إياد شماسنة *

كانت الإمبراطورية الرومانية تدين بالوثنية، وتتقرب إلى الآلهة؛ بدماء الذبائح والأضاحي، فامتلأت المعابد في أرجاء الامبراطورية الواسعة بالروائح الكريهة؛ التي نفرت الناس. وكان الحل قادما من بلاد العرب في اليمن السعيد وعُمان، في روائح عابقة، تُحرَق بالجمر لتغطي رائحة الدم، وكان الثمن مرتفعا والرحلة طويلة وصعبة، لكن عائدات هذه التجارة صنعت ثروات وأقامت مدنا بقيت لقرون، تصنع معجزات السكن والزراعة والتجارة في الصحراء.

في حضرموت وظفار (اليمن وعُمان) في جنوب الجزيرة العربية، تنمو حصريا شجرة شائكة، يسيل منها سائل سرعان ما يجف ويتحول إلى حبات كبيرة تميل إلى اللون الأبيض تسمى البخور. وعند وضع الحبات على قطع فحم من الخشب الملتهب، يخرج منها دخان أبيض ذكي الرائحة، يصعد نحو السماء حيث تستقبله الآلهة بانشراح، على حد تعبير القدماء، ويبدو ذلك بسبب المزيد من الأضاحي التي تخفي الرائحة العبقة نتانتها، وما يعود إلى جيب المعبد من مردود التضحيات وإقبال الناس والضرائب والهبات في توظيفٍ تجاريّ للدين منذ الأزمان الغابرة.

وقد نشأ لخدمة البخور طريق تجاري متشعب، لكنه يتجه من الجنوب إلى الشمال حيث سواحل المتوسط عل امتداد 2400 كم، تغير عبر التاريخ أكثر من مرة، في استجابة للتحولات الإقليمية وتوازن القوى والتحالفات، إلى أن اتخذ من مسارات الصحراء الخطرة طريقا شبه نهائي لكي يَنتج غير المتوقَّع ويحدث المحال في التاريخ.

كان البخور يُجنى ثم يجهَّز بعلم وإشراف رجال الدين الذين كان يحتكرون التجارة في اليمن وعُمان، ولا يسمحون بالتصدير إلا بعد الحصول على الرسوم والضرائب التي جعلت رحلته خطيرة وسعره باهظا، والعائدات منه بسبب حجم الطلب العالمي عليه مرتفعة. وساهمت الثروات الهائلة التي تراكمت في انتعاش القبائل البدوية العربية في الجزيرة وبلاد الأنباط، التي أقامت لأول مرة دولة في عمق الصحراء، بدل شطوط الأنهار والبحار والجزر كما جرت العادة في التاريخ، واستمرت الدولة سائدة بمهابتها وثرواتها وسيادتها طيلة أربعة قرون، وعندما سقطت، احتاج السقوط الكامل إلى 150 عاما تحولت فيها القبائل إلى قراصنة صحراء لتعويض ما خسرته وما نهبه الرومان حتى سيطر الرومان باستثمار الخيانة، على العاصمة البترا في وادي موسى.

والأنباط قبيلة عربية آرامية اللغة سامية الديانة، احتكّوا بالأدوميين الذين كانوا قبلهم وتعلموا منهم فنون الحضارة والتمدن ثم تركوا بصمتهم الخاصة، انتبهوا للربح المادي الذي تدرّه التجارة على الأدوميين، فامتهنوها، عملوا في البداية على حماية القبائل التجارية وحراستها مقابل أموال تُدفع إليهم، ثم أخذوا يفرضون الضرائب والرسوم، ثم استطاعوا بما اجتمع لهم من قوة ومال وحنكة أن ينهوا حكم الأدوميين، وسيطروا على أهم الطرق والمواقع الإستراتيجية، وأخذت قوافلهم تجوب الصحراء حاملة العطور والبخور واللبان واللؤلؤ والتوابل والمرّ من اليمن، والحرير والمنسوجات التي تصل إلى دمشق من الصين، ثم امتدت علاقاتهم التجارية إلى أن وصلت بيتولي في إيطاليا، وأوسيتيا في اليونان، وكانت غزة الفلسطينية ميناءهم الرئيس الذي ينطلقون منه عبر البحر.

وغابت دولة الأنباط وأخبارهم عن عين التاريخ ورجال التاريخ مدة، إلى أن أطْلعَ بدوُ وادي موسى الرحالةَ السويسري بوركهارت على البترا عام 1812، فظهرت سيرة الأنباط مرة أخرى، وعرفهم العالم من جديد، ثم اكتُشفت مدنهم تباعا، في الجزيرة العربية والأردن ومدائن صالح وفلسطين وصولا إلى غزة على الساحل الفلسطيني.

طريق البخور واللبان

يعدّ طريق البخور أحد أهم طرق التجارة العالمية التي منها أيضا: الطريق الملوكي أو طريق الملوك، طريق اللبان، طريق الحرير، طريق البحر أو طريق الفلستينيين، طريق العبيد، طريق العنبر، طريق القوافل العابر للصحراء الكبرى، وطريق التوابل.

طريق البخور هو طريق تجارة القوافل قديما، ومعبر تجاري دولي بين الشرق والغرب. يبدأ من سواحل اليمن على بحر العرب إلى شمال البحر المتوسط، مرورا باليمن وجنوب الجزيرة العربية، وينقسم إلى طريقين؛ أحدها يتجه إلى نجد ثم العراق وفارس، والآخر يتجه إلى شمال الجزيرة العربية ثم مدينة البترا في الأردن، ومن بعدها إلى فلسطين على البحر المتوسط. ويأتي إلى البترا طريق آخر من سيناء في مصر، ويلتقي مع الطريق القادم من شمال الجزيرة العربية. كانت القوافل العابرة عبر طريق البخور محملة بالبخور والتوابل ومنتجات الشرق التي تصدَّر إلى دول الإمبراطورية.

ويذكرالمؤرخ «بليني» (Pliny) أن محصول البخور كان يُجنى مرتين في السنة، وتُجمع الغلالُ في معبد شبوة الكبير بحضرموت؛ وكان يتعين الحصول من الكهنة على حق التصدير، وهي جزية أولى تُضاف إليها جزياتٌ أخرى طوال الرحلة، حيث يتوجب دفع الحمايات والإتاوات للقبائل والممالك. وبعد تحميل الجِمال، تتحرك القافلة في اتجاه الغرب، متجنبة ًصحراء الربع الخالي الرهيبة، وتسلك سفوح الجبال على حدود المناطق الصحراوية، وتعبرُ الطريقُ عبر عاصمةَ مملكة قتبان (مملكة يمنية قديمة عاصمتها مدينة تمنع)، حيث كانت القوافل التي تنقل المُرّ (وهو صمغ عطري مُجتنى من شجرة تنمو في هذه المنطقة) تلتحق بقوافل البخور واللبان. وبعد دفع ضرائب جديدة إلى ملك قتبان، تتجه القافلة نحو الشمال حتى تصل إلى غزة في نهاية رحلة مضنية لكنها مربحة.

القيمة المالية لتجارة البخور

من أجل تقدير حجم تجارة البخور دولياً، ربما كفي أن نعرف أن «آمون» أُرسل إليه في سنة واحدة في القرن 12 ق.م. ما زنته 2159 جرة و304093 مكيالاً من البخور. وأحرق كهنة بعل في بابل 10 آلاف وزنة من البخور في السنة الواحدة، ولما نظَم «دارا الكبير» امبراطوريته وعلاقاته مع التجار العرب كانت حصته في العام الواحد 1000 وزنة من البخور . وقد أرسل الاسكندر الكبير 500 وزنة من البخور من غزة لمّا احتلها إلى معلمه هدية! وإذا أضفنا إلى ذلك الجنازات وما كان يُحرق فيها من هذا البخور العربي، أدركنا مصدر الثروة الكبيرة التي تمتعت بها اليمن.

ومنذ الحقبة الآشورية، فضّل الناسُ في بلاد ما بين النهرين وفي المشرق استنشاقَ البخور على استنشاق الأعشاب المحلية. وكانوا يستخدمون كميات كبيرة منه في المعابد خلال الطقوس الدينية. وكان مرغوباً فيه أيضاً في الحياة اليومية من أجل تعطير المنازل والقصور. ثم ازدهرت الأسواق المتوسطية وبات الطلب أشد إلحاحاً. وفي ما بعد، استُهلكت في روما كميات مفرطة. حتى إن الإمبراطور نيرون أحرق أثناء جنازة زوجته بوبيه، كميات من البخور تفوق ما تنتجه الجزيرة العربية خلال سنة.

مدن النقب النبطية الصحراوية

اختص الأنباط الذين أقاموا دولتهم في شرقي الأردن وجنوبي سورية وفلسطين وشمالي الحجاز، بتجارة البخور وتتبعوا طريقا لا يعثر فيه عليهم الرومان ولا قطّاع الطرق، وكان لهم على الدرب قلاع وبروج ومدن، ظلت شاهدة على تجارتهم ودولتهم. وقد سجلت اليونسكو عام 2005 أربع مدن في النقب الفلسطيني على لائحة التراث العالمي، وهي من المناطق المحتلة عام 1948، وتسيطر عليها «إسرائيل» وتحصد غنائمها السياحية وهي: عبدة، الخلصة، ممشيت، وشبطا. إضافة إلى مواقع أخرى، مثل عوجا الحفير، وكرنب ممفيس.

والنقب الفلسطيني هو القسم الجنوبي من فلسطين، ذو الشكل مثلث الرأس عند بقعة المرشرش مقابل خليج العقبة، ويشمل الأراضي بين قضاء غزة والخليج وبين شبه جزيرة سيناء وشرقي الأردن وجنوبي البحر الميت، وتقدَّر مساحته بـ 12577 كم، بما يساوي نصف مساحة فلسطين.

وقد عبرَ الأنباط النقب نحو مصر مرورا بغزة، وبنوا مستوطناتهم التجارية والصناعية وبعضها أسسها الأدوميون، لكن الأنباط وضعوا بصمتهم الخاصة، فاستغلّوا مناجم النحاس، ثم عمروا منذ القرن الثالث قبل الميلاد حيث بُنيت مدينة عبدة في البداية ومن ثم المدن الأخرى. ومن مدن الأنباط في النقب الفلسطيني:

1. الخلصة: كانت العاصمة الإقليمية للنقب، يجاورها من الشرق مستوطنة كرنب النبطية، وعبدة من الجنوب على الطريق المؤدي إلى غزة. وهي إحدى المدن المسجلة على قائمة التراث العالمي لليونسكو.

2. كرنب: تقع على تلة صغيرة وترتفع 479 مترا عن سطح البحر، وتقع على بعد أميال من ديمونا على ملتقى الطرق القديمة.

3. عبدة: تقع على الطرق التجاري بين البترا وغزة، وتحتوي على معبد وقلعة نبطية، وقد أخذت اسمها من الملك النبطي عبادة الثالث، وهي إحدى المدن المسجلة على قائمة التراث العالمي لليونسكو.

4. نصتان: تكاد تضاهي عبدة في أهميتها، وفيها آثار ظاهرة حتى اليوم.

5. ممشيت: وهي إحدى المدن المسجلة على قائمة التراث العالمي لليونسكو.

6. شبطا: وتسمى حاليا «خربة المشيرفة»، وهي اليوم موقع أثري في صحراء النقب أضافتها اليونسكو عام 2005 إلى قائمة التراث العالمي، وتظهر في آثارها بقايا أنظمة الري المتطورة التي شجعت على استيطان هذه الصحراء لصالح التجارة والزراعة.

وإلى جانب الزراعة المتطورة التي جعلت من مدن الصحراء واحاتٍ تبيع المنتجات الزراعية للقوافل بأسعار مجزية؛ أظهر النبطيون مهارة وقدرة عالية في المجال التقليدي لنشاطهم الاقتصادي في التجارة، فقد كانوا مسيطرين على أسرار طريق البخور المقدس أو ما يسمّى في أدبيات أخرى «طريق العطور»، فامتد حكمهم الفعلي من سهول حوران شمالا حتى النقب جنوبا، بالإضافة إلى تحكمهم بمحطات الطريق وعقدهم تحالفات مع القوافل.

طيلة أربعة قرون من عمر الدولة النبطية، اجتاز الأنباط الصحراء بالجِمال، حيث كان الجمل قبل ذلك طريدة للقنص في جنوب شرق شبه الجزيرة العربية، ولم يدجَّن إلا ابتداءً من الألف الثالث، ثم انتشر رويداً رويداً في أنحاء المنطقة، وكان الرعاة الرُحّل يربّونه قطعاناً من أجل لبنه وصوفه، وفي بداية الألف الثانية فقط، بدأ استخدامه حيواناً زاملاً (يُحمَل عليه).

وبعد هذه القرون، يمكن للسائح الذي يُسمح له باجتياز الصحراء، الاستمتاع برؤية المناظر الطبيعية الخلابة على طول 100 كم عبر صحراء النقب الجبلية القاسية، حيث كان التجار ينقلون البضائع الثمينة من اليمن مروراً بصحراء النقب والمدن الرابضة هناك وصولاً إلى سواحل المتوسط، حيث ستنقل بعد ذلك إلى مدن العالم القديم.

التميز والتفرد والمغامرة

يرى السائح الذي يزور مدن الأنباط في النقب الفلسطيني كيف فضّل الأنباط الطريقَ الخطر والوعر والصحراوي كي يبقوا بعيدين عن عيون الرومان، وتجنباً للكمائن من القبائل وقطاع الطرق، فحافظوا على ثرواتهم واستقلالهم. لقد عرفوا الصحراء كما عرفَتْهم، فمنحَتْهم أسرارها كما أخلصوا لها، استفادوا منها، بنوا الخانات والمعاقل والآبار وفتحات تجميع المياه. وبينما غزا الرومان فلسطين بسرعة، فإنهم احتاجوا إلى 150 عاماً إضافية لقهر الأنباط، وما يزال حتى اليوم كثير من الشواهد على رجال البخور ومدن الصحراء وأساليب الري المتطورة، والأسلوب الحضاري الذي جرى من خلاله استيطان الصحراء المتوحشة وجعلها صالحة للزراعة.

ويروي المؤرخون كيف كانت البهائم المثقلة بالحمولة، تجتاز في اليوم حوالي 38 كم، وبين محطة وأخرى كانت القافلة تسير ست ساعات على الأقل. ويعدِّد» بليني»، بين بلاد السبئيين في الجنوب ومملكة الأنباط، ما لا يقل عن ثمانية وعشرين قوماً ومدينة تجتازها القوافل. ويجب ألّا نتخيل تلك الطريقَ مسلكاً وحيداً يربط نقطة بأخرى، بل هي شبكة من الطرق والدروب التي تلتقي خطوطها وتتقاطع وتتحاذى. وكانت الظروف المناخية وتَحرُّك الريح على كثبان الرمل مغيراً لحدودها، والمرتفعاتُ الصخرية عقباتٍ يتعين تجاوزها والالتفاف عليها، مما يجعل التقدم صعباً. وكانت القوافل تختار مسالك مختلفة طبقاً للفترة الزمنية خلال السنة، ووفقاً لخبرةِ الدليل والظروفِ الأمنية المرهونةِ بالتحالفات التي غالباً ما كانت سريعة الزوال بين القبائل المسيطرة على هذه المنطقة.

آبار المياه النبطية

كان التوقف عند آبار المياه أمراً مُستحَبّاً، لكن كان يبدو محفوفاً بالمخاطر، فقد اشتهرت الآبار باجتذاب قطّاع الطرق الذين كانوا يعتبرون القافلة التي تنقل حمولات ثقيلة طريدة سهلة. وكانت القوافل تبحث أيضاً عن بِرَك المياه المؤقتة التي تتكوّن في الشتاء في أعقاب الأمطار النادرة، لأنها كانت تكفي أحياناً لإرواء قافلة وتمكينها من تجنب سلوك منطقة خطرة. وبمرور الوقت، باتت الواحات الكبرى التي كانت محطات إلزامية متناثرة على طول خط القوافل، مدناً مهمة، وعواصمَ ممالك مزدهرة ومراكز تجارية نشطة يتقاطر إليها التجار. فقد كانت تؤمّن خاناتٍ للقوافل حيث كان في وسع التجار القيام باستراحة لاستعادة أنفاسهم وتجديد قواهم. وقد عُرفت تلك المدن بثرائها ورخائها، اللذين تثبتهما بعضُ المكتشفات الأثرية. والمكوس الكثيرة التي كانت تُجبى من القوافل، كانت من أبرز عناصر ازدهارها، فقد كتب «بليني» الأكبر: «كانت هناك حصص ثابتة يتعين إعطاؤها للكهنة وكتَبة الملوك؛ وبالتالي، يحصل الحراسُ والجنود والبوّابون والموظفون على حصصهم. وفي أيّ مكان مررنا به، تعيّن علينا أن ندفع، هنا للماء وهناك للعلف، والمحطات، ولمختلف أنواع رسوم المرور».

***

لقد مثّل الأنباط حلقة مميزة في التاريخ العربي، وشكلوا حلقة وصل مثالية بين الآراميين والعرب، وكانت تجارتهم سبباً في تشكيلٍ حضاري جديد جلب الثراء والمجد لدولتهم التي امتدت لتشمل مملكة واسعة شكّلَ النقبُ الفلسطيني حيزاً واسعاً منها، وتَبرز مدنهم الأربعة التي سُجِّلت على قائمة التراث العالمي شاهداً حضارياً على عروبة فلسطين منذ الأزمنة، وبما يؤكد أن فلسطين كانت دائماً حيزاً مهماً من الممالك العربية التي نشأت قبل الإسلام وبعده، ولم تنفصل يوماً عن هذا الوجود العربي، حتى في الحقب الهلينية أو الرومانية.

• كاتب فلسطيني