فاطمة نصير *

جمعني لقاء واحد بالروائي الراحل جمال ناجي منذ حوالي سنة، كنت رفقة مجموعة من الأصدقاء الأردنيين، أخبرته وقتها أنني قرأت فيعام 2012 فصلا من روايته «غريب النهر»، وأنني بحثت بعدها عن الرواية فلم أجدها لا ورقيا ولا الكترونيا.. وأنني ساعتَها ندمتُ لقراءة ذاك الفصل، فما أسوأ شعورك حين لا تتمكن من الحصول على روايةٍ قرأتَ فصلا جميلا منها! ذلك يشبه انقطاع التيار الكهربائي عند متابعتك فيلما مميزا عبر الشاشة الصغيرة.

عندما قلت لجمال إنني هذا الفصل الذي قرأته من إحدى رواياته ترك انطباعا جميلا في ذهني عن كاتب لا أعرفه، بل لم أكن أعرف حتى جنسيته، ابتسم ابتسامة الرضا.. ربما هو الرضا عن وجود قراء لا يعرفونه ولا يعرفهم، من هناك.. من بلاد بعيدة مترامية عند أطراف البحر الأبيض المتوسط.

جمال ناجي، الكاتب الذي خلف أثرا طيبا عبقا إلى جانب كبار الأدباء الأردنيين، يسعد بقارئة قرأت فصلا من فصول إحدى رواياته بصمت، مدركاً أن النصوص التي تُكتب، تولَد من جديد بين يدَي كل قارئ قرأها بتمعّن وعي.

قال جمال وقتها: «اسمك ليس غريبا عني، ألست أنتِ من كتبت مقال كذا ومقال كذا»، وأشار إلى مقالات كانت قد نُشرت لي في صحف أردنية وغير أردنية. قلت: «نعم، أنا هي فاطمة نصير!».

ابتسم مجددا وقال بلهجته الأردنية: «لا بجد.. أنا لخبطت.. كنت بعتقد أنك سيدة كبيرة في السن من خلال ما قرأته من مقالات جيدة لك، وإذا بي أرى العكس؛ شابة مقبلة على الحياة!».

انعطف الكلام بعدها عن آفاقه ورؤاه مع زملائه في تطوير مجلة «أفكار» الصادرة عن وزارة الثقافة الأردنية بصفته رئيس تحريرها، وعن رغبتهم في الاهتمام بمواضيع عصرية ذات صلة بالإشكالات الراهنة في مجتمعاتنا وزمننا. وأهداني مجموعته القصصية «ما جرى يوم الخميس» ممهورة بتوقيعه، وقال إن رواياته نفدت طبعاتها تقريبا وإنه يفكر في إعادة طبعها.

كانت الجلسة حميمة، وأذكر أن هناك أدباء شباب شئاركونا جلستنا وسألوه عن رأيه في رواياتهم التي قرأها، وأصغوا باهتمام لما كان يقوله.. كانوا على وعي تام أنهم قبالة قامة أدبية مهمّة في مسار السّرد العربي، وكانوا ينهلون من معين تجربته الممتدة عبر خط الزمن وعلى صفحات أعماله الأدبية.

* ناقدة جزائرية