د.رولا محمود الحيت

شهر رمضان شهر تحيا فيه القلوب، وتسمو فيه الأرواح؛ وذلك من كثرة القربات، والطاعات، من صيام، وقيام، وصدقة وجهاد، وتلاوة قرآن، وغيرها من أعمال البر والإحسان وإطعام الطعام.

صيام العارفين له حنين/ إلى الرحمن رب العالمينا

تصوم قلوبهم في كل وقت/ وبالأسحار هم يستغفرون

المسلم الصائم يجد من الحلاوة، والخشوع، والبكاء ما يحيا به قلبه، ويتمنى لو طال شهر رمضان, فالصيام الذي يخلو معه البال، ويُضيّقُ فيه على الشيطان، فيتفرغ القلب لمناجاة ربه-سبحانه وتعالى-، كل ذلك يورث رقة في القلب، ودموعاً في العين، رجاء رحمة الله، وخوفاً من عقابه، ومراقبة له تبارك وتعالى.

وقد اختص الله هذه العبادة له فقال: «كل عمل ابن آدم له إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به، فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب، فإن سابه أحدٌ أو قاتله فليقل إني صائم، والذي نفسُ محمدٍ بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، للصائم فرحتان يفرحهما، إذا أفطر فرح وإذا لقي ربه فرح بصومه» وفي رواية: «يترك طعامه وشرابه وشهوته من أجلي، الصوم لي وأنا أجزي به، والحسنة بعشر أمثالها». ففرحة الصائم عند فطره تتأتى من أمله ورجائه في أن يتقبل الله تعالى صومه معاهداً ربه بالاستمرار على درب التوبة الصادقة والنصوح، وفرحته يوم لقاء ربه حينما يحَضرُ صيامه وقيامه بهيئة طيبة يشفعان له.

وإذا نظرت لرسول الله-صلى الله عليه وسلم-وهو يبشرك ويهنئك بقوله الكريم: «ما من عبد يصوم في سبيل الله إلا باعد الله بذلك اليوم وجههُ عن النار سبعين خريفا» لأدركت بأن الفرصة الرمضانية المواتية هي من فرص العمر الفريدة، ولو أثلج صدرك قول رسول الله-صلى الله عليه وسلم-ببشارة أخرى مباركة: «من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه «لعلمت أنك أمام فرصة للتوبة واللجوء للخالق عز وجل, ونجوت بجسدك وروحك من نار لا تبقي ولا تذر لواحة للبشر عليها ملائكة غلاظ شداد، ولعلمت أن رحمة الله أوسع من غضبه.

حياة القلوب في رمضان تأتي من اللجوء للخالق عز وجل بالعبادات القلبية والعملية، تأتي من قراءتك للقرآن الكريم وتدبر آياته، وتلاوة القُرآن إذا لازمها الخشوع والتدبّر في ألفاظه ومعانيه, كانت وسيلة لتنوير القلب وإحيائه، انظر إلى حال الصالحين عندما يمر يوم على أحدهم لا يقرأ فيه ورده من القرآن فيأخذ بالبكاء، فيقال له ما يبكيك؟ قال: منعت جزئي أن أقرأه البارحة, وما هو إلا من ذنب أذنبته. يبكي لأنه مضت عليه ليلة لم يقم يصلي ويقرا القرآن فيها, بل إنه اتهم نفسه مسنداً ذلك إلى ذنب منعه الخير. فهل خصصنا نحن جزءاً نقرأه كل ليلة من أجل أن نحزن أو لا نحزن إذا فات؟!

إذا مضت الأوقات في غير طاعـةٍ/ ولم تك محزوناً فذا أعـظم الخـطبِ

علامة مـوت القلب أن لا ترى به/ حراكاً إلى التقوى وميلاً عن الذنبِ

اللهم اجعل رمضان حياة لقلوبنا، اللهم وفقنا لقيامه وصيامه إنك سميع الدعاء.