أ.د. غسان الطالب

منذ الأيام الأولى من شهر رمضان اعتدنا أن نرى فيها السباق على المواد التموينية وخاصة ما هو مخصص للاستهلاك اليومي وكأننا وجدنا أنفسنا فجأة في مجاعة نتهافت فيها على شراء هذه السلع وبما يفوق حاجاتنا منها, فالنتيجة هي حالة التزاحم التي تحدث في الأسواق وتربكها ثم تؤدي إلى رفع الأسعار نتيجة الزيادة في الطلب على هذه المواد وتهافت الناس عليها, فما الذي حصل؟ هل نحن فعلا بحاجة إلى كل هذه المواد؟ أم دافع الجوع و الشهوة لأصناف الطعام المتنوع تدفعنا لذلك, في الأيام العادية نحتاج إلى ثلاث وجبات يوميا, و أكيد فيها التنوع أحيانا و فيها كذلك البساطة ولم يحدث هذا التزاحم الذي نراه في الأيام الأولى من شهر رمضان, في الوقت الذي نكتفي فيه في هذا الشهر بوجبة واحدة مع وجبة خفيفة في السحور, إذا المنطق هنا يقول بعدم وجود المبرر للتزاحم على الأسواق وشراء المواد التموينية بكميات تفوق حاجتنا في هذا الشهر, فهو ليس شهرا للأكل والإسراف والمبالغة في إعداد موائد الطعام بل هو شهر عبادة وصلة للأرحام, شهر للإحسان والصدقات وأعمال البر والخير, نشارك فيه الجوع والعطش مع من لا يجد قوت يومه والإحساس بألمه.

إذ علينا أن نحدد بشكل معقول احتياجاتنا من مستلزمات هذا الشهر الفضيل وفق ما تسمح به ميزانية العائلة بحيث يكون هناك حالة من التوازن بين الدخل والاستهلاك ولنا عبرة في قوله تعالى:

«وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا» (سورة الإسراء الآية 17)

وهذه دعوة صريحة من الله عز وجل لنا نحن البشر لعدم المبالغة في الإسراف ولا في البخل لأن كل من الحالتين تؤدي إلى نتائج كارثية في الاقتصاد الوطني, ففي حالة الإسراف لن يكون بمقدورنا الادخار وتوفير حاجات المجتمع من الاستثمار, وعلى مستوى الفرد فلن يكون بمقدوره تأمين ما يلزم لحاجاته المستقبلية, وفي حالة البخل فهذا يعني عدم الرغبة في الإنفاق مما يؤدي إلى تراجع الطلب على الاستهلاك وتدني مستوى الإنتاج وتراجع توظيف الأيدي العاملة وهكذا سلسلة من السلبيات التي تنعكس على المجتمع بأكمله لن تنتهي.

فثروتنا الوطنية ومقدراتنا الاقتصادية تفرض علينا حسن التدبير فهي مسؤوليتنا جميعا فلنحافظ عليها ونجعل من رمضان شهرا نراجع فيه أنفسنا ونقوّم فيه ما اعوج من سلوكنا بما يرضي الله جل وعلى.