للأسف، في كل مرة تقع فيها المشاكل والأزمات في الشارع ننسى دور الشباب،ويغيب عنصر التدقيق بأطراف المشكلة ومحركاتها،وعدم الإتجاه الفوري الى جوهر القضية لتفكيك قنبلتها وحلها ، وهذا كالعادة ما رأيناه خلال الإسبوع الماضي حتى فجر أمس السبت، حيث عمت محافظات المملكة الإحتجاجات على قانون الضريبة الجديد والذي قادته النقابات هذه المرة، واندلعت أعمال عنف وهتافات مسيئة بين أوساط المحتجين السلميين،وانتهت بإغلاق طرق رئيسة وحيوية إحتجاجا على قرار الحكومة الخميس تطبيق التعرفة الشهرية برفع أسعار الوقود، بدل تخفيضه وامتصاص غضب الشارع، والذي غاب هنا من تدقيق، إن الغالبية العظمى ممن خرجوا للإحتجاجات هم من الشباب والخريجين دون الثلاثين.

أين الرعاية التي تحدثنا عنها كثيرا وكثيرا ولن يفهمها أي مسؤول تجاوز عمره الستين عاما، بل إن من يسمون أنفسهم كبار العائلات ومخاتير الحارات،ومن قبلهم ومن خلفهم وحتى نصل الى رؤساء الوزارات لا يرون في أبناء العشرين أي قيمة مضافة يمكنها تحقيق منجزات سياسية واقتصادية قد تستطيع تغيير نهج الدولة بالكامل وتحقيق قفزة عالية لنتجاوز هذا السور العالي للسجن الإقتصادي الذي يرزح وراءه أكثر من ثلاثة أرباع الشعب الأردني.

الشباب يشكلون اليوم الغالبية من عدد السكان، وليس أمام الخريجين من الجامعات سوى الإنتظار على أول محطة من سكة سفر هذا العالم العربي المتهالك، وهذا ما ملأهم بالإحباط، والإنطوائية السياسية والكفرّ الإقتصادي،بل لم يعودوا يعرفون م ن هم أعضاء الحكومة سوى رئيسها، ولهذا رأيناهم في جميع الحراكات والإعتصامات والمظاهرات يشكلون العنصر الأقوى والأنشط والجريء جدا وفي بعض الحالات الضيقة هو الأعنف كما رأينا أول البارحة، بينما يستغل العجائز،من الأحزاب والتنظيمات وجماعة الغايات والمآرب، يستغلون عنفوان الشباب ودماءهم الحارة ليدفعون بهم الى المواجهة ، ويحتمون بهم لتحقيق غاياتهم، وليتها سياسية واقتصادية على مستوى الوطن، بل مصالح شخصية وبنفس دنيئة لخداع المواطنين بإسم المعارضة أو الإحتجاج والرفض.

لا شك أن الإحتجاج والتظاهر هو من حقوق المواطنين، وما يحدث اليوم من إختناق إقتصادي وجمود سياسي و تخلٍ خارجي عن نجدة الحكومة الأردنية، كان متوقعا منذ سنوات، ولو رجعت لقراءة ما كتبناه قبل عشر سنوات وأكثر، سأكتشف خارطة هذا اليوم منذاك اليوم، والسبب أنه لم يتغير شيء حقيقي في عقلية إدارة أزمات الدولة المالية ولا التحفيز الإقتصادي ولا الشراكات مع الدول التي تنقل خبراتها لأصدقائها، بل نحن أبقينا على تحالفاتنا منذ عصر صدر الدولة الأردنية وبقينا كدولاب الناعورة يدور في مكانه وتحركه المياه التي تصله من النهر، فإن إنقطعت توقفت العجلة، واليوم أخشى أن نفقد العجلة بسبب العجلة، عجلة سلق القوانين و محاولة التخليص عليها وكأنها شحنة أدوية ينتظرها مرضى يخشون الموت.

إذا أردنا حل البدء بحل مشاكلنا، علينا أن نعود حيث بدأنا، ونعيد التفكير مجددا،لنسأل أنفسنا: أين أخطأنا وأين أصبنا ؟، وهذا بالمناسبة هو العنوان الرئيس للتقرير السنوي لمركز الدراسات في صحيفة الرأي، وهو أحد أهم التقارير المجردة التي تنقل آراء جميع الشرائح السياسية والإعلامية وتقدمها للمعنيين في الدولة ، وهنا أتذكر دور الإعلام المسؤول والجاد والصادق الذي لم يعد أحد يحبه خصوصا في الحكومات، حيث تركنا الناس يستقون المعلومات والإشاعات والآكاذيب من مواقع وتطبيقات التواصل الإلكترونية ، لغياب المعلومة الرسمية من مصدرها وبلا أدنى إكتراث.

في زمن الجنون يبحث الناس عن العقل، و العثور عليه هذه الأيام ليس صعبا، بل هو قريب جدا، يتدحرج بين أروقة المسؤولين ويقفز أمامهم، ويقف معهم على الإشارات الضوئية في الشوارع عشرات المرات، ولكن لا أحد يريد أن يتعامل مع «المنطق»، فالعقل بلا منطق ليس عقلا فاعلا، لهذا يجب على الحكومة والرئيس الإستتابة والتحدث بكل أريحية وبكل طرافة مع الشباب الذين يجوبون الشوارع بالإحتجاجات لا من تدعونهم الى الطاولات،ومشاركتهم أفكارا قد تدلكم على تطبيق جديد مثل «واتساب» قد يحقق صفقة قيمتها عشرين مليار دولار وهو ثمن شراء «فيسبوك» له، دون حاجتهم الى رفع أسعار الوقود،ولا تطبيقات ضريبية جديدة.

إذا أردتم الحل، فتخلصوا من أصحاب الوظائف المزدوجة في المناصب الرسمية والمؤسسات والجامعات والتي تكلف عشرات الملايين، ونفذوا فيها مشاريع للشباب، فهم الوقود الذي يشغل محركات الشارع و ليس المحرضون أصحاب المآرب.

Royal430@hotmail.com