مناهل العسّاف



مَرّوا مُرورَ كِرامٍ، ليتَهُمْ وَقَفُوا

لَرُبَّما عَرَفوا في القلبِ ما اقتَرَفُوا

مَرّوا تراتيلَ غُفرانٍ على قَلَقِي

فأسْرَجوا القلْبَ نورَ الحقّ... وانصَرَفُوا...

وللحَنينِ دُروبٌ لا يُفارِقُها

ولِلّقاءِ تغنّى صابرٌ تَلِفُ

يا سيّدي يا رَسولَ اللهِ هل قدَرٌ

ما يستَقِرُّ بأوصالي ويكْتَنِفُ؟

أشكُو إليكَ زَماناً لستَ تُشْبِهُهُ

ما إنْ يرَى مُنْكَراً إلّا وَيَقْتَرِفُ!!

والنّاسُ ما النّاسُ! قدْ عزَّ الصّلاحُ بِهِم

وفَرّقُوا دِينَهُم أدْيانَ واختَلَفُوا

وبَدَّلوا وَرأَوْا طُغيانَهُم شَرَفاً

وأنْكَروا الحقَّ كِبْراً بعدَ ما عَرَفوا!

لا غُرفةً بِيَدِ الظّمآنِ تلْجُمُهُم

بلْ أُشْرِبُوا فِتنَةً عمْياءَ واغتَرَفوا

«لَو أنَّهُم فَعَلُوا ما يوعَظونَ بِهِ

لَكانَ خيراً لَهُمْ» ... لو أَنَّهُم.. لَكُفُوا!

لكنْ أحاطَ شِرارُ القومِ صالِحَهُم

إنّ البَلاءَ حياةٌ كلّها أسَفُ

مَولايَ.. ليْ طائرٌ ظَمآنُ في عُنُقي

وَيَحْتَمي في ظَماهُ الصّبرُ والشَّرَفُ

يُحْييهِ قَولُكَ: عِندَ الحَوضِ مَوعِدُنا

يَرنو إلى النّورِ، عَنْ خَوضِ الهوى أنِفُ

وَلَيسَ تَرويهِ إلّا رَشْفَةٌ طَهُرَتْ

فَهَلْ تُرى مِن سَنا كَفّيْكَ يَرْتَشِفُ؟

مَوْلايَ مَوْلايَ إنّي عاشِقٌ كَلِفُ

وأهلُ حُبّكَ تاهُوا كُلَّما وَصَفُوا

رُوحُ التّجلّي تُحاكي طُهرَ مَنْطِقِهِم

وَما على صِفَةٍ تَكْفيكَ أنْ يَقِفُوا

خُذْ مِنْ عُيونِهِمُ دَمعاً تُطَهِّرُهُم

صَلّى عَلَيْكَ فُؤادي كُلَّما ذَرَفُوا..

حُيّيْتَ في المَلَأِ الأعلى وما رُكِبَتْ

رَكائِبُ الخيرِ تُحْيِيْ ذِكْرَ مَنْ عَكَفُوا

=

فإنْ تَوَضّأَ حَرفِي مِنْكَ لا عَجَبٌ

وإنْ تَسامَى على آثارِ مَنْ شُغِفُوا

وَمَنْ سِواكَ إذا انفَضَّ الصِّحابُ وإنْ

مُدَّ الصّراطُ، ومِنهُ الخَوفُ يَرتَجِفُ

وَقيلَ ذُوقوا عَذابَ النّارِ والْتَهَبَتْ

والظّالِمونَ إلى أبوابِها قُذِفُوا

وكُلُّ خِلٍّ سَلا عنْ خِلِّهِ ودَعا:

يا ربِّ نَفسي... فَلا خَلْفٌ ولا سَلَفُ

حَنانَكَ! اليَومَ لا أمٌّ ولَيْسَ أبٌ

ولا حَبيبٌ إذا نادَيتَهُ يَهِفُ...

دَعْواكَ: «يا ربِّ سَلِّم»، «أُمَّتِي» ! وبِها

خَلاصُ مَنْ أخْبَتُوا لِلّهِ واعتَرَفُوا

ومَنْ إذا اشْتَدَّ هَوْلٌ في شَفاعَتِهِ

عِتْقٌ مِنَ النّارِ يُنْجِي، مَنْ سِواكَ كُفو

فِداكَ نَفْسي، ومَنْ أَفْدي، وما مَلَكَتْ

يدايَ، أو كانَ لي في الغَيْبِ يَنْصَرِفُ...

هَلْ مَوْعِدٌ في ظِلال العرشِ يَجمَعُنا

وَنَحنُ في غُرَفٍ مِنْ فَوْقِها غُرَفُ؟

أيا «سِراجاً مُنِيراً» ما تَزالُ هُدىً

للصّاعِدينَ إلى الأسْمى بِما أًلِفُوا

وَحُبُّكَ الأَمَلُ المَرجوُّ إنْ ظَهَرَتْ

كَوامِنُ النّاسِ فِي ما نُشِّرَتْ صُحُفُ

«بانَتْ سُعادُ» لَئِنْ بانَتْ أو اقْتَرَبَتْ

فمَا لِغَيْرِكِمُ في مُهْجَتِي هَدَفُ

مَرُّوا... وما مَرَّتِ الذّكرى وما عَبَرَتْ

إلّا وفي القلْبِ دَمْعاتٌ... وَتَنْذَرِفُ...