كما يحتفل المسلمون بعيدي الفطر والأضحى كل عام منذ مئات السنين دون معرفة أحداث الأعياد السابقة وكيف بدأت وكيف أحوالها، إحتفلنا هذا الأسبوع بالذكرى الثانية والسبعين لإستقلال الأردن، ولعل مناسبة استقلال الأردن كدولة فتية لينة ،فسيفسائية المواطنة، تختلف عن كثير من مناسبات استقلال بقية البلاد العربية، كالجزائر مثلا التي رزحت أكثر من مئة وثلاثين عاما تحت جرائم الفرنسيين، حيث نال الأردن إستقلاله دون أن يخوض أي معركة مع الإنتداب البريطاني الذي كان حليما مع أدوات الحكم منذ تأسيس الدولة الوليدة عام 1921،وبقي مرتبطا بالمعاهدة البريطانية حتى وفاة المغفور له الملك عبدالله الأول الذي قاد معاركه السياسية ليتفرغ للحرب.

للأسف، فالشك يخالجني بأن غالبية جيل المدارس والجامعات والطبقات السياسية اليوم، لا يعرفون إرهاصات فترة الإستقلال عام 1946،ولا حتى ما بعدها، وبلا مديح للتاج البريطاني المعروفة أهدافه آنذاك كدولة إستعمارية عالمية، فإن تأسيس الإدارتين العسكرية والمدنية برعاية إنجليزية جعلت من الدولة الأردنية دولة تقدمية في محيط يشوبه بعض التخلف السياسي والإداري الرسمي، وحتى إلغاء المعاهدة البريطانية وتعريب الجيش الأردني عام1957 على يد المغفور له الملك الحسين، لم تتوقف الحكومات البريطانية عن تقديم الدعم العسكري والمالي للأردن، وهذا ما جلب له الكثير من الخصوم.

في يوم 18 / 1 /1946 أعلن وزير الخارجية البريطاني «أرنست بيفين» أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة عن عزم الحكومة البريطانية منح الأردن إستقلاله وسيادته في آيار المقبل، مؤكدا استمرار الدعم للأردن للبقاء قويا من خلال قواته المسلحة التي كان تعدادها آنذاك 16 الف عسكري ،ولكن إعلانه ذاك وقع كالصاعقة على البعض ، فقد أصدر « ديفيد بن غوريون» رئيس الوكالة اليهودية « المنظمة الصهونية الجديدة» بيانا أكدفيه وباسم قادة المنظمة عن معارضته الشديدة للإستقلال الوشيك لشرق الأردن على أساس أن«تلك الأرض» جزءلايتجزأمن فلسطين،وانه يجب محاربته ليس فقط على المستوى السياسي ولكن ايضاعلى المستوى ا لقانوني.

الإعلان البريطاني في ذلك الوقت لم يمرّ بهدوء، بل تمت مناقشته على مستوى المندوبين في الأمم المتحدة، وأخذ النقاش منحنيات عدة، دخل فيها وضع ما يسمى» فلسطين العربية» التي قالوا أنها تتبع فعليا الى شرق الأردن وتخضع لذات الإدارة، ومن الممكن ربط استقلاله بتنفيذ الخطة الأنجلو أميريكية لتقسيم فلسطين، وليس أولئك فحسب ، بل إن زعماء اليهود رفضوا استقلال الأردن، فقد طالب «هربرت صموئيل» المندوب السابق حينها على الأردن وفلسطين بعدم منح الإستقلال إلا شريطة فتح باب الهجرة اليهودية الى شرق الأردن، ثم اتبعه بن غوريون وحاييم وايزمن وجابوتنسكي ، ولكن كان هناك جيل من الرعيل الأول في الأردن حاذقون سياسيا ويحترفون إستغلال الفرصة حين تقع الخلافات الدولية لتحقيق مصالح الدولة العليا رغم ضعفها.

لم يكن الصهاينة وحدهم الذين ينظرون بعين المنافسة والكراهية لبزوغ فجر أردني، بل إن من العرب من كان يخشى أن يكون الأردن وريثا لدورهم المنتظر، حيث أسست النظرية القومية والأحزاب الجديدة والباشوية القديمة تحالفا مضادا لخروج الأردن من تحت العهدة الكاملة لبريطانيا، ولكن ما هي سوى سنتين حتى اندلعت الحرب العربية ضد الوجود الصهيوني المعادي للعرب والإنجليز معا على أرض فلسطين، واستمرت المناوشات حتى انسحبت بريطانيا من فلسطين، ليعلن اليهود قيام دولتهم، ويتذكر العرب أن هؤلاء الأجانب يجب تأديبهم، ولكن بعد فوات الآوان.

اليوم علينا أن نعيد دراسة قيام الدولة في هذه الأرض المباركة، فعندما تحتفل المملكة الأردنية الهاشمية بيوم استقلالها علينا أن نتذكر أن رجال الدولة الآوائل كانوا عمالقة، وأصحاب نظرة بعيدة، لم يكن البنك الدولي و صندوق النقد صديقا لنا، ولم تكن المساعدات الخارجية سيفا مصلتا على رقابهم، بل إن رؤية القيادة و إرادة الشعب واستقلالية الحكومة وتنوع النخب السياسية والقانونية والحزبية والفكرية المعارضة قد بنت مستقبلا عظيما لهذه الدولة التي توحدت مع فلسطين وانتزعتها من براثن اليهود آنذاك وحفظت عروبة وسيادة القدس الشريف.

على الجيل أن يقرأ إرشيف التاريخ، فالفلاسفة والمفكرون والمقاتلون هم من أناروا الطريق للدول، وقبور الرعيل تستحق التكريم والجوائز فهم رجال الإستقلال لا رجال الأناقة والمال الذين يعشقون رهن استقلالنا بمصالحهم تماما كما الصهاينة.

Royal430@hotmail.com