زكاة الفطر واجب وتطهير للصائم

أ. د. غسان الطالب

بعد الشكر لله تعالى على نعمه، وعلى توفيقه بإتمام صيام شهر رمضان وما يسر من قيامه، وفعل ما تيسر من الأعمال الصالحة فإننا نودع بعد بعد ايام ونحن ندخل في العشرة الاواخر من هذا الشهر الفضيل, بعد ان مررنا بمحطتي الرحمة والمغفرة وها نحن في المحطة الاخيرة وهي العتق من النار حيث يقال فية اوله رحمة واوسطه مغفرة واخره عتق من النار فنسأل الله ان يتقبل صيامنا وقيامنا ودعاءنا وان لا يجعله اخر عهد لنا به, فهو ايام معدودة, «أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ» سورة البقرة 184. ففي هذا الشهر وجب على المسلم ان يخرج زكاة الفطر او ما تسمى احيانا زكاة الابدان وتُخرج عادة مع انقضاء الشهر المبارك, وهي مفروضة على الاشخاص وليس على الاموال والممتلكات, والحكمة منها لتطهير نفوس الصائمين, فعن ابن عباس قال: «فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَكَاةَ الْفِطْرِ طُهْرَةً لِلصَّائِمِ مِنْ اللَّغْوِ وَالرَّفَثِ وَطُعْمَةً لِلْمَسَاكِينِ مَنْ أَدَّاهَا قَبْلَ الصَّلاةِ فَهِيَ زَكَاةٌ مَقْبُولَةٌ وَمَنْ أَدَّاهَا بَعْدَ الصَّلاةِ فَهِيَ صَدَقَةٌ مِنْ الصَّدَقَاتِ». رواه أبو داود. فهي طهرة للصائم ممن قد ارتكب من الذنوب، والمعاصي، واللغو والرفث في الكلام، والتعرض لاعراض الناس والسب والشتم, وكل ما قد يصدر من الصائم من مخالفات لاحكام الصيام، وفيها ايضا مساعدة للمساكين، والفقراء وإغنائهم عن السؤال وحتى تكون كذلك سببا لمشاركتهم بقية المسلمين لفرحة العيد, خاصة اذا كانت لديهم مسؤوليات عائلية واطفال ينتظرون العيد وما قد يحمل لهم من فرحة وبهجة, وفي قوله تعالى: «وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ» سورة المؤمنون60.

ولهذا تعتبر زكاة الفطر مسؤولية اجتماعية على كافة المسلمين تجاة بعضهم البعض, فهي تعبير عن مسؤوليتك تجاه نفسك ومن انت مكلف بالانفاق عليهم من أهل بيتك، او والديك ومن توجب عليك رعايته والانفاق عليه.

انها صورة من صور الاسلام الرائعة ذات المضمون الانساني, ودرس في المحبة والتكافل الاجتماعي بين افراد المجتمع, بحيث يشعر كل واحد منا بواجبه ومسؤوليته تجاه الآخر فيعطف فيه الغني على الفقير ويعطيه مما اعطاه الله وفي قوله تعالى: «وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ» سورة القصص 77.

ولنجعل من العشرة الاواخر من هذا الشهر الكريم ايام تواصل مع الخالق ونكثر فيها من العبادة وقراءة القرآن, ففيها ليلة القدر خير من الف شهر, ونعزز كذلك التواصل بيننا, غنينا وفقيرنا, نكثر من التصدق ونخرج زكاة فطرنا, لنتقاسم الفرحة باتمامنا صوم هذا الشهر, التي حدثنا عنها رسول الله صلى عليه وسلم: عن أبي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يَقُولُ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ يَفْرَحُهُمَا؛ إِذَا أَفْطَرَ فَرِحَ, وَإِذَا لَقِيَ رَبَّهُ فَرِحَ بِصَوْمِهِ» وامتثالنا لأمر الله عز وجل وطاعته في اتمام فريضة الصوم, «فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ» (البقرة , 185).

ليلة القدر

د. جلال مفلح الرحامنة

ترنو إليها قلوب العاشقين كلما تنسم عبير رمضان، وكلما اشتاقت الأنفس للجنان،تحاول ألا تظهر للعيان لحكمة من خالق الأكوان، كألف شهر تزهو بين الأزمان، نلتمسها شوقا ونتحراها حباً للواحد الديان، وضحاء بلجة، كأن بها قمر ساطع يجذب الأرواح والأبدان، آمنة مستقرة تخلو من الشيطان، أهلاً بك أيتها الزائرة في كل عام في ليالي الرحمة والرشدان، أهلا بك في شهر الصيام والقيام والغفران، خلق الله بك النور، وتتنزل فيك ملائكة النور حاملة مشاعل السكينة والاطمئنان، تمتاز عن الليالي بعدم وجود إشعاع حتى فترة الصباح والبيان، هدوء، سكينة، آمان، سبحان من فضلها على الليالي والأيام، فيها تتنزل الرحمات حتى مطلع الفجر «إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْر».

أهي في الواحد والعشرين أم الثالث والعشرين أم السابع والعشرين؟ سبحان من أخفاها عن عباده وجعلها متنقلة في أواخر رمضان، لا يدركها إلا الراجون لرحمة العزيز المنان، الراغبون بعيش الجنان، أنزل الله بها سورة من أعظم السور.

اللهم بلّغنا ليلة القدر آمنين مطمئنين، واحفظ اللهم بلاد العرب والمسلمين، وادم نعمة الأمن والآمان على بلادنا وبلاد المسلمين.

معلومة عن الصيام

السواك للصائم

السواك؛ سُنّة مؤكدة في الصيام وفي غيره، أمرنا الرسول صلى الله عليه وسلم به، ولولا المشقة لفرضه علينا؛ قال صلى الله عليه وسلم: «لولا أنْ أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة».

ولا حرج في أن تستاك أوّل النهار وآخره، وليس بمفسد للصيام ـ كما يظن بعض الناس ـ إذا استعمل آخر النهار. لكن إذا أدى التسوك إلى خروج الدم من اللثة؛ فيجب التحرز منه وعدم بلعه.

قال ابن عمر ب: (يستاك أوّل النهار وآخره، ولا يبلع ريقه). أخرجه البخاري.

وقال ابنُ سرين: (لا بأس بالسواك الرطب، قيل: له طعمٌ! قال: والماءُ له طعمٌ، وأنت تمضمض به). أخرجه البخاري.

الغسل والمضمضة

الغسل والتبرد والمضمضة للصائم مباحة؛ والنهي إنما جاء لمن بالغ في المضمضة والاستنشاق.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بالغ في المضمضة والاستنشاق؛ إلا أن تكون صائماً».

قال الحسن: (لا بأس بالمضمضة والتبرد للصائم). أخرجه البخاري.

فتوى

ما حكم زكاة الفطر، وهل يصح الصيام إذا لم أخرجها في موعدها؟

يُرجى العلم أنه سبق بيان حكم صدقة الفطر في القرار رقم (200)، وأنها صدقة واجبة بالأدلة الشرعية، بل إذا أخّر المسلم زكاة الفطر عن وقتها وهو ذاكر لها أثم وعليه التوبة إلى الله والقضاء؛ لأنها عبادة فلم تسقط بخروج الوقت، كالصلاة، ولكن يقع صيامه صحيحاً، وآخر وقتها غروب شمس يوم العيد، كما ذهب إليه جمهور الفقهاء.

قال الشيرازي رحمه الله: «المستحب أن تُخرج قبل صلاة العيد؛ لما روى ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم (أمر بزكاة الفطر أن تُخرج قبل خروج الناس إلى الصلاة) (متفق عليه)، ولا يجوز تأخيرها عن يومه لقوله صلى الله عليه وسلم: (أغنوهم عن «طواف» هذا اليوم) (رواه البيهقي في «السنن الكبرى» وضعف إسناده)، فإن أخره حتى خرج اليوم أثم وعليه القضاء؛ لأنه حق مالي وجب عليه، وتمكن من أدائه، فلا يسقط عنه بفوات الوقت» انتهى.

ويقول النووي رحمه الله: «اتفقت نصوص الشافعي والأصحاب على أن الأفضل أن يُخرجها يوم العيد قبل الخروج إلى صلاة العيد.

وأنه يجوز إخراجها في يوم العيد كله.

وأنه لا يجوز تأخيرها عن يوم العيد، وأنه لو أخرها عصى ولزمه قضاؤها، وسموا إخراجها بعد يوم العيد قضاءً» انتهى من «المجموع» (6/ 84).

دائرة الافتاء الاردنية

أحاديث نبوية (زكاة الفطر)

عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: «فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَكَاةَ الفِطْرِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ عَلَى العَبْدِ وَالحُرِّ، وَالذَّكَرِ وَالأُنْثَى، وَالصَّغِيرِ وَالكَبِيرِ مِنَ المُسْلِمِينَ، وَأَمَرَ بِهَا أَنْ تُؤَدَّى قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ إِلَى الصَّلاَةِ» صحيح بخاري

عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَضَ زَكَاةَ الْفِطْرِ مِنْ رَمَضَانَ عَلَى النَّاسِ، صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، عَلَى كُلِّ حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ، ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى، مِنَ الْمُسْلِمِينَ» صحيح مسلم

عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَضَ زَكَاةَ الْفِطْرِ مِنْ رَمَضَانَ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ حُرٍّ، أَوْ عَبْدٍ، أَوْ رَجُلٍ، أَوِ امْرَأَةٍ، صَغِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ» صحيح بخاري

عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: «كُنَّا نُخْرِجُ إِذْ كَانَ فِينَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَكَاةَ الْفِطْرِ، عَنْ كُلِّ صَغِيرٍ، وَكَبِيرٍ، حُرٍّ أَوْ مَمْلُوكٍ، صَاعًا مِنْ طَعَامٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ أَقِطٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ زَبِيبٍ» صحيح بخاري.

زكاة الفطر بين الصاع والدينار

د. عبدالله حمّاد العوايصة

يحتدم الجدلُ ويتأزّمُ الخلافُ في كلّ عامٍ حولَ كيفيّةِ إخراجِ زكاةِ الفِطْرِ بين من يرى وجوبَ إخراجها صاعًا من الطّعام ومَنْ يرى جواز إخراج قيمتها نقدًا، وعلّة الخلاف في ذلك مردُّهُ إلى كيفيّة فَهْمِ الأحاديثِ المتعلّقة بزكاةِ الفِطْرِ، ومن ذلك حديث النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم الّذي أورده الإمام البخاريّ ومسلم في صحيحيهما من حديثِ ابنِ عمرَ رضي اللّه عنهما قال: «فرضَ رسولُ اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم زكاةَ الفطر صاعًا من تمرٍ، أو صاعًا من شعيرٍ»، ومن ذلك أيضًا ما أخرجه البخاريُّ ومسلمُ في صحيحيهما من حديثِ أبي سعيدٍ الخدريّ رضي اللهّ عنه: «كُنّا نُخرجُ زكاة الفطر صاعًا من طعامٍ، أو صاعًا من شعيرٍ، أو صاعًا من تمرٍ، أو صاعًا من أقط، أو صاعًا من زبيب».

فالّذين تمسّكوا بظاهرِ هذه الأحاديث اقتصروا على وجوبِ إخراجها صاعًا من الطّعام ولا يُجزئُ عندهم إخراجُها نقدًا عملًا بمقتضى ظاهر هذه الأحاديث وهذا مذهب المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة.

وهناك فريقٌ آخر اجتهدوا في الحِكمةِ من هذه الزّكاة؛ حيثُ إنّها شُرِعَتْ طُهرةً للصّائم من اللّغو والرّفث وطُعمةُ للمساكين وإغنائهم عن مسألة النّاس يوم العيد وإدخالًا للسّرور والبهجة إليهم في هذا اليوم المبارك؛ فقالوا بجواز إخراجها نقدًا إذا اقتضت الحاجةُ ذلك، وهذا مذهب الحنفيّة ووجه في مذهب الشّافعيّ ورواية في مذهب الإمام أحمد واختار هذا الرأي شيخ الإسلام ابن تيميّة.

فما دامت المسألةُ محلَّ اجتهادٍ تبعًا لمصلحةِ كلّ زمانٍ وما تقتضيه الضّرورةُ والحاجةُ في كلّ عصرٍ فلماذا هذا التّعصّبُ والتّشدّدُ والتّضييقُ على النّاس في إلزامهم برأي دون رأي، ومادامَ أنَّ واقعَ النّاس اليوم بوجهٍ عامّ يشهدُ بحاجتهم الماسّة للمال أكثر من حاجتهم لأصنافِ الطّعام بل إنَّ بعض هذه الأصناف كالشّعير مثلًا لم يَعُدْ أحدٌ ينتفعُ به في طعامه، فمادام الأمرُ بهذه الصّورةِ لماذا يُحْرَمُ هؤلاءِ المحتاجونَ من الفَرَحِ والبهجة بيوم العيد ويُحرَمُ أبناؤهم من مظاهر السّرور المتمثّلة بلبس الملابس الجديدة وشراء بعض الألعاب الّتي تواري الحُزن والفاقة المتجذّرة في أعماق نفوسهم، على الأقلّ يتساوون يوم العيد في المظاهر مع بقيّة النّاس، ولا يشعرون بالحرمان.

هذا الدّين قائم على التّيسير ومراعاة مصالح العباد، وما شُرعت الأحكام إلّا لتنظيم حياة النّاس وبثِّ روح الأملِ في نفوسهم، وقد توسّط آياتِ الصّيامِ قولُهُ تعالى: «يريدُ اللّه بكم اليُسرَ ولا يُريدُ بكم العُسرَ». فلنجعلْ اليُسرَ يتغلّبُ على العُسرِ في تعاملنا مع هذا الدّين وفي الفتاوى الّتي نُخرجُها للنّاس ونُلزمهم بها؛ ذلك لأنّ اليُسرَ هو مرادُ اللّهِ ومقصوده في أحكام العبادات جميعِها.

حب الصيام عند الأوائل

د. عقاب حسن الشدايدة

قال الصحابي الجليل خيثمة: (كان يُعجبهم أنْ يَموت الرجل عند خيرٍ يعمله؛ إما حجّ، وإما عمرةٌ، وإما غزوة، وإما صيام رمضان).

من تأمل حال الصالحين رحمهم الله، وحبَّهم للصيام: سواء كان فرضاً أم نفلاً، صيفاً أم شتاءً؛ عجب غاية العجب لهذا الحب، وراعه هذا الحرص على الصيام، برغم العناء والتعب إلا أنهم يتلذَّذون غاية التلذّذ بهذا الصوم على ما فيه من جهد ـ كما ذكرنا ـ وإليك نماذج من صور هؤلاء الأئمة الأعلام، والأتقياء الأنقياء؛ نذكرها لنقتدي بهم ونتأسى بفعالهم؛ لعلّ ذلك يُحدث في أنفسنا همّة عالية ونشاطاً وافراً. والله الموفق.

حضرت عبدَ الرحمن بنَ الأسود : الوفاةُ، فبكى! فقيل له ؟ (أي: سئل عن سبب بكائه). فقال: أسفاً على الصلاة والصوم. ولم يزل يتلو (أي: القرآن) حتى مات. (السير/5/12). لسان حاله قول الشاعر:

أنا لله قد نذرتُ حياتي/ وسألتُ الله حُسن الثبات

لمَّا احتضر عامر بن قيس: بكى! فقيل: ما يبكيك؟! قال: ما أبكي جزعاً من الموت، ولا حرصاً على الدنيا، ولكن أبكي على ظمأ الهواجر، وقيام الليل. (السير/4/19).

يا صائماً ترك الطعامَ تعـفـفاً أضحى رفـيق الجوع واللأواء

أبشر بعيدك في القيامة رحمـة محـفوفـة بالـبرِّ والأنـداء

قال ابن عدي: صام داود بن أبي هند أربعين سَنة لا يعلم به أهله!! وكان خرَّازًا يحملُ معه غداءه من عندهم؛ فيتصدق به في الطريق، ويرجع عِشاءً فيفطر معهم! (التذكرة الحمدونية:199).

قال معتمر: قال أبي: إني لأحسب أنّ أبا عثمان النهدي وكان لا يصيب دنياً؛ كان ليله قائماً، ونهاره صائماً، وإنْ كان ليصلي حتى يغشى عليه. (السير/4/677).

قيل للأحنف بن قيس: إنك كبير والصوم يُضعفك؟! قال: إني أعدّه لسفر طويل. (السير/4/91).

قال يزيد بن الأسود: قلتُ لقومي: اكـتبوني في الغزو.

قالوا: لقد كبرتَ! قال: سبحان الله! اكتبوني؛ فأين سوادي في المسلمين؟! قالوا: أما إذ فعلت، فأفطر وتقوّ على العدو. قال: ما كنتُ أراني أبقى حتى أعاتبَ في نفسي. والله! لا أشبعها من الطعام، ولا أوطئها من منام حتى تلحق بالله. (السير/4/136).

قال يزيد بن هارون: مات خالد بن معدان وهو صائم!! (السير/4/540).

مات: وهو صائم ويبعث يوم القيامة وهو صائم؛ لأنّ الرسول صلى الله عليه وسلم قال: «من مات على شيء بعث عليه».

أما ابنُ أبي مريم الغساني: فإنه لم يفطر مع أنه كان في النَزع الأخير، وظلّ صائماً فقال له من حولَه: لو جرعت جرعة ماء، فقال بيده لا، فلمّا دخل المغرب قال: أذّن، قالوا: نعم، فقطروا في فمه قطرة ماء، ثم مات.

كانت نفيسة بنت الحسن صائمة؛ فحضرتها الوفاة؛ فألحّ عليه من كان أن تفطر فقالت: واعجباه!! أنا منذ ثلاثين سَنة أسأل الله تعالى أن ألقاه صائمة أأفطر الآن؟! هذا لا يكون، وخرجت من الدنيا وقد انتهت من قراءتها إلى قوله تعالى: (قل لمن ما في السموات والأرض قل لله كَتَبَ على نفسه الرحمة). ومن هنا كان الأوائل مثالا للصبر على مشاق الصيام, فأين نحن منهم.