د. عقاب حسن الشدايدة

الاعتكاف في اللغة: لزوم الشيء، والعكوف عليه، قال تعالى: «يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَّهُمْ» يقال: عكف واعتكف: إذا لزم المكان.

وشرعاً: لزوم المسجد لعبادة الله تعالى.

قال بعضهم: الاعتكاف هو: قطع العلائق عن كلّ الخلائق للاتصال بخدمة الخالق.

ويجوز للإنسان أن يُبطل اعتكافه ويخرج منه بدون عذر، ولا إثم عليه، لأن الاعتكاف سُنّة، والسُّنة يجوز تركها، لكن الأفضل إتمامه إذا لم يكن هناك عذر لقطعه، تحصيلاً للفضيلة، وإظهاراً للرغبة في الطاعة.

وأما مكانه: فهو المسجد، وهو عام في كل مسجد، لقوله تعالى: (وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ) وهذا لفظ عام، فمن خصصه بمسجد معين فعليه أن يأتي بالدليل.

قال القرطبي ـ رحمه الله: «أجمع العلماء على أن الاعتكاف لا يكون إلا في المسجد، لقول الله تعالى: (وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ).

الاعتكاف من سُنن الأنبياء قال الله تعالى: (وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود).

عن عبد الله بن عمر ـ رضي الله عنهما ـ قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعتكف العشر الأواخر من رمضان. متفق عليه.

عن عائشة ـ رضي الله عنها ـ أنّ النبي صلى الله عليه وسلم كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله، ثم اعتكف أزواجه من بعده. متفق عليه.

قال الإمام الزهري ـ رحمه الله: (عجباً للمسلمين ! تركوا الاعتكاف، مع أنّ النبي صلى الله عليه وسلم ما تركه منذ قدم المدينة، حتى قبضه الله عز وجل).

قال عطاء بن أبي رباح ـ رحمه الله: (مثلُ المعتكف كرجل له حاجة إلى عظيم، فجلس على بابه، ويقول: لا أبرح حتى تقضي حاجتي، وكذلك المعتكف يجلس في بيت الله ويقول: (لا أبرح حتى يغفر لي).

أخرج الإمام أبو داود بسنده عن عائشة – رضي الله عنها – أنها قالت: (السُّنة على المعتكف ألا يعود مريضاً، ولا يشهد جنازة، ولا يمس امرأة، ولا يباشرها، ولا يخرج لحاجة إلا لما لا بُدَّ منه). (السنن /2472). * لقد أُمر المعتكِف باغتنام الأعمال الصالحة في هذه الأيام لعظيم فضل الاعتكاف والمكث في المساجد، فمن الخسران والخذلان أن يقطع العبد ليله في بيوت الله ساهراً على أحاديث ولقاءات لا تجدي نفعاً.

قال سفيان الثوري ـ رحمه الله: (أحبّ إليَّ اذا دخل العشر الأواخر أنْ يَتهجد بالليل، ويجتهد فيه، ويُنهض أهله وولده إلى الصلاة إنْ أطاقوا ذلك).

الاطفال والصيام

رمضان يربي الأطفال على الاتباع ومُوافَقة الشرع؛ حيث لا يفطر الصائم إلا إذا أَذِن له الشرع؛ وذلك بغروب الشمس، ولا يُمسك الصَّائم إلا إذا أَذِن له الشَّرع؛ وذلك بأذانِ الفجْر، كما يَمتنِع الصائم عن المباحات امتثالاً لأمْر الشرع، فيتربَّى الطفل على تتبُّع أوامره والتقيُّد بِها، وتنفيذها على حدود ما رسَمه لنا، ويعني هذا سلامة الأفعال من البِدَع والانْحِراف وضمان ذلك؛ فإنَّه من المتقرِّر أنَّ الله أكمل لنا الشرع من جَميع جوانبه وأحكامه وآدابه. ومن صام فإنه يتربى على حفظ اللسان عن فاحش الكلام، ومن حفِظ لسانَه سلِمتْ له أعماله؛ ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((إذا أصبح أحدُكُم صائمًا فلا يرفُثْ ولا يصخب)).

والرفَثُ والصخب: هو فاحشُ الكلام الذي لا يَليق بالمؤمن المتَّقي ربَّه سبحانه.

ففي رمضان يتعوّد الطفل على حفْظ الوقْت من الضياع، وهذا من مقاصد الشرع العظيمة، وفي رمضان يَحرِص الآباء على تعليم أبنائهم ضرورة استِغْلال وقتِه بالطَّاعات، ويحذِّر من الملهيات والمعاصي، وفي ذلك تربية له على اغتِنام عُمره بِما ينفعه عند الله، ولو كان حرصنا على أوقاتنا كما نكون في رمضان لتبدَّلتْ أحوالنا، والله المستعان.

ومن الضروري جدًّا أن يعرف الطفل أن أسمى فوائد الصيام تتعلق بزرع الشُّعور داخله بأهل الفَقْر والحاجة، ومعرِفة ما يُقاسونَه من ألَم الجوع وحرِّ العَطَش، فيكون ذلك مراعاة للإنفاق والعطف عليهم والالتفات لهم، وكذلك يربِّي رمضان في نفس الطفل الانتِصار بِمعناه العظيم، فيتعلَّم الانتِصار على شهوة الأكل والبطن، والفرج، ووسائلها من نظَرٍ وتَفكير، وهذا أوَّل خطوة في طريق الانتصار والمجاهدة.

وقد أجْمع أهل العلم على أنَّ الصِّبيانَ يُؤْمَرون بالصِّيام ليتعوَّدوا، وهذا تربية لَهم من وجهين:

تربية لهم على تعوُّد العبادة، وتربية لهم على حَمل المسؤولية، وأنَّ عليهم ما على الكبار، وأنَّهم جزء مِن المُجتمع.

احاديث نبوية شريفة

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: ((ما من يومٍ يُصبح العباد فيه إلَّا وملَكان ينزلان، فيقول أحدهما: اللهمَّ أعطِ منفقًا خلَفًا، ويقول الآخر: اللهمَّ أعطِ ممسِكًا تلَفًا))؛ متفق عليه.

عن زيد بن خالدٍ رضي الله عنه، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: ((مَن فطَّر صائمًا فله مثلُ أجرِه، من غير أن ينقص من أجر الصَّائم شيءٌ))؛ رواه الترمذي وابن ماجه.

عن ابن عباسٍ رضي الله عنهما قال: «كان النبيُّ صلى الله عليه وسلم أجودَ النَّاس، وكان أجود ما يكونُ في رمضان حين يَلقاه جبريلُ فيدارِسه القرآن، وكان جبريلُ يَلقاه في كلِّ ليلةٍ من رمضان فيُدارسُه القُرآن، فلَرسولُ الله صلى الله عليه وسلم حين يَلقاه جبريلُ أجودُ بالخير من الرِّيح المُرسَلة»؛ متفق عليه.

عن أبي هريرة رضي الله عنه، أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((من أحبَّ أن يُبسَط له في رِزقه، ويُنسَأ له في أثرِه؛ فَلْيصِل رَحِمه))؛ متفق عليه.

حديث معاذ قال: كنتُ مع النَّبي صلى الله عليه وسلم في سفَر فأصبحتُ يومًا قريبًا منه... إلى أن قال: ((ألا أدلُّك على أبواب الخير؟ الصَّوم جُنَّة والصَّدَقة تُطفئ الخطيئةَ كما يُطفئ الماءُ النَّارَ، وصلاة الرجل في جوف الليل))، ثمَّ قرأ: تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ (السجدة: 16)؛ رواه الترمذي.

عن ابن عمر رضي الله عنهما، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: ((لا حسَد إلَّا في اثنتين؛ رجل آتاه الله القُرآنَ فهو يتلُوه آناءَ الليل وآناء النَّهار، ورجل آتاه الله مالًا فهو يُنفقه آناء الليل وآناء النَّهار))؛ ابن حبان (3323)، تعليق الألباني: صحيح.