معصوم محمد خلف

يعد الفن الإسلامي خطاباً متحد المعاني، ولغة متفردة عبّرت عن وحدة المسلمين وتماسكهم واتصالهم الوجداني على الرغم من تباعد الأقطار والأقاليم، والفنون بوصفها وعاء لقيم الشعوب وانعكاساً لمفاهيمها، سجلت بصدق مفهوم المسلم للكون وللحياة.

ولما له من ارتباط بفنون التشكيل والزخرفة مما منحه القدرة على التأثير العميق في فنون الحضارات الأخرى. فمن تزيين جدران الكهوف في عصر الفخار والمعدن إلى حضارة الأكاديين والعموريين والإيبلائيين الذين هم أصل لغة العرب، ومن عهود السيطرة الرومانية والبيزنطية إلى الشخصية الإسلامية المستقلة التي تبنت تحريم التصوير، فأبدعت الكلمات في الصورة قلباً وقالباً.

ومن ثم أدخل هذا الفن إلى الانتماء النسبي في العمل نقلاً وتكراراً أو التزاماً بالأصالة والحداثة مروراً بالفن التشكيلي وفن الرقش والأسلوب التجريدي والرموز الهندسية الصرفية إلى زمن فن اللغز أو الطلسم إلى نظرية البعد الواحد وإلى الفن المألوف وإلى الكتابة العصرية. رحلة شاقة سار عليها هذا الفن الجميل فتمخضت بالولادة جيلاً بعد جيل، وعبقرية تلت أخرى، فهذا أبو حيّان التوحيدي يقول منذ اثني عشر قرناً خلت “أنه هندسة روحانية بآلة جسمانية”.

..ونأتي الى نقطة الالتقاء بين الغرب والشرق، وأن كتّاباً آخرين زاروا البلاد العربية في بداية القرن العشرين من أمثال موريس بوريس ودُهامل، وفلوبير وأندريه جيد وموباسان وريكله، فأجمعوا جميعاً على تعريف فنانيهم على ذلك العالم المدهش الذي كانوا يجهلونه في بلاد الشرق. وامتد التأثير العربي على الفن الغربي عبر المعاهد التي تأسست في البلاد العربية على يد الغرب، فالباحث اليوناني “الكسندر بابا دوبولو” كتب بالفرنسية ما معناه “إن الخط العربي فن رائد وأساسي، وذلك على عكس موقع الخطوط لدى العديد من الشعوب الأخرى”. وباحث آخر هو “تيتوس بوركهارت” أشار إلى الأهمية الفنية للخط العربي فاعتبره ” أيقونة العرب والمسلمين” أما “أوليه غرا بار” فقد أولى اهتمامه الرئيسي لفن الزخرفة الإسلامية، واعتبر الخط العربي جزءاً متمماً لهذه الزخرفة، وأضفى عليها سمة الكتابة المقدسة، ويقول “غوستاف مورو”: “إن الشرق هو مخزن الفنون، وإنه قبلة الفنان الحديث وأن فن المنمنمات قد فجّر جميع إمكاناته وأنه عليها أكد أبحاثه الفنية”. كما تقول الناقدة الألمانية “سيجريد كالا” حول مشاهداتها في معرض السنتين الذي أُقيم في بغداد عام 1974م: “لعلني لا أُغالي كثيراً، فمن جميع ما شاهدته لم أجد نتاجاً يفصح عن مصدره العربي وينطق به، إلا ذلك الإنتاج الذي يتصل باللغة أي الذي يتخذ من فن الخط العربي وحروفها مادة له”.

ويضيف ناقدٌ أوروبي هو “روبير غرينا” قوله: “أصبحت الكتابة في قوالبها الهندسية مما يمكّن للخط الكوفي أن يتخذ ألف شكل وشكل، وأن يعطي دلالات جديدة لأساليب عديدة للوصول إلى أن تصبح ضرباً في المستحيل، وتصير الوظيفة عملية تأمليّة أو تربوية قريبة من الصلاة”. ويعترف بيكاسو مرةً: “إن أقصى نقطة أردتُ الوصول إليها في فن التصوير، وجدت الخط الإسلامي قد سبقني إليها منذ أمدٍ بعيد...”. ويقول أُستاذ الدراسات الشرقية في جامعة استانبول المستشرق ريتر “إن الكتابة العربي أسهل كتابات الدنيا وأوضحها، فمن العبث إجهاد النفس في ابتكار طريقة جديدة لتسهيل السهل وتوضيح الواضح”.

كما أن مارسيه يقول في كتابه الفن الإسلامي: “إن وحدة الرقشة الزخرفية بغير بداية أو نهاية، فهي سرمدية استوحت قواعدها من القواعد الرياضية إلى تكرار الموضوع والرغبة في حل معادلة اللانهاية”. كما يؤكد المؤرخ الإنكليزي “أرنو لد توينبي” حيث يقول: “لقد انطلق الخط العربي الذي كتب به القرآن غازياً ومعلماً مع الجيوش الفاتحة إلى الممالك المجاورة والبعيدة، وأينما حلَّ أباد خطوط الأمم المغلوبة”.

ويقول “غوستاف لوبون” في كتابه حضارة العرب: ” للخط العربي شأن كبير في الزخرفة فهو ذو انسجام عجيب مع النقوش العربية، ولم نجد في الزخرفة حتى القرن التاسع من الميلاد غير الخط الكوفي ومشتقاته كالقيرواني والكوفي القائم الزوايا ،وتؤخذ هذه الكتابات من القرآن الكريم على العموم، وأكثر هذه الكتابات استعمالاً هو السطر الأول من القرآن الكريم وهو: (بسم الله الرحمن الرحيم)، وإن كل بلد خفقت فوقه راية الرسول، تحول بسرعة فازدهرت فيه العلوم والفنون والآداب والصناعة والزراعة أيّما ازدهار”. ويعترف المبشر “ليندن هاويس” في كتابه الإسلام في أفريقيا الشرقية” بأن الأوروبيين المستعمرين قضوا على الحضارة، وتركوا الخراب في المعاهد والمعابد، حيث حلوا يخربون وينهبون، أما العرب المسلمون فإنهم نقلوا إلى أفريقيا الكتابة والعمارة، وأدوات الحضارة”. كما وصف الرسام الإيطالي الشهير “أندريو لوتي”: “إن الخط العربي كسمفونية متناسقة الأنغام تتجدد كلما نظرت إليها”. كما أضافت الوزيرة البريطانية “كيث هوي”: “إن الحضارة الإسلامية أسهمت بشكل فعّال في الحضارة الغربية، كما أن الفن الإسلامي والعلوم والفلسفة الإسلامية والطب أثرت في حياة الغرب بصور عديدة لا يمكن إنكارها”.

أما المستشرق الفرنسي “ماسينيون” فقد كان رجلاً منصفاً عندما قال: “إن المسلمين صنعوا في الأندلس عمارة متينة راسخة في الأرض، وفي الوقت نفسه تكاد تطير في الهواء لخفتها ورشاقتها”. وقد قالت إحدى الناقدات عندما خرجت من معرض الخطاط الدكتور “محمد غنّوم” في وارسو حول انطباعها عن المعرض: ” لاأُريد أن أقرأ ما يكتب... ألا تكفي هذه السمفونيات التي تعزف، وتلك الألوان الرائعة القادمة من المشرق”. وفي افتتاح معرض الفنانة التركية المهندسة “عمران تازجان” باستانبول، ألقت الدكتورة الألمانية “آن ماري شيمل” محاضرة شيقة عن فن الخط في العالم الإسلامي، تحدثت فيه بإسهاب شديد عن الرابطة الحميمة بين الخط العربي والحضارة الإسلاميّة وعن تاريخ تطور فن الخط وفلسفته ومكانته وأهميته في الثقافة الإسلاميّة ومختلف مدارسه ومبادئها العامّة.

ولما سقطت قرطبة سنة 304 للهجرة – 1236 م، عُرض على “شارل الخامس” اقتراح بهدم المسجد الجامع الذي أنشأه عبد الرحمن الداخل (صقر قريش) سنة 180 هـ، والذي يُعد من أكبر الآثار العربية الإسلامية في الأندلس، فوافق على هدمه، ولم يكن قد رأى المسجد، ولما مرّ بقرطبة بعد ذلك ورأى المسجد راعه مما رأى من جلال الفن وعظمة المعمار فقال: “لو كنت قد علمتُ ما وصل إليه ذلك لما كنتُ قد سمحتُ بأن يُمس هذا البنيان الضخم، لأن ما بنيتموه موجودٌ في كل مكان وما هدمتموه فريدٌ في العالم”. ويقول الدكتور “مراد هوفمان” السفير السابق لألمانيا بالمغرب في كتابه “الطريق إلى مكة”: “إن من بين اختياري للإسلام إعجابي وتأثري الشديد بجمال الفن الإسلامي، إذ اكتشفت أن الإسلام ذو طبيعة جميلة متصلة بالفن، وكان أكثر الأعمال التي أغرتني قصر الحمراء في غرناطة، والمسجد الكبير في قرطبة، فقد وقفت أمامهما بإجلال وأيقنت أنهما إفراز حضارة راقية واعية”.