الفتنة نائمة واللعنة على من يوقظها، والشعب الاردني وحكومته ونوابه ونقاباته ومؤسساته كافة المدنية والرسمية مطلوبٌ منهم تدارك الفتنة ووأدها في مهدها، فنحن لسنا الاخوة الأعداء ولا يجب ان نقول ان هذه الأطراف باتت في خنادق متباعدة او في مواجهة بعضها بعضاً، كل طرف يجتهد وفق رؤيته، وآن ان يجلسوا على طاولة الحوار للحديث عن موضوع واحد مصلحة الاردن وشعبه فوق كل اعتبار مهما كانت التحديات ومهما كانت الظروف.

والشعب الاردني بأطيافه كافة لديه طاقة تحمل غير عادية، ويمتلك وعياً عالياً لكل التحديات المحدقة بوطنه، وهو لا يعرف الهوى ولا يغامر وحتى في اللحظات الحاسمة يحسب بدقة ووعي لمستقبله ومستقبل أولاده، ولا ينساق خلف الشعارات البراقة مهما كانت ومن اي مصدر جاءت؛ غير أنه يرفض الكذب والنفاق والمداهنة والمهانة والذل والاستكانة، والأردني أكان كبيراً أم صغيراً تربى على اخلاق الرجال الرجال، وشيمه تأبى الخنوع، وتقوم على الكرم والإيثار ونصرة المظلوم، وهذه الصفات يحب ان تكون حاضرة في الاذهان عند اي حوار او قرار؛ لأن الزمن والتاريخ لا يرحم، ولا يقبل قلب الوقائع والحقائق مهما تقادم الزمان وتغير المحال.

اما الحكومة فمهمتها في هذه الظروف صعبة وقاسية، ولم تترك باباً الا طرقته، ولا طريقاً الا سلكته، ولم تدخر جهداً في تنفيذ سياستها سواء أكانت ايجابية أم سلبية؛ غير انها لم تقرأ بعمق آثار قرار رفع أسعار المحروقات في لحظات احتقان الشارع، وهو أمر خطير وكان الاجدر ان تتحمل الخسارة مهما بلغت، وان تتريث حتى تتجاوز ظروف الاحتقان والفتنة لكي لا تقع في المحذور، والقرار بحد ذاته يمثل لحظة سانحة وشرارة للمتربصين باستقرارنا وأمننا وحياتنا، ولذلك جاء قرار الملك واستجابته السريعة بإلغاء القرار في مكانه وزمانه وفوت الفرصة على الانتهازيين واصحاب الاجندة الحاقدة.

إن الظروف التي تحيط بِنَا تحتاج الحكمة والحوار وعدم التمسك بآراء وقرارات لا تثير غير الشك والريبة، يجب فتح قنوات الحوار والتواصل بين الأطراف كافة لبناء الثقة ونزع فتيل الازمة والفتنة، خاصة ان المتربصين والمتأمرين يأسسون لهذه اللحظة التي تنطلق منها شرارة الفتنة، وكلنا يذكر المندسين الذين أطلقوا النار في بدايات الثورة السورية في درعا وانتهت الى دمار سوريا وتهجير شعبها، اخوتي وأهلي وعزوتي ابناء وبنات الاردن على اختلاف مشاربهم وأماكن تواجدكم لنفوت الفرصة على المندسين والحاقدين والمنافقين، ونترك لاصحاب الرأي والحكمة ان يتحركوا لحلحلة المشهد، ولكي يتحرك قائد الوطن بثورته البيضاء على مواطن الفساد والمفسدين حتى يتجاوز الوطن لحظات الشد العكسي والتحديات المحدقة وبالتالي نحطم معه رؤوس الفتنة والفساد مهما كانت كبيرة واينما اختبأت، ولنتذكر كلام الملك قبل اشهر عدة حين خاطب طلبة الجامعة الاردنية بقوله “إذا أردتم التغيير والاصلاح فارفعوا صوتكم ولا تصمتوا واضغطوا على السياسيين والنواب والمسؤولين، فعليهم أن يتعلموا منكم.”. والمقصود الحوار والاعتراض السلمي وعدم الاساءة للوطن ومقدراته، هكذا كانت الرسالة، وللاسف لم يفهما كثيرون، ولم يستوعب هؤلاء دروس الملك ولا اوراقه النقاشية، ولم يتمثلوا اخلاقه ورسائله، ولم يعرفوا او يدركوا ذلك العقد الفريد الذي يربط الملك بشعبه، ولذلك على الحكومة ان تقرأ رسائل الملك بعناية ودقة، وان تعاين رسائل الشارع برعاية وعمق شديدين كي تعرف ان ادارة دفة الازمة تتم بروية وسياسة حكيمة ودون تصريحات استفزازية، ودون الركون لمقالات تدافع عن سياسات بلا روح أو مسؤولية مجتمعية، خاصةً ان بعض من يكتبون في اتجاه عقارب الحكومة لم يتعلموا انّ شرط الكتابة الاقناع والموضوعية والحجج المقنعة، وهذه شروط لا تتوافر في كتاباتهم، ولذلك تأتي منزوعة الدسم، ويكون دورها كمن يَصْب الزيت على النار.

اقول إن الأزمات لا تقاد بالسياسات الهمجية والشعارات المزيفة والمثيرة للفتنة؛ وإنما بالثقة والحوار والعقلانية والموضوعية والحرص الحقيقي على حياة الناس وظروفهم المعيشية، واقول كما يقول كل عقلاء الوطن: الحذر كل الحذر من اشعال نيران الفتنة، الحذر الحذر فقد شاهدنا فصولها في العراق وسوريا واليمن وليبيا، ونحن يجب ان نمضي الى طاولة الحوار لنزع فتيل الفتنة بقلب رجل واحد، بعيدا عن تلك الأفكار التي تقول إن الحكومة لا تقبل التنازلات او الحلول الوسط، واقول:إن العاقل هو من يقرأ رسائل الملك، ويعرف ان التراجع عن الخطأ فضيلة، وان التمادي في الباطل رذيلة، فما اجمل الحق وابلجه، وصدق رسولنا الكريم محمد صلى الله عليه وسلم حين قال «كل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون»، ولنتذكر قول عمر بن الخطاب؛«حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا»، والكبار كبارٌ في عقولهم وآرائهم، ودائما ما يحملهم تواضعهم على قبول الرأي الآخر، فتجدهم يتراجعون عن اخطائهم، وليكن شعارهم زراعة الثقة بالحب والعطاء، والصغار ضعاف النفوس هم الشرر المستطير يبحثون عن الفتنة والسوء والباطل، ولنتقي الله في وطننا ومجتمعنا ولنفوت الفرصة على المتربصين بِنَا وباسقرارنا.

وبعد ها هي الأخبار كقطع الليل المتناثرة، لا تعرف صوابها من عدمه،ومنها ما تتناقله المواقع الاخبارية من أن الحكومة ترغب بسحب القانون؛ فهل سحب قانون الضريبة ينزع فتيل الازمة؟ وهل هذا يكفي لهبة ليلة السابع عشر من رمضان؟ إن ما شاهدناه من احتجاجات بهذا الكم والسرعة وفي جميع محافظات المملكة يستحق القراءة وبعمق شديد؛ لأنه أمرٌ جدُّ خطير، ويجب ان ينظر اليه من جوانبه كافة، ولا يكفي ان نقول إنها لحظات عاطفية ومضت، او انها حالة احتقان وعدّت، وإنما حالة غير مسبوقة تثير أسئلة عميقة لمفاصل الدولة العميقة نفسها، فأين كانت مؤسسات الدولة وأجهزتها كلها عن هذا الجمر المتقد تحت الرماد، وعن هذا الحراك السريع الذي انتشر بسرعة البرق في ارجاء الدولة الاردنية؟ ألم تقرأ الحكومة نبض شوارعها؟ ألم ترصد اجهزتها حالة الناس وظروفهم المعيشية القاسية؟ ألم تحسب أثر وسائل التواصل الاجتماعي وتقرأ ما كان يكتب فيها من أسابيع وأيام؟ هذه ليست زوبعة في فنجان، انها حقائق على الارض يجب ان تُناقش بعمق ومسؤولية، ويجب ان يحاسب من يستهتر بقوت الناس، وان يوضع حدّ لمبذري المال العام مهما علت درجاتهم ومهما تذرعوا؛ لأن ما جرى في الليالي السابقة جرس إنذار خطير، ويحتاج الى وقفة عاجلة، والى تغيير شامل يطال كل الاسباب الموجبة لهذه الهبة التي قد تأخذنا الى المجهول، تغيير في الوجوه ولغة الخطاب بحيث لا تتكرر الأخطاء، تغيير يريح نبض الشوارع وناسها، تغيير ينزع فتيل الازمة وينهي حراكهم ومطالبهم، وما احوجنا الى تكاتف الجميع لتحمل المسؤولية مع قائد الوطن لتجاوز بحر التحديات والمؤامرة التي ترغب الفتك بوطننا وشعبنا ومؤسساتنا واستقرارنا، وما احوجنا الى ردم الفجوة بين الحكومة والشعب ومؤسساته المدنية، وما احوجنا جميعا الى ثقة متبادلة نبني فيها قواعد الحوار الديمقراطي العقلاني لإعادة البوصلة لإصلاحات سياسية جادة يأخذ فيها كل طرف موقعه الحقيقي بحيث لا يشعر اي طرف بالتغول على الاخر، ما احوجنا الى قانون انتخابٍ عصري، ما احوجنا الى سياسة الشفافية والمحاسبة والتقشف الحقيقي ومحاسبة الفاسدين والمعتدين على المال العام، ما احوجنا الى الصراحة والمكاشفة وان نقول للمخطئ اخطأت وللمصيب أحسنت، ما احوجنا الى طرد الفساد وتبيض صفحات الوطن من العثرات، ما احوجنا الى الصادقين والبناة الحقيقيين الذين يؤثرون وطنهم على انفسهم، ما احوجنا ان نبدأ صفحة جديدة بيضاء نحاسب بعد تاريخها المحدد كل معتدٍ أثيم على المال العام، ما احوجنا الى دائرة تتسع لكل ابناء الوطن تخرج من عباءات التنظير والأسماء المكررة التي لم يعد لها بريق يذكر، وما احوجنا الى بَعضُنَا بعضا نبني يدا بيد نرص الصفوف ونقف سداً منيعاً في وجه التحديات والمؤامرات التي تطل برؤوسها للفتك باستقرار هذا البلد وشعبه الاردني العربي الأبي.

mohamadq2002@yahoo.com