د. فيصل غرايبة

أتفق مع الكاتب إبراهيم السواعير في أن صالح القلاب الوزير والإعلامي والكاتب، يتوافر على طاقة لغوية كبيرة، وخيوط من القص الممتعة تجعل حكاياته المئة أو قصصه الإخبارية، التي ضمّها كتابه الجديد «حكايات: ذكريات المعاناة والأمل والأسفار الكثيرة» (مركز «الرأي» للدراسات، 2018)، أشبه ما تكون برواية ضخمة.

تلك الحكايات التي يبرز المكان فيها متوهجاً، بدأت من حيث كان بيت الشَّعر يتوسط مرجاً مربوع الاتساع، في قرية «العالوك» مسقط رأس الكاتب، والتي تتبع المدينة الأردنية الصغيرة «جرش»، تلك التي تتوسط الطريق بين عمّان وإربد، وقد كانت زيارة جرش التي تطل عليها منطقة العالوك من جهة الجنوب الشرقي -بالنسبة إليه- حدثاً تاريخياً ومتعة من متع الحياة، وما لبث الكاتب أن غادر العالوك إلى عمّان ليواصل تعليمه في كلية الشهيد فيصل بالعبدلي.

هذا الكتاب ممتع، حيث أنه ينتقل بالقارئ إلى أنحاء شتى من العالم ويصطحبه في زيارة مدن عديدة وفي دول مختلفة لا يخطر ببال أحد أن يزورها، ولا تتاح للكثيرين زيارتها حتى من خلال فرصهم الرسمية الوظيفية. وهو لم يقصدها إلا بهدف إعداد تقارير إعلامية وإجراء مقابلات صحفية مع قادتها أو رموزها وبموعد يتزامن مع أحداث مهمة فيها، وغالباً ما تكون ذات طابع صدامي وقتالي على وقع هبوب الزوابع السياسية والصواعق العقائدية، وربما وسط أزيز الرصاص ودوي القنابل.

ما يلف الانتباه في صياغة الحكايات المئة التي ضمّها الكتاب وزادت من بهاء صوره المتتالية، تلك العبارات التي جاءت مليئة بفنون البلاغة من محسّنات بديعية وتشبيهات وكنايات واستعارات، رغم أنها تعكس الواقع كما هو. فقد جاء فيها مثلاً: «الأشجار الحرجية كانت تزنّر المرج في تلك الليلة المظلمة العابسة، وكان ذلك الحديث (حديثَ قرايا) -نسبة إلى القرى- والذي يختلف بالعادة عن (حديث السرايا) -أي حديث المسؤولين الرسميين. كما كان هناك مجال للتفاخر والتباهي والاستغابة والكذب والمبالغة، وحيث الضيوف بين أردية العتمة وجحافل الظلام عن أحذيتهم، كانت الدعوة إلى تمضية تلك الليلة بضيافته (رخوة) ومن قبيل رفع العتب فقط، والضيوف قد انتعلوا أحذيتهم، كانت القرية التي تختفي وراء تل الرجم، الذي كانت تبتلعه في تلك الليلة المظلمة عتمة شديدة، وقد نفرت إحدى عنزات القطيع الذي كان يهجع باسترخاء أمام البيت نفرة قوية، وواحد منهم يحاول طرد بعوضة كانت تحاول الوصول إلى إحدى أذنيه، وهم قد تحولوا إلى كتلة من اللحم المرتعش».

وجاء فيها أيضاً: «ذلك اليوم كانت برودته لاذعة تشرخ العظم، وكادت لحيته (الذريّا) تلامس ركبته، عصَرَ نفسه نحو الأسفل، وبسرعة البرق أصبح نصفُ الرغيف في فمه والنصف الآخر في الطريق إلى شدقيه الواسعين، وأخذ يخاطب ذلك الغارقَ في دغل الحشائش، الذي مشى به كما يمشي الوجل نحو فرسه، يحاول رفع يده المنهكة الضعيفة ليمسح دمعة تتسرب من زاوية عينه الملتصقة بأريكة (بالة) أصبحت بلا لون مع الزمن ومع كثرة تراكم الأوساخ، وهو يخرج من صدره المحشوّ بالحزن والمرض والبلغم أنيناً خانقاً وتأوهات تمزق الأحشاء. كانت زائرة الليل -الملاريا- تعركه في كل ليلة عركَ الرحى بثقالها، لقد أناخت عليه زائرة الليل بكلكلها وهرسته بلا رحمة. وكانت أمه ترابط إلى جانبه الليل بطوله، وهو ينتفض كريشة في مهب الريح! لقد كانت تغطي دموعها برداء الليل الدامس، وكانت شهقات بكائها الخافت تقطع نياط قلبه، بينما كان يعاني سكرات الموت تحت وطأة زائرة الليل، التي بقيت تزوره كل ليلة ولنحو أكثر من شهر بِطولِه».

وفي زاوية أخرى من «الحكايا القلّابية» يقول صالح: «بدأت الطائرة تهبط نحو مطار كابول بتثاقل وكسل، شعرت وأنا أنظر عبر النافذة وكأنني في دلوٍ تَنَكيّ ينحدر نحو جوف بئر عميق.. تطلق زفرات لاهثة كزفرات بقرة متورمة البطن صاعدة من قعر وادٍ سحيق إلى ربوة عالية، أناخت بكلكلها فوق الكرسي الخشبي فأخرج صريراً كصرير نواعير حماة في عز فصل الشتاء، أخذت ترجمُ فماً فاغراً بالبيض، وكانت تواصل رجمَ فمها بكل ما هب ودب».

ومن التعبيرات البلاغية أيضاً قوله: «شمس طوكيو التي اتخذت موقعاً محترماً أبدياً على العلَم الياباني هي غير شموس الكون كله، نظرتُ من الشرفة إلى الأسفل فرأيت في الفجر سيلاً هداراً في قُرانا قبل أن تغزوها الوحوش الإسمنتية وتُفقدها جمالها البدائي (حُسْنُ الحضارة مجلوبٌ بتطريةٍ/ وفي البداوةِ حسْنٌ غيرُ مجلوبِ). تخيّلتُ قبل أن أغرق في سنة قصيرة من النوم أن يكون المفاوض مثله مثل راثي السجاد، هادئ الأعصاب طويل البال شديد الملاحظة والدقة. المساومة كانت تجري في ضوء شمعة كانت دموعها قد وصلت إلى حيث كانت مثبتة، باتت تتلوى ألماً وهي في الرمق الأخير. وهي -التي رآها- تزيح الشعرَ المنسدل فوق جبينها الأصبح كشلال ذهبي، أما هو فسلاحُه نظراته الحادة النهمة، وموسيقاه خفقاتُ قلبه، وبضاعته كذب أبيض عن مغامرات غير صحيحة ولا حقيقية! أما هي فقد انطلقتْ كمهرة شموس».

ويضيف الكاتب: «بقيتُ غارقاً في ذكرياتي الحزينة، رفعتُ رأسي فارتطم نظري بتمثال من الأبنوس الجميل، تلك السنغالية ممشوقة القوام بهية الطلة قهوائية اللون التي بدت في تلك اللحظة، والطائرة تهبط كطائر العنقاء الأسطوري، كتلك الأميرة الأسطورية التي جاء بها ذلك الملك الفرعوني الشهير من بلاد البونت في الصومال، والتي جرى تخليدها في الأوبرا الشهيرة التي حملت اسمها: (عايدة)! وأنا غارق في ذكريات مؤلمة أعادتني إلى أيام العذاب، والتي كان أقسى ما فيها على قلبي دموع أمي التي كانت ترابط إلى جانب فراشي الليل بطوله وأنا أكابد موجات مرض الملاريا المرعب.. شباك غرفتي يطل على المحيط بهيجانه وأمواجه المعربدة المزبدة من الناحية الشرقية.. وكانت حياة الناس في غاية الضنك والفاقة».

كما جاء في الحكايات: «مراكز شحن العبيد، التجارة المحرَّمة، وصمة عار في جبين الإنسانية.. ستبقى معاناة الأفارقة في تلك الحقبة من التاريخ شهادة حية على حقارة ونذالة وخسة كل من شاركوا وساهموا في هذه التجارة. المرأة السنغالية.. اللباس مزركش جميل والقوام باشق فارع، وطرحة الرأس تزيد تماثيل الأبنوس شموخاً، بينما العذوبة التي تكمن في هذه التماثيل تشبه رائحة زهور إفريقيا المتوحشة».

ويقول المؤلف في موضع آخر: «لا بد مِن صَنْعا وإنْ طال السفر»، ويضيف: «إن من يريد أن يعرف بلداً معرفة حقيقية، عليه ألّا يبقى في عاصمتها، وألّا يكتفي بالنزول في فنادقها، (حُسْنُ الحضارةِ مجلوبٌ بتطرية)، (جُنّت عدن) وقلت مما قلته إنّ (عدن لم تعد جنة)، وإن الرفاق الماركسيين أصابهم الجنون، فتقاتلوا وبقوا يتقاتلون، وأنهم أكلوا بعضهم بعضاً، وأنهم أكدوا أن الثورة بالفعل تأكل أبناءها، كقطة متوحشة.. ألوان بإمكان مَن في قلبه نبضة من الوله أن يشم رائحتها قبل أن يستمتع بزهو ألوانها. هبط على بلادنا غضبُ الأرض، وكان نصيبي هذا المخيم المزري الذي لا يقي من قّر ولا من حر، كيف أن هذه الشجرة أطلقت ألسنة ضوئية بعد الغروب بقليل؟ وكيف أنها أرسلت شآبيب من الدماء عندما حاول أحدهم قطع أحد أغصانها بسكّين أحضره من (داكار) لهذه الغاية؟ إن الفضول يدفعنا لنصل قبل أن يسدل الظلام أرديته. كنّ هُنّ ضُمَماً من فتيات وكأنهن أزهار أصيلة لم تبلغ مرحلة العساف، وإن أجمل الدموع وأقربها إلى القلب هي دموع المرأة ذات العيون اللوزية، عين تمطر خدها وصدرها بشآبيب الدموع السخية».

ويستعير القلّاب من الشعر الوصف التالي: «وأمطرتْ لؤلؤاً من نرجس وسقت ورداً/ وعضّت على العنّابِ بالبرد». ويضيف: «أحسست وكأنني خُلقت من جديد، وأنني أفْلَتّ من بين أشداق غول إفريقي متعطش للدماء». كانت مدينة داكار عندما زارها قد بدت كفتاة إفريقية مذعورة والنيران تشتعل في طرف ثوبها. أما عن «البنجاب» التي تعني «الأنهار الخمسة» فكانت فعلاً ماء وخضرة وأودية ساحرة وأنهاراً تنساب عبر الأودية المحشوة بالغابات وبكل أنواع الأشجار، وقد جعلَتْه يتذكر ذلك البيت للشاعر الأندلسي الذي يقول: «لله نهرٌ سال في بطحاء/ أشهى وروداً مِن لمى الحسناء».

كن يتراشقن بالمياه، وكن يتضاحكن بقهقهات تجعل شيخاً تسعينياً تدبّ في روحه المراجل ويقول:

«ألا ليت الشباب يعود يوماً/ لأخبره بما فعل المشيبُ».

ومن «باكستان» هذه المرة، يرسل الكاتب رسالة من فوق ربوة تبدو قياساً إليه تطوّق رؤوس سلاسلها «مظفر آباد» كطفلة صغيرة تمسك بطرف ثوب أمها فارعة الطول ومرتفعة الهامة. وينقل على لسان الباكستانيين قولهم: «ألسنا إخوتكم؟! نعتبر القضية الفلسطينية قضيتنا، ونعتبر أن مسؤولية تحرير القدس مسؤوليتنا، فلماذا لا تعتبرون قضية كشمير العادلة قضيتكم؟». وعندما يمر بالأسكندرون في جولة أخرى، يراها قطعة انتُزعت من القلب في لحظة عربية مريضة .. إنها كفتاة ضامرة الخصر مزمومة الثغر قرمزية الشفاه، خطفها علوجٌ ولم تجد معتصماً تستصرخه وتستدعي رجولته.. ويستطرد: «كانت تضع قدمين جميلتين تستحقّان التقبيل بنبل ومحبة في زبد أمواج المتوسط الحنونة». وبتأثر يتذكر: «انحدرت دمعة على خدّي اختلطتْ بقطرات الماء التي جاءت من عكا. أما أضنا، البلدة التركية الجميلة التي تستلقي مسترخية عند خاصرة جبال الأناضول، فشَعرها مسترسل على كتفيها كشلالات عتمة. وفي مالطا حيث (الضد يظهر حسنه الضد) جذع شجرة أكلته النيران، لونه فحمي أسود وقوامه غير متناسق، ففندق (فينسيا) كأنه بني في هذا المكان قبل أن يبدأ التاريخ، ثم جيء بهذه الصخرة الكبيرة التي اسمها (جزيرة مالطا) ولفّت حوله كما تلفّ غادةٌ لبنانية منديلَ حرير حول عنقها، وبطريقة تسمح لكل مختلس نظراتِ الوصول إلى بعض الأجزاء من جسدها... نحن نلتقي في هذه الجزيرة من جديد بعد أن تأكد كل واحد منا أنه كان مخطئاً وخيالياً عندما كان يعتقد أنه بالإمكان إقامة الدين في مالطا!».

ويظل الكاتب يعبّر برومانسية بصورة مبالغة كلما رأى حسناء في معرض سفراته، كأن يقول: «تطرد بين هنيهة وأخرى خصلة ذهبية من شَعرها الأشقر المتلامع كشلالات نور عن جبين وضّاح، تحبس دموعاً أجمل من قطرات ندى على وردة جورية في فجر يوم ربيعي بغدادي، كانت تتضوع منها رائحة ياسمينة دمشقية في مساء قائظ تهتز كذؤابة نخلة شاهقة في مهب الريح، أودعت في منطقة قلبي زفراتها وكل دموعها وأخذت (بيترا) تنفش ريشها وأخذت تتطَوْأس! وبيروت تخنقها القنابل وتغرق في العتمة والظلام».

صالح القلّاب -كما ورد بقلمه- بما اكتسبه من خبرة صحافية كمراسل متحرك، لم يترك أحداثاً ساخنة إلا وذهب إليها، من «فيتنام» و»كمبوديا» في الشرق إلى «أيرلندا» في الغرب. وهو ويقول عن الناس في موضع آخر من الكتاب وفي مكان آخر من العالم: «يَبدون في هذا المكان الغريب كغرائب الإبل، ولكن من دون أن تُضرَب لإبعادها عن قطعان الظباء الشاردة، وهي تبدو وكأن هموم الدنيا جاثمة فوق رأسها، الذي تتدلى منه ذؤابة مشاكسة». ويلخص حياته بأنه كان متطفّلاً جاب أربع رياح الأرض وهو يطارد مستجدات الكون لحساب مهنة المتاعب، التي صارت مهنةَ مَن لا مهنة له.