أ. د. غسان الطالب

في العشرة الاخيرة من رمضان نستذكر مرور هذا الشهر الكريم، ونستذكر جميع الصور والذكريات الطيبة التي عشناها في ايامه المباركة، فهو شهر ليس كبقية الاشهر في المجتمعات الاسلامية، له خصوصيته ورونقه الخاص، فمجرد الانتهاء منه يبدأ الحديث عن موعد حلوله في العام القادم ويردد الجميع عبارة «لا أوحش الله منك يا رمضان» والجميل في الموضوع هو الطقوس التي كانت ترافق الاستعداد له لمجرد حلول شهر شعبان، ففي مجتمعنا كان الاستعداد يتم له في غياب اكثر عناصر التكنولوجيا الحديثة اهمية وخاصة الكهرباء، وفي العديد من المناطق لا توجد ثلاجات ولا مكيفات ولا أي من وسائل الراحة المتوفرة لنا هذا اليوم، واكثر الايام قسوة كانت عندما يحل هذا الشهر في فصل الصيف وعامة الناس يعملون في الحصاد وجمع محاصيلهم تحت لهيب الشمس ثم يعودون في المساء لتناول الافطار بما يتيسر لهم من رزق الرحمن.

كانت النسوة تجتمع لتعد خبز الشراك والبرغل والجميد وكل ما يلزم تحضيره لاستقبال هذا الشهر، كانت العائلة تجتمع كاملةً مع الاقارب و الجيران أحيانا حول مائدة واحدة ويُحضر كل واحد ما أعده من طعام ليوضع في سفرة واحدة، ما أجمل هذا التواصل وهذه العلاقة...، بعد ذلك يستعد الجميع لصلاة العشاء والتراويح ثم العودة بعدها لإحياء السهرات (التعاليل) التي عادةً ما تسودها المواضيع الدينية والذِكر,وقبل السحور تستيقظ البلدة كاملة على صوت المسحر الجميل وهو يقول «يا صايم وحد الدايم» ثم ينتقل بين البيوت كي لا يفوته شخص ما زال يغط في نومه.

ما أجمل تلك العادات الطيبة التي كانت تجمع أفراد العائلة في ساعة واحدة، ما اروع امهاتنا وهنَ يُحضرن الاطباق لتبادلها مع الجيران ونكلف نحن الصغار بإصالها الى وجهتها، إنها اسمى وارقى حالات المحبة والتواصل بين الناس في الوقت الذي اختفت فيه العديد من هذه القيم، حتى افراد العائلة الواحدة لم يعد بالامكان ان نراهم جميعا على مائدةٍ واحدة، والجيران اصبحوا اكثر بعداً، فأحيانا تجد ان الجار لا يعرف اسم جاره ولا يشاركه في مناسبة.

ومن العادات الطيبة الدعوات على الافطار والتي كانت تجمع بين صلة الرحم والتواصل مع الاقارب والجيران، انها صورة من اجمل صور التراحم و التعاون والمحبة، فكان شهر رمضان عدا عن كونه شهر عبادة وتواصل مع الخالق الا انه شهرتواصل اجتماعي، شهر محبة وتكافل تقترب فيه النفوس اكثر من بعضها، يلتقي فيه الغنى والفقير، الكبير والصغير، القريب والبعيد.

فما بالنا اليوم وقد توفر لنا جميع وسائل الراحة من كهرباء وتبريد ووسائل إتصال وأعداد هائلة من القنوات الفضائية وكل انواع التكنولوجيا التي لم نكن قادرين على تخيلها وكما يقول البعض «رمضان خمسة نجوم» ما بالنا لانعطي رمضان بهجته ونحافظ على بعض من عاداته، ام كل هذا كان عامل لاختفاء ولو نسبيا للعادات الرمضانية وساهمت في تراجع الروابط الاجتماعية بين الناس.