الأستاذ الدكتور علي جمعة الرواحنة

التكافل الاجتماعي ضرورة شرعية وحتمية اجتماعية، وطبيعة الإنسان اجتماعي الطبع، وعلى ذلك كان النهج الإسلامي في تنظيم شؤون الحياة، فلا يمكن أن يستقل فرد بحياته عن غيره، ولا يستغني عن الناس، فلذا الغني يحتاج إلى الفقير والفقير بحاجة إلى الغني والعامل بحاجة إلى رب العمل وكذلك رب العمل بحاجة إلى العامل، وهكذا...

فجاء الصوم ليحمل هذا الرسالة نظريا من خلال النصوص الدالة على ذلك، وعمليا من خلال الصوم عندما تمتنع ساعات عن الأكل والشرب وقد تركت الحاجة إلى على المحي تشعر عند ذلك بحالة الحرمان وقسوة أثارها الاجتماعية على الأفراد الذي لا يجدون ما تجد، فيدعوك هذا الوضع إلى البحث عنهم وتتضامن معهم وترفع عنهم ثقل الزمن وقسوة الأيام، وكم تفرح عندما ترى على محياهم السرور عندما تحقق بعضا من حاجتهم.

الصوم عبادة مشتركة يشترك فيها جميع أفراد المجتمع، لتحقيق نتيجة واحدة كما أشار لذلك قوله تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} (183) سورة البقرة، نداء على جميع المؤمنين ليتنافسوا في مجال الصوم الذي يحقق التقوى الاجتماعية، فحقيقة الصوم مدرسة سلوكية وتربية للنفوسَ على التقوى، وإذا لم يرتفع الصوم بالصائم عن المسلكيات الرديئة، وعن إيذاء الناس بالقول أو العمل، فهو غير صائم على الحقيقة وليس له من صومه إلا الجوع والعطش.

تكثر في رمضان المشاركات الاجتماعية في الاجتماع المتكرر على مائدة الإفطار، سواء على مستوى الأسرة الممتدة، أم على مستوى الجيران والأقرباء والأصدقاء، والفقراء وحتى الأغنياء، وهذا التجمع المجتمعي لا يتحقق في غير رمضان إلا في المناسبات، وبذلك يتكامل المشهد الواصف للمجتمع الصائم في قوله صلى الله عليه وسلم: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً»، وشبّك صلى الله عليه وسلم بين أصابعه، متفق عليه.

تمثل صدقة الفطر في رمضان التكافل المالي الاجتماعي، بحيث على الصائم بزمن مخصوص يتحسس الحالة المالية لأفراد المجتمع، حتى تصل إلى المستحق ويؤدي له ذلك الحق حتى ترتفع عن كاهله عبء الحاجة، وضغط القهر الاجتماعي، حتى تمكنه من مشاركة باقي أفراد المجتمع فرحتهم الرمضانية، وقد اكتسى بحلة العيد وأسرته دون أن يشعر بالفروقات الاجتماعية.

الإصلاح الاجتماعي، يعزز الصوم في النفس البشرية حفظ حقوق المجتمع، وهو فرصة إلى تعديل السلوك وإصلاح المجتمع، ومن أسوء آفات المجتمع، قول الزور وإضاعة الحقوق، فقال صلى الله عليه وسلم:»من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه»، فمن هنا نجد أن الصوم يحمل رسالة الإصلاح الاجتماعي، ونقل المجتمع من المسلكيات السيئة إلى السلوك القويم، وتعزيز القيم الاجتماعية السامية فيه. التسامح الاجتماعي، إن التفاعل الاجتماعي حتما إما أن يكون في بعده الايجابي من الود والرحمة والتعاطف والتعاون، أو أن يكون في بعده المشحون بالتوتر والسلبية، ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم وجه الأمة في حالة التوتر كيف يتصرف حيث قال صلى الله عليه وسلم:» الصيام جُنة فإذا كان يوم صوم أحدكم، فلا يرفث ولا يصخب، فإن سابَّه أحد أو قاتله فليقل: إني صائم، إني صائم»، فقول الصائم إني صائم ويكررها في حالة الشحناء، هي إعلان إني في حالة تسمو على هذه السلبيات، فلا اترك ما أنا عليه من قيم، للمشاركة في السباب والشتائم، فهذه مشاركة خاسرة.

*عميد كلية الشريعة- جامعة آل البيت