور فيصل الغرايبة :» إن الأصل من فكرة الصيام وشهر رمضان الفضيل بالذات فكرة إنسانية جليلة هدفها أن يتعود الإنسان على المشقة وضيق ذات اليد والشعور مع ضعاف الحال والفقراء والمساكين ، كما أنها تجربة لتقدير قوة الإحتمال والصبر وهذا ما دعا إليه الإسلام في قوله تعالى في سورة العصر :» وَالْعَصْرِ ، إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ ، إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ» ، فالصبر والحق مقترنان ومهمان في حياة الإنسان وعليه أن يحافظ على حقوقه ويحفظ حقوق غيره وأن يتحلى بالصبر في مختلف المواقف وخاصة الشدائد «.

وأضاف :» لكن إذا تحول شهر رمضان إلى مجموعة من الحفلات والدعوات فإنه إخراج لهذا الشهر الفضيل من مضمونه ومحتواه وهو مجرد تحايل على معاني الصيام وأهمية هذا الشهر من بين أشهر العام ، هذا إلا إذا قصد تذكر الأقارب المقربين أو ما يسمى بالعنايا وهن البنات والأمهات والعمات والخالات وكذلك السؤال عن الفقراء والمحتاجين وخاصة من سكان الحي والمناطق القريبة لسكن كل إنسان ، فهذا هو خير وبركة ودعا له الله ورسوله وأصبح سنة يتقيد بها ويتحلى بها كل مسلم .

ويشير إلى أنه إذا أصبح الإحتفاء بشهر رمضان في إقامة الولائم والتقرب من ذوي الجاه والأموال فإن ذلك ليس من رمضان في شيء وليس من حكمة الصيام بأي ظرف من الظروف ، فالمرجو من الجميع دائماً أن لا يلقوا على كاهلهم مصروفات زائدة وإنما يميلوا إلى ضبط النفقة من غير إسراف أو تقتير وحسب مقدرتهم المالية المحددة في أذهانهم وواقعهم المعيشي».