عندما تطرقت لموضوع التطورات السياسية وآفاق تلك التطورات وانعكاساتها على الواقع السياسي في الأردن منذ ىسنة تقريبا، نوهت ان هناك خطورة تتبلور حول ما يخطط له كنتاج طبيعي لمخرجات ما يسمى الربيع العربي، نوهت حينها إلى أن الأردن هو المستهدف رقم واحد وذلك بحكم تمسك النظام السياسي الأردني وعلى رأسه جلالة الملك بمبادئه وبإرثه الحضاري وأن كل يصاغ ويخطط له خلف الكواليس، يستهدف أولا وآخرا تلك المبادىء والقيم الهاشمية النبيلة فان صفقة بحجم صفقة القرن لا يمكن ان تمر الا من خلال زحزحة الأردن عن تلك المواقف وتلك الثوابت. وبدون ذلك ستؤول كل تلك المخططات الى فشل ذريع، ليس فقط من خلال التماسك الداخلي غير المسبوق الذي يتمتع فيه واقع الاستقرار السياسي في الأردن ولكن أيضا من خلال التلاحم بين الشعبين الفلسطيني والأردني وتكامل الأدوار بين السلطة الفلسطينية والمملكة الأردنية الهاشمية للتصدي لهذه المؤامرة.

ونوهت أيضا منذ عام تقريبا حول ما يمكن أن يصنعه الأردن من استحداث وابتكار أدوات للصمود قلت خلالها ان تحصين الجبهة الداخلية والشفافية الحكومية والمصارحة الوطنية، هي ركائز ستجعل من الأردن عصيا على التجاوز السياسي، ولكنها بالمقابل ستخضعه لابتزاز تنموي واقتصادي يضغط بثقله على المواطن الأردني بكل شرائحه.

عندها قال بعضهم مشككا ان الأردن سيخضع لذلك الابتزاز السياسي لأن المواجهة ستكون مع معسكره التقليدي وحلفائه السياسيين التقليديين على مدار تاريخه.. فالأشقاء العرب والدول الغربية عموما والولايات المتحدة بخاصة، هم حلفاء طبيعيون ومصلحة الأردن كانت دائما تتماهى مع مخططات السياسة الغربية وتحالفاتها الإقليمية وبخاصة العربية.

ولكن ما ظهر جليا أن السياسة التي يتبعها الأردن كان يضع محددات سياسية عامة لا تمس ثوابته، وبخاصة ما يتعلق بالقضية الفلسطينية والوصاية الهاشمية على المقدسات، وأيضا ودون تزييف المصالح العربية والقومية العليا. فمساحة عمل الدبلوماسية الأردنية كانت تعمل بهذا الفضاء وانطلاقا من تلك الركائز والمباديء والثوابت.

ان التطورات السياسية الحالية اثبتت وجهة نظري التي تمحورت حول الواقع الاستثنائي في مرحلة استثنائية لم يعهدها الوطن العربي، ولم تعهدها الدبلوماسية الأردنية على مدار تاريخها دون مواربة ولا مغالبة.

إن الأردن ومن خلال تمسكه لأولوياته وثوابته يتعرض لخطر وجودي وذلك واضح كل الوضوح عندما بدأ يركز الأردن ومن خلال خطابات جلالة الملك على مدار سنة كاملة، التي تجلت كما ذكرت في مقالتي السابقة في القمة العربية، وبعدها في خطابه في مؤتمرمنظمة التعاون الإسلامي الاستثنائي، الذي عقد في اسطنبول أخيرا، عندها أعاد التذكير جلالته دون تفصيل بالثوابت الأردنية التي لم ولن يتراجع عنها مهما حمل ذلك الموقف من انعكاسات ونتائج.

ان اختصار جلالته لخطابه في القمة كان لسبب واحد ووحيد وهو عدم إعطاء مجال للتأويل والتسويف من قبل صانعي القرار الاقليميين والدوليين.

إن هذه المواجهة التي جاءت بعد مجزرة افتتاح المستوطنة الأميركية في القدس الشريف، هو أن الأردن مستعد أن يخوض هذا الصراع حتى نهايته ولن يستطيع أن يعطي مجالا او مساحة أخرى لتأويل مواقفه حسب ما تشتهي فضائيات دول الحصار المبطن والعربي للأسف والتي كانت تعتبر أن موقف الأردن قابل للترويض تحت وطأة الامر الواقع وواقع الضغط الاقتصادي.

هذه الاحلام تلاشت بعد الوضوح غير القابل للشك في خطاب جلالته أمام التعاون الإسلامي، وإن خفض تمثيل بعض الدول الخليجية في هذه القمة والقمة العربية وفي كل ما يخص القدس هو مؤشر خطير يتجاوز الأعراف العربية والإسلامية المتبعة على مدار التاريخ عندما يتعلق الأمر بالقضية الفلسطينية بعامة والقدس بخاصة.

وهو ما جعل دولا إسلامية بمستوى تركيا وايران وماليزيا وأندونيسيا تكون في مقدمة الحريصين على عدم تمرير صفقة القرن وإن قضية القدس باتت تعتبر تحولا من السياق العربي الضيق إلى قضية تخص العالم الإسلامي كله، وأن عروبة القدس هي قضية تقع ضمن إطار واقع انتمائها التاريخي والجغرافي.

أي أن قضية القدس انتقلت من أولوية عربية خاصة بالأمة العربية الى قضية تخص الأمة الإسلامية جمعاء، وان كل الدول الإسلامية التي تشكل ركائز في السياسية الدولية من خلال حجومها الديمغرافيا كماليزيا وأندونيسيا وحجوم تأثيرها السياسي والاقتصادي كتركيا وايران وحجوم ثقلها العسكري كتركيا وايران والباكستان باتت تشكل لاعبا حقيقيا في مسالة مدينة القدس.

وتخلي بعض الدول الإسلامية، وبخاصة العربية منها، عن دورها قد جعل منظمة التعاون الإسلامي، عاملا حاسما في الحفاظ على هوية القدس وعروبتها وعلى الوصاية الهاشمية المطلقة والخالدة عليهما والذي يتمخض من خلال الرؤية الثاقبة لجلالة الملك عبدالله الثاني بن الحسين بالمشاركة الفعالة وعلى أعلى مستوى في كل المؤتمرات التي تخص القضية الفلسطينية.

وحتى تكون الصورة واضحة تماما فان الأردن يقود هذه الحراك وبالكامل مع منظمة التحرير الفلسطينية لوحدة، وان إقرار منظمة التعاون الإسلامي بالوصاية الهاشمية في اجتماعيين خلال فترة وجيزة هو انجاز لا يمكن التغاضي عنه ولا تجاوزه بأي حسابات سياسية او جيوسياسية في مسار الحلول السياسية او التسويات القادمة، هذا الإقرار يعني ان مليار وسبعماية مليون مسلم يقروا بان هذ الوصاية تستمد شرعيتها من هذا الحجم اللامتناهي من الأمة الإسلامية.

وهذا الموقف قد تم تبنيه من كل دول العالم وشعوبها حتى إدارة المعتوه ترمب لم تستطع ان تتجاوز ذلك بغض النظر عن الموقف السعودي المبطن والضاغط باتجاه نزع الوصاية الهاشمية عن تلك المقدسات والذي يتناغم بكل جوانبه مع الموقف الصهيوني المعلن وغير المعلن.

من هنا مرة أخرى نقول على الإعلام الأردني أن يرتقي للحد الأدنى من طموح جلالته بتوضيح الموقف الحقيقي للأردن لأن كل مراقب اعلامي او سياسي متابع للإعلام العربي والعالمي ن لا يجد الا أن الأردن جزء لا يتجزأ من التحالف الأميركي الصهيوني والسعودي وهذا غير صحيح وعلى الاعلام الأردني ان يكون اكثر جرأة في تناول هذا الموضوع حتى تتضح الصورة الشاملة والحقيقية لموقف الصمود الأردني أمام هذا المحور.

لقد آن الأوان ان نرتقي لمستوى موقف جلالة لملك في كل المحافل الدولية والإقليمية لنمحو الصورة التقليدية للأعلام العربي وبخاصة الخليجي الذي يعتبر أنّ موقف الأردن سيلتحق لا محالة بمؤامرة صفقة القرن، وهذا ما لم يحصل مطلقا.