أ.د . إسماعيل البريشي

فإن رمضان مناسبة عظيمة في الإقلاع عن المعاصي، والرجوع الحميد إلى الله عز وجل، وسعيدُ هو ذاك المؤمن الصائم الذي استغل الأجواء الإيمانية والروحانية في هذا الشهر الكريم، حرصاً منه على خاتمة طيبة لعمله قبل هذا الشهر، وما يتيحه رمضان من فرصة أمام المؤمن لاحسان خاتمته من خلال نزوع الناس إلى الخير وبعدهم عن الشر، وتصفيد الشيطان يدفع المؤمن المحب لدينه، والحريص على جنة ربه، إلى الانتفاع بهذه الفرص العظيمة، والاندفاع إلى طاعة الله في هذا الشهر الكريم، نظراً ما لخواتم الأعمال من اثرٍ بالغٍ على تحديد صلاحية العمل ونفعه في عمر الإنسان كله، فإن الأعمال في الشرع المطهر مرهونة بخواتيمها، فبحسب الخاتمة في الدنيا تكون العاقبة في الآخرة.

فمن كانت خاتمته في الدنيا خيراً كانت عاقبته في الآخرة خيراً، ومن ختم له في هذه الدنيا بشرٍ، كانت عاقبته في الآخرة كذلك، ويؤكد هذا المعنى حبيبنا محمد (صلى الله عليه وسلم) بقوله: «إنما الأعمال بخواتيمها».

إن السعيد والذي حاز سعادة الدنيا والآخرة، هو ذلك الرجل الذي يواظب على الأعمال الصالحات من صلاة وصيام وزكاة وحج وعمرة وبر وخير وذكر لله تعالى في رمضان وفي غيره من الشهور، فان رب رمضان هو رب سائر الشهور، فيلقى المسلم الله سبحانه وتعالى وهو راضٍ عنه، وان الشقي المحروم هو ذاك الذي يلقى الله سبحانه وتعالى وهو مقيم على معصيته، وأشقى منه وأكثر حرماناً، هو ذاك الذي يعمل الصاحات في الدنيا، ثم يستدرجه الشيطان في آخر عمره، فيستجره إلى معصية الله سبحانه وتعالى، فيلقى الله سبحانه وتعالى وهو عليه ساخط.

ويحدثنا الحبيب محمد (صلى الله عليه وسلم) عن أهمية الخواتم فيقول:» إن الرجل في الدنيا ليعمل بعمل أهل الجنة، حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراعٌ، فيسبق عليه القول فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن الرجل في الدنيا ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراعٌ، فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها».

يصور لنا هذا الحديث الشريف أهمية الخواتم في حياة المسلم، وأنها تعدل حياته كلها، لان الرجل قد يقيم على طاعة الله عز وجل زمناً طويلاً، ويجاهد نفسه جهاداً عظيماً حتى يبقى متشبثا بطاعة الله عز وجل، متمسكاً بحبله المتين، وفي لحظةٍ يسرة، وبرهة وجيزة، وفي غفلة من إيمانه ينصب له الشيطان حبائله، ويعده ويمنيه، وما يعده الشيطان الا غروا، فيستدرجه إلى معصية الله عز وجل فيمشي في طريق المعصية، فيأتيه الأجل يخطفه من بين أبناءه وبناته وزوجته وأحفاده، ويخطفه من معاصيه وملذاته، فيلقى الله وهو عليه ساخط، فيبوء بالخسران المبين.

وفي المقابل ربما يقيم المرء على معصية الله عز وجل ردحا من الزمان فتدركه رحمة الباري سبحانه وتعالى، فيوفقه الله عز وجل إلى توبة نصوح، فيخطو خطواته الأولى في طريق الهداية والصلاح، فيدركه الأجل وهو على طاعة، فيلقى الله عز وجل وهو عليه راضٍ، فيفوز برضا الله عز وجل وبجنةٍ عرضها السموات والأرض، فيفلح غاية الفلاح، وينجح نهاية النجاح.

ويحدثنا النبي (صلى الله عليه وسلم) عن اخوين من بني إسرائيل يسكنان في دار واحدة احدهما في علوها والآخر في سفلها، وكان الذي في علوها عابداً لله عز وجل، طائعاً له، مخبتا منيبا اليه، بينما كان الذي في سفلها عاصياً لله تعالى، معرضاً عن شرعه، مستخفا بأوامره، مضيعاً لحدوده، يقيم على شرب الخمر، والتلذذ بالمعاصي والكبائر، وبينما هما على ذلك أدرك الذي هو في علو الدار الفتور والسأم والضجر، فحن إلى المعصية وأتاه الشيطان يزين له، ويقذفه بالخواطر، ما مكوثك، وما بقاؤك منعزلاً عن أخيك، تمتع بهذه الدنيا، انظر إلى أخيك وهو يعب من الشهوات عبا، فعزم هذا العابد على المعصية، واخذ يخطو الخطوات في النزول إلى أخيه، بينما ندم أخوه في سفل الدار على ما فرط في جنب الله، وهم بالصعود إلى أخيه ليعينه على طاعة الله، ويرشده إلى كيفية التوبة من المعاصي، واخذ يخطو الخطوات صعودا إلى أخيه في علو الدار، فماتا، فبعثا كل منهما على ما كان يريده، فيا لضياع الأول، امضى في الطاعات عمره، ثم لقي الله على معصية، فختم له بشرٍ، ويا لفوز الثاني ونجاحه، افنى عمره في المعاصي، ثم أدركته رحمة الله، فتاب منها، فلقي الله وهو عنه راضٍ.

أعزائي الكرام كم من رجل أو امرأة جاءهم ملك الموت وهم مقيمون على معصية الله عز وجل، فختم لهم بشر، وكم من رجل أو امرأة لقي الله على طاعة في ركوع أو سجود أو صيام أو ذكر أو حج، فلقي الله وهو عنهما راضٍ. فبادروا أخي الكريم وأختي الكريمة إلى الأعمال الصالحات في هذا الشهر الكريم المفضال، وخصوصا في خواتمه، وفي العشر الأواخر منه، حتى تكون خاتمتكم عند رب البرية خاتمة طيبة، وحتى يكتب الله اسمك في قائمة عتقائه، في هذا الشهر الكريم، فما من أيام يعتق الله سبحانه وتعالى فيها من الرقاب من النار مثل هذه الأيام المباركة في هذا الشهر الكريم، فاحرصوا يرعاكم الله أن يكون شهر رمضان هذا العام، فاصلاُ بين الغفلة والطاعة، وأن يكون حلوله وارتحاله ختام الغفلة والبعد عن ذكرالله.

وختاما اسأل الله عز وجل أن يتقبل منا الصيام والقيام وأن يبعد عن قلوبنا الغفلة عن ذكره وشكره انه جواد كريم.

رئيس قسم الفقه وأصوله سابقا - كلية الشريعة - الجامعة الأردنية