د.حمدي منصور *

وَسَم د.أيمن عارف مجموعته الشعرية الأولى: «أيمنيات»، وهو بهذه التسمية يذكّرنا بأمير الشعراء وديوانه «الشوقيات». وجعل الشاعر، وهو استشاري أمراض الغدد الصماء والاستقلاب والأمراض الداخلية في مستشفى الجامعة الأردنية، لمجموعته عنواناً فرعياً هو «نمْشي وتركبُ»، وهو جزء من عجْزِ بيتٍ في قصيدة جعلها فلك المجموعة مطلعها:

أَبَا عُمَر هَلاَّ سَمِعْتَ نِدَاءَنا

فَقَد سَئِمَ الضَّمْتُ الصَّبُورُ المُعَذَّب

وكشف أنَّ هذه القصيدة التي قالها بُعَيْد تخرجه من كلية الطب في أستاذه، هي موضع اعتزازه لأنها صادقة في تعبيرها حملت مشاعره التي يجيشُ بها صدره، وأحاسيسه التي اعتملت في قلبه ولأنه كتبها بدم شريانه لا بمداد أقلامه، وفيها يُفْصح الشاعر عن معاناته وصحبه من نظرائه الطلبة الذين كانوا معه على مقاعد الدرس يعانون قسوة الحياة وشظف العيش وضيق ذات اليد، ويبدو أن بعض الطلبة الموتورين أوغروا صدر الأستاذ فاشتطّ على أبنائه الطلبة وأسرف في غضبه.

فما كان من تلميذه آنذاك -أيمن- إلا أن عاتبه عتابَ الطالب المحب الوفي لأستاذه، طالباً إليه أن يتحرى الحقيقة ويَتَبَيَّن صدق ما وشى به إليه بعضهم، وبخاصة أنه المشهور بالتحقق والتدقيق، لذا نجد الشاعر هنا يكثر من استخدامَ أسلوب النداء وتكراره كقوله:

أَبَا عُمَرٍ وَقْتَاَ زَهِيداً فربَّما

تَبيَّن مِنّا ما يَسْرُّ وَيُعْجبُ

أَبَا عُمَرٍ هَلاَّ رَفقْتَ فإنّنا

بَحرَّ الفَلاَ نَمْشي وفي الظَّل تَرْكَبُ

نُنَاديكَ «وَاعَبْدَاهُ» والعيس مُجْدِبٌ وفي الجَدْبِ يُسْتَسقى الغَمامُ ويُطْلَبُ

نُنَاديكَ والأرْزاءُ تُدْمي قُلُوبنا

فَتَجْعَلُ في سَمْعَيْكَ وَقْراً وتُجْنِبُ

تحمل هذه القصيدة معاناة صادقة، وتعابير كاشفة عن أحاسيس ومشاعر تعتمل في قلوب الطلبة وتجيش بها صدورهم وتضطرب بين ضلوعهم، كل ذلك بلغة مؤثرة، وباستدعاء تاريخي وتوظيف أدبي لشخصيات تحلّت بالعدل والإنصاف وتحرّي الحق كعمر بن الخطاب -رضي الله عنه- الذي عُرف بالإمام العادل. وقد جاءت القصيدة على بحر الطويل الذي يمتد به النفَس ويتسع، مما يفسح المجال رحباً للدفقات الشعرية أن تتوالى وتتوالد ليتم اكتمالها فتغدو معبّرة عن كل آلام النفس وعذاباتها مُبينةً عن كل أَنَّاتها وتوجعاتها.

وتدور قصائد المجموعة على محاور من أبرزها البعد القومي الذي يكشف فيه الشاعر عن هموم أمته وآلامها، ناظرة إلى تحقيق أحلامها وآمالها، إلّا أن سحائب الكدر وغيوم النكد التي لا يحتملها الزمان تلفّ الشاعر لفّاً وتجعل مما يعيشه واقعاً مُرّاً يسوقه إلى اليأس سوقاً، ويدفعه إلى القنوط دفعاً، فيتفطر ألماً وحزناً لما يجري لأمته، وما حاق بها من نوازل ومصائب حتى غدت ألعوبة في أيدي شَرّ خلق الله وأهونهم عليه، يقول:

فاعجبْ لذلَّيتنا طوعاً لمن ضُرِبَتْ

عليهمُ الذَّلةُ السوداءُ والسُّودُ

أَدُميةٌ نحن، كم يلهو الأنامُ بنا

مجاهراً بهواه وهو محمودُ

يا عيدُ أفٍّ لنا من أمّةٍ سخرتْ

منها العوالم حتى النمل والدودُ

وفي قصيدة أخرى، تفيض روحه ألماً وتوجعاً لوضع أمته ولما آلت إليه من أحوال متردية وأوضاع مخزية، بعد أن كانت أمة مجدٍ عريق وتاريخ مجيد، وحضارة زاهية وعلوم راقية، والقصيدة زفرات حرّى وأنات تتلظى. ويرى أن ذلك كله لبُعدها عن الدين وتنكُّرها للعقيدة وتناحر أبنائها وفرقة شعوبها.

يا أمةَ الإسلام هَلْ لك أن

تعي أن التناحر فرقةً دَسَّاكِ

فالله قد أتاكِ ذِكراً مُحكماً

فَنبذتهِ فَنُبِذتِ في الأدْراكِ

يا أُمة الإسلام حسْبك عبرة

ما قد لقيتِ من التَّناحر ذاكِ

هلا اقتنعتِ بأن عِزّك قائمٌ

في قُوَّةِ التّوحيدِ لا الإشراكِ

وتبقى قضية فلسطين هي القضية المركزية والقضية الأم التي تأخذ من الشاعر جُلّ اهتمامه، وتحظى بنصيب الأسد من قصائده، إذ عبّر عن صمود أبطال غزة في وجه الهجمة الصهيونية الشرسة، وتمكُّنهم من ضرب عمق فلسطين المحتلة بصواريخهم. وفيها كذلك يصور جرائم الصهاينة وأفعالهم التي لِهولها تقشعرّ الأبدان من قتلٍ للأطفال والنساء والشيوخ، وهدمٍ للمنازل والمساكن على رؤوس ساكنيها ومَن هم فيها، ولم تسلم المساجد والمدارس والمشافي من فظيع صنيعهم. يقول الشاعر على لسان الطفولة:

أُمّاهُ أُمي أنقذيني إنني

تحت الرُّكامِ تَدُكّني الأرجامُ

أُمّاهُ إنْ أنا متُّ بالله اصبري

وتذكّري أن الحياة ضِرامُ

ويلقي الشاعر باللائمة على الوضع العربي المتردي والأمة الإسلامية التي مزقتها الخلافات والانقسامات فباتت عاجزة عن تحريك ساكن، حتى الشجب والإدانة والاستنكار أضحت مفردات يخلو منها معجم لغة الأمة، التي لبست عباءة الذل والهوان ولبوس الخزي والعار والشنار، فاستمرأت ما آلت إليه واستراحت لما هي عليه، هذا الذي يبكي الشاعر دماً لا دمعاً:

لكنني أبكي انتحاباً أمةً

لَبِسَتْ لباس الذُّل وهو قتام

وآذِلَّتاه أن أراها تنحني

لعدوّها إنّ الهوان غرام

وهناك قصيدة أخرى قالها ممجداً انتفاضة سنة 1988 مصوراً بطولات الشباب الذين لا يملكون سوى إيمانهم بحقهم وعدالة قضيتهم إلى جانب إرادتهم القوية وعزيمتهم الصادقة التي جعلتهم يمطرون الصهاينة بحجارتهم ويطاردونهم بمقاليعهم.

وللشأن المحلي حضور جليّ في المجموعة، فاستقلال الأردن مناسبة عطرة يتغنى بها الشاعر ويصوغ من حروف كلمة «الأردن» دلالات كلها المجد والرفعة والسؤدد والعطر والريحان والند. يقول في عيد الاستقلال الذي أحيته الجامعة الأردنية سنة 2009:

أُرْدنُّ يا مجداً تعالى حُسْنُهُ

عِزّاً تطامن دونه الجوزاءُ

وقصيدةً عُشِقَ البيانُ بيانها

حتى تمنّى نظمها الشعراءُ

الألفُ منك أصالةٌ وأمانةٌ

صلّى عليك اللهُ والأمناءُ

والراءُ ريحانٌ تفاوُحُ عِطرهُ

طابتْ به الغبراءُ والخضراءُ

والدّال دُرّيّ توقّد سُؤْدُداً

لكنَّ نُونَكِ نَعْمةٌ ونماءُ

لله دَرُّكِ من بلادٍ أَيْنَعتْ

فيها الحضارة وارتوى الإعلاءُ

ولا ينسى الشاعر أن يلتفت إلى الفقراء الذين يطحنهم رفع الأسعار ويذهب بأقواتهم وأحلامهم، فيشير إلى الضنك الذي يعيشونه والعوز الذي يعانون منه في مأكلهم ومشربهم وسائر أمور حيواتهم، ففي قصيدة له بعنوان «غاز وكاز» يقول:

فَلْيَزْدَدِ الفقراءُ فقراً

وَلْيُحْرَموا العيشَ الأغرّا

ذَرْهُم يَذُوقوا بُؤْسَهُمْ فالبؤسُ بالفقراء أَحْرى

إنّ الحياةَ صِعَابَها

مُلِئَتْ لهم وَيْلاً وعُسْرا

ويمضي ساخراً فيقول:

ذَرْهُم يَنَالُوا حَظّهم

من زَمْهريرِ البَرْدِ أَبْرا

جاءوا بغازٍ أو بكازٍ

أو بقارٍ شَاب قِطْرا

لمَ ينبغي أن يشربوا

ماءً نميراً مُسْتَمِرّا

لمَ ينبغي أن ياكلوا

لحماً وفاكهة وتَمْرا

فالخبزُ مَشْبَعُ طاعمٍ

وكفى به طُعماً وبِشرا

فإذا ما نظر الشاعر إلى ما يجري في العالم العربي مما يسمى «الربيع العربي» أظهر رأياً مغايراً لما قَرّ في أذهان كثير من الناس، إذ يرى أن هذا الذي يسمى ربيعاً ما هو إلا مؤامرة على الأمة غايته أن يخلص إلى مزيدٍ من تمزيقها وتشظيها وزرع بذور الفتن المذهبية والعرقية والإثنية بين أبنائها كيلا تقوم لها قائمة في المستقبل، لما ستثمره هذه الفتن من الأحقاد والضغائن والإحن؛ ففي قصيدة قالها سنة 2012 مطلعها:

يقولون قد هلّ الربيع مُرَفْرفاً

وقد ترك الحرّ الوبيل مُصَفْصِفا

يقول الشاعر:

ربيعكمو زَرْعٌ تَميدُ ورودهُ

هَوىً يعجب الرائين مَرْأَى ومُشْرَفا

إذا ما رَأَوْهُ بكرةً أُخذوا به

ولم يجدوا عنه من الحسن مصرفا

لكنه يُسْقَى بماءٍ مُنَافقٍ

تَموُجُ سمومُ الخُبْثِ فيه لِتُقذفا

سمومٌ رماها الخبثُ رُقْطاً أفاعياً

فأين عصا الزّراع كي تتلقّفا

إلى أن يقول وقد مُلئت أقطار نفسه حنقاً من هؤلاء الذين يرون في هذا «الربيع» تباشير لغدٍ مشرق ومجدٍ مرتقب طال انتظاره:

فقلتُ لهم هذي جنانُ ربيعكمْ

أروني إذاً يوماً جناها لأقطفا

سيعلمُ جمعُ الناسِ يومَ قِطافها

-أخي- من المسحور طيراً مُزَحْلِفا

فكيف إذن ألْفوا مَذاق ثمارها

يُقَطّع أمعاءً ويُدْمي مُشفشِفا

هنالك يجلو كُلُّ مَرْءٍ فؤاده

ويعلمُ أنّ الزرع كان مزيّفا

ولا تخلو المجموعة من قصائد قالها الشاعر في أغراض شتى وفنون أخرى منها المعارضات، التي عمد فيها إلى معارضة فحول الشعراء قديماً وحديثاً، فهو يعارض المتنبي في دالته التي مطلعها:

عيدٌ بأيّة حال عدتَ يا عيدُ

بما مضى أم بأمرٍ فيك تجديد

بقصيدة له مطلعها:

أعدتَ أم لم تعد سيانُ يا عيدُ

كم ها تعود ودون الملتقى بيدُ

ويعارض أمير الشعراء أحمد شوقي في رائيته التي مطلعها:

سل يَلْدِزاً ذات القصور

هل جاءها نبأ البدور

بقصيدة قالها في سقوط بغداد عاصمة الرشيد سنة 2003 مطلعها:

قم ناجِ بغداد العصور ماذا لقيت من الدهور

وكان لفن الرثاء حضور بارز في المجموعة، إذ يرثي الشاعر أبطالاً مجاهدين وعلماء عاملين وأفاضل معروفين. وإلى جانب ذلك طرق د.أيمن عارف فناً آخر من فنون الشعر العربي وغرضاً آخر طالما قال فيه الشعراء قديماً وحديثاً وأبدعوا، أعني فن المدح، وهو في هذا الضرب من الشعر يقصره على علماء أجلّاء وأساتذة فضلاء منهم فضل حسن عباس الذي مدحه بقصيدة طويلة تقع في ثمانين بيتاً، مطلعها:

ما بال قلبي من مُنَاهُ يَفرَقُ

هَرَباً وبين حروفه لا يَغْرَق

ومنهم شيخ العربية د.ناصر الدين الأسد الذي مدحه الشاعر بقصيدة في مطلع الثمانينات من القرن المنصرم يقول فيها:

يا ناصر اللغةِ القعساءِ عِزّتها

بالحبِّ والكّدْحِ بل يا ناصر الدين

لله درك! كم أحييتَ ما وَأَدَتْ

أيدي العِرى من بناتِ الضاد والنونِ

إذ تَنْفُخُ الروحَ في أجسادهن عسى بإذن ربك أن يُبْعثنَ من طينِ

الله أكبر! ها قد قُمْنَ من ظلم ٍ يَنْفُضْنَ عنهن تُرْبَ القبر والرُّون

هذا الشاعر -كما أرى- قادر أن يعيد للشعر ألقه ورواه، وأن يعيد إليه توهجه وسلطانه، لما في قصائده من سمو وجزالة، وفي ألفاظه من انتخاب واصطفاء، وفي تراكيبه من خيال وتصوير، هذا إلى جانب مضامينه العميقة وأفكاره المستمدة من عقيدة أمته، وآمال قومه وآلامهم.

• رئيس قسم اللغة العربية وآدابها/ الجامعة الأردنية