كايد هاشم

ليس الغموض الذي تخلَّل مراحل سيرة الأديب الأردني المُهاجر عقيل أبو الشعر (1890- ؟)، أو «آشيل نمر» كما تَسمّى بعد هجرته ووقَّع أعماله في ما بعد، هو وحدهُ الذي جعل النظر في الأخبار المتفرقة لهذه السيرة ومحاولة اكتشاف المزيد من أبعادها سبباً في البحث عن أجزائها الغائبة، ومن ثم محاولة استكمال تلك اللوحة الفسيفسائية التي تروي قصة حياة غنيّة بالتفاصيل والكتابات والتآليف والأمكنة، دارت أحداثها بين بلدة «الحصن» في شمالي الأردن و»سانتو دومينغو» عاصمة جمهورية الدومينكان بمنطقة الكاريبي في أقاصي الغرب، وبينهما تبرز القدس وروما حيث تعلَّم عقيل وتلقى دراسة لاهوتية كان من المنتظَر أن تؤهله لأن يصبح كاهناً، كما حاز درجة الدكتوراه في الفلسفة والموسيقى من إيطاليا، لكنه اتجه إلى التأليف الروائي والتاريخي والترجمة والتعريب، وعمل مراسلاً صحافياً لصحف غربية، وكذلك اتجه إلى التأليف الموسيقي وتعليم الموسيقى، وأجاد ثماني لغات أجنبية (اللاتينية، والفرنسية، والإسبانية، والإيطالية، والتركية، والروسية، والإنجليزية، واليونانية).

ثم تبرُز في سيرته مدينتا مرسيليا وباريس حيث أقام عاملاً في ميدان الحركة العربية من خلال «الجمعية العربية الفتاة» ولجنة اسمها «لجنة مناصرة فلسطين»، بعد أن جاء فرنسا مُطارَداً من قِبل السلطة العثمانية على إثر نشر روايته الأولى «الفتاة الأرمنية في قصر يلدز» في باريس سنة 1912 باللغة العربية. وفي باريس أيضاً نشر كتابه «العرب تحت النير التركي» في ثلاثة أجزاء بالفرنسية سنة 1917، وروايته «القدس حرّة، نهلة غصن الزيتون» بالإسبانية سنة 1921. وفي مرسيليا التي نشر فيها رواية «الانتقام» بالفرنسية سنة 1935، أصبح قنصلاً لجمهورية الدومينكان بعد أن عاد إلى فرنسا عودةً مؤقتة من ديار هجرته حيث كان رئيساً للمجلس البلدي ومحافظاً لـ «سانتو دومينغو»، عاصمة تلك الجمهورية. وفيها نشر روايته «إرادة الله» بالإسبانية سنة 1917، وأصبح بعد ذلك وزيراً لخارجية الدومينكان، وهو آخر منصب تولّاه قبل أن تنقطع أخباره عن ذويه في وطنه الأول.

لا شك أن هذه السيرة، التي تكشَّفت منها معالم مفصلية -بفضل الجهود التي بذلتها د.هند أبو الشعر ووزارة الثقافة الأردنية بمعاونة مترجِمي ما تم العثور عليه من أعماله: د.عدنان كاظم ود.وائل الربضي، وما تزال معالم أخرى منها وراء الضباب- هي سيرة ذات أبعاد اجتماعية وفكرية وسياسية شديدة الارتباط بمرحلتها التاريخية محلياً وعربياً، حتى كأنها أشبه في بعض الجوانب بأسطورةٍ مُثيرة، وإنْ كان التأمل والتعمّق في دراستها يقود إلى الإدهاش من واقع تاريخي ووقائع قد يبدو بعضُها خارج التوقع وأحياناً أغرب من الخيال.

لا يُستبعَد أن كلّ مَنْ بحث عن عقيل أبو الشعر في سيرتهِ وأدبهِ انتابهُ شيءٌ كثير من مشاعر الدهشة والإعجاب، وأكثر منها مشاعر الحيرة والتساؤل عن مصير الرجل ومصير الباقي من آثاره ومؤلفاته؛ حتى بعد أن تم العثور على بعضها، وأسباب هذا الغياب لاسمه وذِكر آثاره في الكتابات والكتب والمراجع التي أرّخت للأدب العربي في بلدان المهاجر، ومنها كتاب الأديب والشاعر المهجري جورج صيدح «أدبنا وأدباؤنا في المهاجر الأميركية» (1956)، أو تلك التي عُنيت بالتأريخ لأعلام الأردن وأدبائه، باستثناء صاحب الفضل الأول في التنبيه إليه مبكراً، يعقوب العودات الملقب بـ»البدوي الملثم» (1909-1971)، في كتابه «القافلة المنسية» المطبوع في القدس سنة 1941. ولولا فطنة العودات تلك ربما مرت الأعوام وانطوى اسم عقيل إلى زمانٍ لا يعلمه إلَّا الله، أو ربما كان الزمان سيطول أكثر ليتسنى اكتشافه من جديد واستعادته فكراً وآثاراً.

لكن حتى العودات الذي وضع كتاب «القافلة المنسية» لينصف المنسيّين من الأوائل والنوابغ الأردنيين والمنسوبين للأردن في العصور الخوالي، وكتب في هذا الكتاب ترجمةً قصيرة لحياة عقيل استمدّها من مرويات ابن شقيق عقيل، المحامي نجيب أبو الشعر عن عمه، وبأسلوب يستشعرُ منه القارئ فيض الإعجاب الذي يملأ نفس الكاتب بصاحب الترجمة، وبدقّة مشهود لها في إيراد المعلومات – كما أكدت ذلك د.هند أبو الشعر التي دققت المرويات العائلية ووثقتها وقيّمتها-... حتى صاحب الفضل في كتابة تلك الترجمة الأولى، أي العودات، صَمَتَ عن اسم عقيل أو الإشارة إليه يوم وضعَ كتابه الموسوعي «الناطقون بالضاد في أميركا الجنوبية» في مجلدَين كبيرين، بعد أن ارتحل رحلته المعروفة إلى المهاجر العربية الكبرى في جمهوريات أميركا الجنوبية (البرازيل، تشيلي، الأرجنتين) بين عامي 1950 و1952، وكتب في تأريخه للهجرة العربية إلى العالم الجديد فصلاً عن بدايات هجرات الأردنيين والفلسطينيين إلى هذه المناطق منذ أواخر القرن التاسع عشر. لكنه لم يأتِ على ذكر الهجرة أو المهاجرين العرب إلى جمهورية الدومينكان، واكتفى بما جمعه من معلومات عن العرب في الدول الثلاث المذكورة التي أقام فيها مدّة الرحلة، وفي أحيان قليلة جداً كان يشير إلى مناطق أخرى في أميركا الجنوبية ومهاجرين قدموا إليها من بلاد الشام.

ولم تزد معلومات الأدباء الرواد في الأردن عن عقيل أبو الشعر -ومنهم روكس العُزيزي وعيسى الناعوري وناصر الدين الأسد وغيرهم من جيلهم ومن الأجيال التي أتت بعدهم- عما ورد في «القافلة المنسية». والعودات كما تكشف آثاره المطبوعة والمخطوطة، بحاثة متمكّن ومغامر، لا يتوانى عن السعي وراء مصادر المعلومات التي يهتم بجمعها لأغراض التأليف مهما تباعدت الأمكنة، وموسوعته المهجرية تلك ورحلاته في بلاد الشتات لوضع موسوعته الثانية «من أعلام الفكر والأدب في فلسطين»، ورحلات له أخرى كثيرة لم يجمعها وظلت الإشارات إليها متفرقةً في كتاباته، خيرُ دليل على ذلك. ولو تسنى له الوصول إلى «سانتو دمينغو» لكان من المؤكد أن يحاول البحث عن معلومات جديدة حول مواطنه الأردني عقيل أبو الشعر، كما فعل في طريق عودته من البرازيل عندما زار إسبانيا والأندلس وذهب إلى مدينة برشلونه في ربيع 1952 وأقام فيها أياماً يبحث عن المنزل الذي سكنه أحمد شوقي سنوات نفيه الثلاث في إسبانيا خلال الحرب العالمية الأولى، فزار دار المجلس البلدي وقسم الإحصاء في المدينة والضاحية التي كان فيها المنزل، لكنه لم يفز بطائل.

وبمناسبة ذِكر هجرات الأردنيين، الفردية والجماعية، إلى الأميركيتين الشمالية والجنوبية في ذلك الزمان، يُلاحَظ في بعض المصادر التي تحدثت عن هجرات السوريين عموماً، أن هذه الهجرات كانت أكثر نشاطاً، وإلى حدٍّ ما، خلال السنوات التي تلت إعلان الدستور العثماني عام 1908، ولا سيما بين عامَي 1911 و1913. وأدى انقطاع المواصلات مع نشوب الحرب العالمية الأولى (1914) إلى توقف المهاجرة لتُستأنف مرةً أخرى بنشاط ملموس مع حلول سنة 1920.

جاءت بواكير الهجرات الأردنية انعكاساً لأوضاع معيشية متردّية في أواخر العهد العثماني وخلال الحرب العالمية الأولى، ونتيجة لأوضاع سياسية قلقة، أي أنها خِيارٌ اضطراريّ في المحصلة، وكانت الأسباب السياسية والشعور القومي والدوافع والمواقف الفكرية من الظلم والاستبداد، حاضرة أيضاً وبقوة في فكر المثقفين المتنورين الأوائل ممن هاجروا إلى العالم الجديد، وأمامنا نموذج المهاجر «الحاضر بعد غياب طويل» عقيل أبو الشعر، والمهاجر العائد من أميركا الشمالية محمد بطاح المحيسن (1888-1942)، مع بعض الاختلافات في التفاصيل من جهة، وبعض التشابه أيضاً من جهة أخرى.

لكن يظلّ عقيل حالة مبكِّرة ومتفردة بحدّ ذاتها وعلى مستوىً عالٍ من الوعي الفكري لقضايا بني قومه، ويمثلُ بأعماله الأدبية نوعاً من المقاومة الثقافية المستندة إلى الحسّ الوطني وتأكيد الشخصية القومية، فضلاً عن الثقافة والاطلاع والخبرة في الاتصال بالعالم الخارجي، وهي حالة غير منفصلة عن تيار الوعي في المشرق العربي في غضون مرحلة تاريخية مفصلية وحساسة، تجذَّرت في بدايات تبلور الشعور القومي أواخر القرن التاسع عشر، وانبعاث الحركة العربية عقب إعلان الدستور العثماني 1908، ومن ثم انطلاق ثورة العرب الكبرى وتبلور الطموحات العربية والآمال بالحرية والوحدة الاستقلال، وما أعقب ذلك من تطورات في مواجهة القوى الكبرى المهيمنة.

وهي أيضاً حالة ممتدّة ومتصلة بالحالة العامة والحركة الفكرية في بلاد الشام حينذاك، وتحملُ دلالات ومؤشرات واضحة على أن المجتمع الأردني ومتعلِّميه ومثقفيه لم يكونوا قبل تأسيس الدولة الأردنية (1921) بمعزلٍ عمّا يحيط بهم من تحولات في وضع المنطقة والوضع الدولي في ذلك الحين. وقد تحمّل أبناء هذا المجتمع نتيجة ذلك نصيبهم من المعاناة في نهايات العهد العثماني والحرب العالمية الأولى، وبأشكال مختلفة من الحرمان والتضييق عليهم في العيش والأحكام الجائرة وعدم الاستقرار والمطاردات والنفي والاغتراب إلى أقاصي الأرض.

لم يُتوَصَّل بعد إلى معلومات مفصَّلة عن عمل عقيل مع شباب العرب في باريس في خدمة آمال النهوض العربي من خلال «الجمعية العربية الفتاة» التي تأسست في باريس سنة 1909، والتي ذكر العودات أن عقيل كان أميناً لسرّها، وقد حافظت هذه الجمعية على سريّتها حتى تأسيس الحكومة العربية في دمشق (1918)، أو مشاركة عقيل في مؤتمر الصلح في فرساي ومقابلة الأمير فيصل آنئذٍ (شباط 1919)، أو عمله في «لجنة مناصرة فلسطين» في باريس أيضاً المذكورة بهذا الاسم على غلاف روايته «القدس حرّة»، إلَّا أن إشارات مضمون هذه الرواية المطبوعة في باريس سنة 1921، تدلّ على أن عقيل كان من رواد الوعي بأخطار الصهيونية على فلسطين، أي الوعي الذي ساهم في بلورة ملامحه ابن بلدة «عين عنوب» العربي اللبناني نجيب نصّار (1865-1948) الملقَّب بشيخ الصحافة الفلسطينية وصاحب جريدة «الكرمل» (تأسست في حيفا سنة 1908)، التي تعدُّ منبر التنبيه على الخطر الصهيوني والتحذير من نوايا الصهاينة وأهدافهم الاستيطانية في فلسطين في تلك المرحلة المبكرة. ونصّار هو مؤلِّف أول كتاب صدر بالعربية في القرن العشرين (1911) بعنوان «الصهيونية: ملخص تاريخها وغايتها وامتدادها حتى سنة 1905»، وقد توفرت لكاتب هذه السطور أطراف خيوط يمكن متابعتها في دراسة الصلة بين نجيب نصّار وعقيل أبو الشعر، ولا سيما أن نجيب كان وثيق الصلة بآل «أبو الشعر» كما يظهر من بعض فصول روايته الموسومة بـ «مفلح الغساني»، وقد نزل في دارهم ببلدة الحصن في أثناء الحرب العالمية الأولى ضيفاً ولاجئاً عندما تخفّى وقدم إلى شرقي الأردن متوارياً عن أنظار السلطة العثمانية، التي لاحقته بعد أن اشتدَّت عليه خطوب المؤامرة والوشايات، بسبب الموقف المعارض الذي اتخذه من سياساتها المجحفة بحقوق العرب، ومن الحلف العثماني الألماني الذي زجَّ بالدولة العثمانية في أتون الحرب العالمية الأولى.

ولعل «لجنة مناصرة فلسطين» في باريس هي صورة من صور الاستجابة لدعوة نصّار سنة 1920 إلى تأسيس مكاتب للدعاية في عواصم أوروبا فضحاً لنوايا الصهيونية وإقناعاً للساسة المسؤولين بأن صداقة العرب خير لهم وأبقى، كما ذكر يعقوب العودات في كتابه «من أعلام الفكر والأدب في فلسطين».

لا يحول عدم اكتمال أجزاء سيرة عقيل أبو الشعر، أو عدم العثور على أعمال أخرى له يُقَدَّر أنها تنطوي على المزيد من القيمة الأدبية والفكرية، دون النظر إليها جميعاً، حالياً ومستقبلاً، على أنها ليست مجرد مراحل تتباعد معها الأوليات عن النهايات، فحياة عقيل في جانبها الفكري وتطوره مترابطة ومتّسقة، مما يدلّ على أنه صدر في مواقفه عن مبادئ وقناعات راسخة، رسمت انعطافات حياته الحادة والقوية أحياناً في إطار ظروف ومناخات صراعية عامة كانت أقوى منه، بيد أنهُ واجهها بقوة الفكر ورباطة جأش الإنسان الصابر المؤمن بإنسانيته وحقه ودوره في الحياة بمواجهة الظلم وفي إزالة غشاوة الجهل والتقهقر. وإنْ كانت الغربة قد أكلتهُ -كما قيل- فإن الضمير الوطني والإنساني لا يمكن أن يغيّبه عن ذاكرة الأجيال، وهو ما يؤمَل أن يكون وما ينبغي العمل من أجل تحقيقه.