يوسف حامد أبو صعيليك

(1)

وصرخ كركلّا:

- يا أم، مجدٌ برأسَين مجدٌ مفتَّت، ودولة بملكَين مصيرها البوار، فلا بد من التقسيم.

فصاحت جوليا دومنا:

- ليكن جسدي قطعاً مبعثرة في طريق التقسيم، وأشلائي سابقة لتدمير الوحدة.

قال جيتا:

- والمخرج يا أمّ؟

وارتمت الإمبراطورة تبكي وتنوح.

(2)

ولقد قال لها سبتيموس من قبل:

- لئن احتلّتنا روما بجبروتها فلسوف نحكمها بعِلْمنا، ولئن حكمتنا بقهرها فلسوف نقهرها بفضلنا.

ضحكت وقالت:

- أنحكمها بدل أن نستقل عنها؟!

- هو ذاك يا جوليا.. هو ذاك.... إنه الغزو.

(3)

أخذ الأرق فكر كركلا، ولم ينم لياليه، وارتمى في حضن القلق والتدبير: «إنْ شاطره جيتا نصف ملكه كان نصف إمبراطور، ولئن كان كذلك كان الضعف بعينه، فلا بد من الملك»، غير أن الليالي قد ضنّت عليه في بداياتها بالفكرة، وأجهد نفسه في البحث عن مخرج.

وصاح أخيراً:

- لا بد من الطغيان... لا بد من الجبروت.

(4)

ونام جيتا في حضن أمه بعدما أتعبه طمع من حوله في الملك:

- أتعبني الصراع يا أماه، روما قاسية، وليلها شنيع مخيف، والنهار فيها عيون ماكرة، أو قلوب تنسج الضغينة.

«نسيج الضغينة يا جيتا ينقلب إلى شِباك توقع بصاحبها لتأكله عناكب الشهوات في النهاية»، قالت جوليا دومنا وهي تمسد شعره بحنان.

«جئنا إلى هنا بحثاً عن العدل، فإذا بنا ننقلب إلى وحوش ضارية ينتظر أحدها سقوط الآخر ليأكله بشهوة»، قال جيتا وهو يستسلم ليديها اللتين أخذتا تطفآن لهب الحريق.

قالت جوليا وهي تمد بصرها إلى هناك.. حيث الأفق:

- نم يا ولدي.... نم، فصراع الغابة أحمق أهوج، وريحها سموم.

واستسلمت عيناه لدفء حضنها.

(5)

واقترب كركلّا من أخيه جيتا ومدّ يده مصافحاً، ضحك جيتا بسخرية وقال:

- مالي أحسّ أن كفّك تكاد تتقافز رجفة؟

قال كركلّا متضاحكاً:

- كلماتك تخبئ ما لم ينطق يا أخي، لا شك أن الجلوس مع الأدباء الذين يَؤمّون مجلس أمك الإمبراطورة علّمك أسرار سحر الكلمة وصنعة غواية الدلالة.

قال جيتا:

- أيهما شر من الأخرى؛ غواية الدلالة أم غواية الضلالة؟

صاح كركلّا:

- ما بها كلماتك تحمل اللهيب بين ضلوعها؟

- وما بك ترتعد من كلمات؟

- أنا لا أرتعد، بل أتساءل عن شوكها.

ابتسم جيتا وقال:

- لقد استمدت شوكها من المخبأ لنا يا كركلّا.. من المخبأ لنا.

(6)

وكتب بابنيان:

«أما أحدهما، فقد عشق قسوة الحديد وبطش السيف وجفوة النظرة، وأما الآخر فقد شغف بسحر الكلمة، وعذوبة الدلالة، ورحيق العلوم.

فأنى يلتقيان».

(7)

ولمّا اختلت جوليا ببابنيان قالت:

- ما اصطفيتك يا بابنيان وما قرّبتك من مجلسي إلا لعلمك وفضلك، فأنت سوريّ مثلي، ما عرفت عنك إلا النزاهة، وحب العدل، وإني لأشتمّ خلف هذا السكون المرعب مرارة العلقم وعصف البحور.

- يا أم الوطن، كلنا يشتم ذلك، غير أن الرأس لما صار رأسين صعبَ الأمر على البدن فضاق ذرعاً.

فأطرقت جوليا والهمّ يعتصر قلبها:

- لكنهما القلب يا بابنيان، وإن شطرته كان الموت!

وأغمضت عينيها من شدة الألم.

(8)

وعاد جيتا إلى حضن أمه يلتمس الدفء، ولما آوته قالت:

- ما بك يا ابن سبتيموس تبحث عن الراحة فلا تجدها؟

- يا أمّ، دمي يكاد يقفز مني، وقلبي قدر تغلي، أحس بصوت مدوٍّ يقترب من أذني، صوت يشبه الحشرجة.

أمسكت الأم بكفيه وضمتهما بحنان:

- لعلها حمّى يا ولدي؟

- يا أمّ، الحمى ليست حشرجة، وهذا فحيح.

فأمسكت بكفيه وجعلت تقبّلهما وهي تبكي:

- هذا وهم يا ولدي....... وهم.

(9)

ورآهما كركلّا من بعيد، فانتفض من مكانه وأخذ يقترب من شبحيهما، وسار حتى وقف وراء ظهرها، ولم تكن قد أحست به بعد، ولما رأى جيتا يدفن رأسه في حضنها استلّ سيفه ثم غمده في ظهره.

وصاح جيتا بحشرجة:

- ألم أخبرك يا أمي، أخبرَني دمي بذلك من قبل أني الذبيح.

وصرخت الأم:

- ويل لك، قتلتَ نصفك يا كركلّا.

صاح كركلّا:

- لا بد من الملك يا أماه،... لا بد من الطغيان وإنْ كان أخي.

وجرى مسرعاً.

(10)

وقف بابنيان أمام الإمبراطور الجديد، كان وجهه أسود قاتماً، خالياً من الدم.

قال الإمبراطور:

- ألم يكُ متطرفاً يميل إلى الدماء، ألم يكن خطراً على عظمة روما وهيبتها، ألم يقتل جيتا نفسه بغروره؟

لم ينطق بابنيان بكلمة، وبقي صامتاً يحدق بكركلّا.

صاح الإمبراطور لما رآه ساكتاً واجماً:

- ما بك صامت هكذا؟ اخرج للعالم وأخبره بهذه الحقيقة.

ولكن بابنيان بقي على صمته، فاغتاظ كركلّا وصاح:

- انطق أيها العجوز الأبله.

قال بابنيان:

- اعلم أيها الإمبراطور أن تبرير الجريمة ما هو إلا قتل للضحية مرتين.

فصاح الإمبراطور:

- ماذا تقول أيها الأحمق؟

قال: كنت قد قتلته مرة، فهل تريد أن أقوم بقتله مرة أخرى؟

والتف الحرس حول بابنيان فاستاقوه.

(11)

واجتمع الناس حول الشيخ وجلاديه اللذين يقودونه بإذلال إلى ساحة التنفيذ، وبعد قليل تقدم فارس، ونادى:

- بأمر من الإمبراطور كركلّا حامي حمى روما وعظمتها يعدم المدعو بابنيان السوري نتيجة لخيانته مجد روما، ومخالفته أوامر إمبراطورها العظيم.

وبعد لحظات تدحرج رأس بابنيان حتى توقف عند أقدام الحشد.