أبواب-خولة أبو قورة

«النجدة أريد حلا الرجاء من الأخوات مساعدتي» صرخات استغاثة كتبتها سيدة ونشرتها على أحد مواقع التواصل الاجتماعي طلبا النصح والمشورة من أعضاء المجموعة الالكترونية ،وتلخص مشكلتها « زوجي لا يطاق في رمضان، فهو دائما عصبي وسريع الانفعال والغضب ويفتعل المشاكل ،ماذا أفعل ؟؟»

وتكتب ربه المنزل أم عمر بأنه :»بدلا من لهفة الانتظار لقدوم شهر رمضان الفضيل ،فإنه تتوالد لدى وأبنائي مشاعر الخوف من مشاكل زوجي ، حيث ينشر المشاعر السلبية في المنزل ، فمن أول يوم صيام يفتعل المشاحنات»وتقول :» « يتحول زوجي لشخص آخر، يصبح عصبيا ويمضي معظم نهاره في النوم ويسهر طوال الليل،فنحاول طوال الشهر الكريم تجنبه والابتعاد عن المكان الذي يكون به تفاديا لمشاكله».

توضح المستشارة التربوية الدكتورة أمينة حطاب بأن لمسببات الغضب بعدين «الأول :يرتبط بالهرمونات التي يفرزها الجسم وأثرها على الحالة النفسية ،و الثاني ، جسدي متعلق بالإرهاق والتعب الناجم عن الصيام ، فانخفاض مستوى السكر بالدم ينتج عنه التوتر والإرهاق إضافة إلى ارتفاع درجات الحرارة مما يزيد من نسبة الإرهاق».

ويضيف الطبيب والمستشار النفسي عبد الرحمن مزهر « هناك عاملان يلعبان الدور الأكبر في حالات الغضب التي تنتاب الأفراد وتزيد المشكلات الزوجية في هذا الشهر،أولاهما التدخين ،حيث أن الانقطاع عن التدخين لساعات طويلة يزيد من نسبة توترهم ،ويلاحظ أن تأثيره أكبر على الرجال من النساء،والثاني ،يتمثل في الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي يمر بها الأفراد وازدياد الالتزامات المالية في هذا الشهر حتى يستطيعوا إقامة ولائم للأقارب والأصدقاء وشراء ملابس العيد وغيرها من المصاريف التي ترهق الأسرة».

وتقترح الخطاب آليات التعامل مع الزوج الغاضب «على الزوجة التزام الصمت وتغيير المكان فلا تجلس في الغرفة معه ،و لا تناقشه لأنه لا يجب مناقشة الغضبان حتى لا تتطور الأمور للأسوأ، بل تقوم بعد الإفطار أو في وقت آخر مناسب بمحاورته ومناقشته بطريقة لطيفة ليتراجع عن الموقف الذي اتخذه، حيث أن الغضب حالة نفسية يمر بها الشخص ولا يكون خلالها في كامل تركيزه واتزانه لهذا لا يأخذ بأقواله و ما يصدر عنه».

وتابعت الحطاب «أما إذا غضبت الزوجة فعلى الزوج أن يستوعبها ويسمع لها ولا يناقشها حتى لو كانت مخطئة ولا يدخل معها في حوار بل يهديء من روعها ويبين لها أنه يتفهم مشاعرها ويشعرها بالدعم النفسي وأنه متعاطف معها ويساندها فمن ميزات الأنثى أنها سريعة الغضب لكنها أيضا تهدأ بسرعة وخاصة بالكلمة الطيبة».

ويرى الدكتور مزهر أن «ضياع البوصلة في تبادل الأدوار بين الرجل والمرأة يزيد من حدة المشاكل بين الزوجين بخاصة أن الضغط الأكبر يقع على كاهل المرأة وتحديدا إذا كانت عاملة حيث يطلب منها أن تكون مصدر دخل للأسرة ولا تنقص من واجباتها نحو منزلها وأبنائها وأن يكون كل شيء معد في الوقت المناسب وفي ذات الوقت يرفض الرجل مساعدة الزوجة في الأعمال المنزلية والطهي بسبب العادات الاجتماعية التي تربى عليها الرجل الشرقي» .

ويؤكد كل من مزهر والحطاب «على ضرورة عدم مناقشة الشخص الغاضب لأنه سيزيد من المشاكل ويمكن أن تتطور،وإذا كانت حالة الغضب عارضة فنلجأ إلى تفهم الظروف التي سببتها ونعمل على استيعاب الطرف الآخر، فنضع أنفسنا في مكانه ونعطيه مبررات ونلتمس له الأعذار ونحس بمشاعره أي بمعنى آخر نفكر بأكثر من وجهة نظر، أما إذا كان الغضب سمة شخصية فيحتاج من يتسم بها إلى تقييم و إرشاد نفسي سلوكي معرفي لإدارة الغضب وينصح بالتحاقه بدورات لإدارة الغضب».

وتبين مدربة المهارات الحياتية سنا السالم أن :»دماغ الإنسان خلق بجزئيين الأيمن والأيسر فالجزء الأيمن انفعالي و الأيسر العقلاني،والجزء الانفعالي أسرع بدقيقتين من العقلاني حتى نكون سريعي الاستجابة في المواقف الحرجة لكننا نملك القدرة على التحكم بهاتين الدقيقتين لمن أراد، ويمكن أن تطرح على الشخص الغاضب سؤالا لمساعدته لننتقل من الجزء الانفعالي إلى العقلاني».

وتابعت السالم «كما أن هناك تمارين كثيرة لضبط النفس منها التنفس وإتباع نمط حياة صحي،وتغيير المكان ،وأهمها تغيير طريقة التفكير لأن الغضب ناتج عن عملية الإدراك لموقف معين ،فهناك مثير تم إدراكه بطريقة سلبية فيغضب الشخص،وينفس عن غضبه في المكان والزمان الخاطئ وعلى أشخاص لا ذنب لهم «.

ويقول الدكتور محمد الهواري أستاذ الشريعة في جامعة البلقاء التطبيقية عن الغضب أثناء الصوم «يلحق الصائم أمور طبيعية ترهق جسده أثناء صومه مثل نقص الماء ونقص السكر بالدم إضافة إلى اضطراب عادات النوم في رمضان وغيرها من الأمور ،وقد تجعله عصبيا في تعامله مع الآخرين فيتصرف أحيانا تصرفات غير صحيحة متحججا بأنه صائم».

ويضيف الهواري « حقيقة الأمر لا يصح التذرع بالصيام لتسويغ الأعمال الخاطئة الصادرة عن الصائم الذي لا يعرف حقيقة وجوهر الصيام ، فالصوم جوهر للنفوس وسمو بها وتعليم لها على الصبر فالصائم يترك طعامه وشرابه وسائر شهواته طاعة لله تعالى فكيف يتخذ من الصيام حجة لتبرير الخطأ «

ويتابع الهواري « وقد جاءت التوجيهات النبوية للصائمين الداعية إلى حسن الخلق وفي ذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم «الصيام جنة فلا يرفث ولا يجهل ، وإن أمرؤ قاتله أو شاتمه فليقل أني صائم ،إني صائم « .

ويوضح أن :»النبي صلى الله عليه وسلم بين أن الصوم يقي صاحبه مما يؤذيه من الشهوات وعلى الصائم أن يصون صومه مما يفسده وينقص ثوابه، فلا يفعل شيئا من أفعال أهل الجهل كالصياح والسفه، وهذا أمر مطلوب في الصوم وغير الصوم وأن لا يصدر عنه الكلام الفاحش، لأن ذلك ينقص الأجر والثواب وعلى الصائم إذا أراد أحد التعرض له بالأذى أن يذكره بأنة صائم لعله يكف عنه، وأن لا يعامله بمثل عمله ،ويقتصر على قول إني صائم ليزجر نفسه ومن يخاطبه عن فعل الأخطاء».

وأمام هذه التوجيهات النبوية نجد أن العصبية التي يدعيها الأزواج بسبب الصوم لا تتفق مع جوهر الصوم وحقيقته وتوجيهات النبي صلى الله عليه وسلم للصائم . فبعض الأزواج لأقل الأسباب داخل المنزل يثير المشاكل وقد يتفاقم الأمر بين الزوجين إلى أن يصل إلى الطلاق دون أسباب جوهرية تدعو لذلك.

وتلافيا لذلك يجب أن لا يتذرع الزوجان بأن الصوم سبب العصبية وأن يقوم كل منهما بدوره المنوط به على الوجه الذي يرضي الله تعالى والتجاوز عن الأخطاء وبخاصة في شهر رمضان المبارك ، والتعاون فيما بينهما يعود بالنفع والخير على الجميع ،وأن يكون الصوم نموذجا حقيقيا للالتزام بمفاهيم الإسلام وقيمه واقعاً عملياً».