أ. د. غسان الطالب

في العشرين من رمضان في العام الثامن من الهجرة وقع فتح مكة والذي يسمى ايضا «الفتح الاعظم» سجل فيه المسلمون ارقى واروع الدروس الانسانية في الفكر العسكري والسياسي والاخلاقي, وكان هذا اليوم بمثابة تحولٍ كبير في تاريخ الاسلام ونشر رسالته, فبعد ان نقضت قريش عهدها مع الرسول الكريم في صلح الحديبية, قام الرسول صلى عليه وسلم بتجهيز جيش قوامة عشرة الاف رجل استعدادا لفتح مكة، ثم تحرك الجيش باتجاة مكة وهم صيام ويتحملون مشقة السفر والجوع والعطش انتصارا للاسلام واعلاءً لكلمة الله واحقاقا للحق، ثم دخلوها بدون قتال بعد ان اقتنعت قريش ان لا قدرة لهم على مواجهة جيش المسلمين باستثناء محاولة للمقاومة ابداها نفر من قريش بقيادة عكرمة ابن ابي جهل، بعدها دخل الرسول الى الكعبة وطاف بها وصلى وبدأ بتحطيم الاصنام التي حولها وهو يردد الاية الكريمة ويقول: «جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا» (الإسراء :81).

وهنا ندرك قيمة التواضع والتسامح والبعد الانساني الذي ابداه رسول الله خلال تعامله مع أهل مكة بعد كل ما مارسوه من صنوف العذاب والظلم ضد المسلمين وتشريدهم لهم، والاستيلاء على ممتلكاتهم، فعفا عنهم رسول الله وأطلق سراحهم عندما انتهى من صلاته في المسجد الحرام وهم ينتظرونه حيث خاطبهم بخلقه العالي في قوله: «يا معشر قريش ما تظنون إني فاعل بكم» قالوا: خيراً. أخ كريم وابن أخ كريم، فقال: صلى الله عليه وسلم «اذهبوا فأنتم الطلقاء». فكان درس رائع في معنى التسامح الإسلامي ورفضه للكراهية والبغضاء وعدم تنفير المشركين من الاسلام حتى يدخلوا في الإسلام مقتنعين لا خائفين كما بين لنا الحوار الذي دار بين الرسول وبينهم عندما قال لهم: «اذهبوا فأنتم الطلقاء».

وهي درس كذلك في الحكمة في تعامل الرسول مع ابي سفيان وهو من زعماء قريش عندما قال له عمه العباس: «إن أبا سفيان رجل يحب الفخر فاجعل له شيئاً» فقال صلى الله عليه وسلم «من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن دخل المسجد الحرام فهو آمن، ومن أغلق عليه بابه فهو آمن».

بعدها بقى رسول الله صلى الله عليه وسلم تسعة عشر يوماً في مكة، سخرها الرسول الكريم لنشر الاسلام وتحطيم ما تبقى من اصنام حول الكعبة, مما كان له الدور الكبير في نفوس الناس واقبالهم على الدخول في الاسلام جماعات وافواجا كما قال تعالى: «إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللّه والفَتْحُ. وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِين اللّه أَفْوَاجا. فَسَبحْ بِحَمْدِ رَبكَ واسْتَغْفرْه إِنَّهُ كَانَ تَواباً», (سورة النصر 1-3).

فلتكن لنا ذكرى فتح مكة درسا في الصبر في هذا الشهر الفضيل والتسامح والحكمة على خطا رسولنا الكريم بما يرضي الله سبحانه وتعالى.