طارق قدّيس

الليلة هي ليلة عيد العشاق (الفالنتاين). وبما أن نيفين مخطوبة لسامي فقد ترتب عليها تلبية دعوته للخروج معه لقضاء هذه الأمسية في أيّ مطعمٍ يختاره، حتى لو كرهت ذلك في قرارة نفسها، إذ ماذا ستقول لصديقتها فيفي أو سهير أو... أو... واللواتي اعتدن في هذه الليلة من كل سنة السهر مع أزواجهن وأصدقائهن في أماكن مميزة ومختلفة؟ وكيف ستبرر عدم خروجها مع خطيبها وتأبُّط ذراعه هذا المساء؟

إن أول عبارة يمكن أن تُرمى بها هي أنها غير سعيدة مع خطيبها، أو لربما يتبادر إلى أذهانهن أن الخطوبة كلها مفروضة عليها منذ الأساس، لذا كان عليها أن تتنازل عن كبريائها بعض الشيء وتخرج مع خطيبها الذي لم تحبه يوماً، ولم تختره باقتناع، ولم تقبل بخطبته إلا لترتاح من ثرثرة والدتها التي لم تنفك عن تذكيرها في كل صباح أنها في الثامنة والعشرين من عمرها! وليس لهذا فقط وإنما لتَلْحقَ بركب صديقاتها اللواتي تخلّصن من شبح العنوسة مبكراً، مع أنهن لا يملكن نصف الجمال الذي تتمتع به والذي كان سبباً في عدم تفكيرها بالزواج من قبلُ ولمدة طويلة.

إنها مخطوبة الآن، لكنها غير مقتنعة بخطيبها مع أنه ثري، وابن أثرى أثرياء المدينة، وذو حسبٍ ونسب يفوق ما تحظى به عائلتها المتواضعة ذات الدخل المحدود أضعافاً مضاعفة. فهو ليس وسيماً مثلها، بل إنه أصلع رغم أنه يكبرها بعام واحد فقط، وسمين بعض الشيء، عاطلٌ عن العمل لأنه لا يحتاج للعمل -على حد قوله- ولا يجيد ارتداء الملابس بشكل متناسق. هذا إضافة إلى أنه لا يجيد فنون المداعبة، والمحادثة، والمغازلة، إلى الحد الذي يمكن معه القول إنه لا يجيد في حياته سوى شيء واحد فقط.. الأكل!

لقد فكرتْ مراراً وحاولتْ مراراً أخرى أن ترفض هذا العريس المصون وكل ما سيؤول إليه من مال عند وفاة أبيه. فهذا الشاب ليس من تمنت في خيالها يوماً أن تتزوجه، لكنها في كل مرة كانت تتراجع أمام المغريات عندما تتخيل شكل القصر الذي ستسكن فيه مقارنةً بشقة أبيها المتواضعة، أو النقود التي ستنهمر عليها كالأرُزِّ، ولن تجعلها تفكر في مصروف فواتير المياه والكهرباء والهاتف، أو إيجار منزل الزوجية. غير أنها هذه المرة قررت الخروج معه مرتديةً أجمل فساتينها.. الفستان الأحمر.. والتبرج على غير العادة، إذ لطالما رفضت أن تُخفي جمالها الطبيعي خلف أقنعة الماكياج. لقد قررت الخروج معه لهدفٍ واحد فقط وهو أن تقول له إن العلاقة بينهما علاقة مستحيلة ولا يمكنها أن تستمر.

حاصِلُهُ..

اتصلتْ به. أبلغته بموافقتها على الخروج معه، فما كان منه إلا أن جاء في الوقت المحدد ليأخذها من باب العمارة إلى مطعم «الوردة الحمراء» الذي اعتادت صديقاتها ارتياده. وخلال استقلالهما السيارة إلى المطعم لم تُوجه نظرها إليه أكثر من مرتين، فيما أخذ هو يلتهمها بنظراته بين الثانية والأخرى حتى وصلا إلى المطعم، ومنه إلى طاولتهما المحجوزة في مكانٍ مكتظ بالزبائن والساهرين أينما نظرا.

لقد دخلَت المطعم دون أن تتأبط ذراعه كما يفعل العشاق، أو حتى أن تلامس بأصابعها أطراف أصابعه رفعاً للعتب. دخلت إلى المطعم وهي تتلفت يميناً ويساراً خوفاً من أن يراها أحدهم أو تراها إحداهن مع خطيبها فيتبادر إلى الذهن أنهما عاشقان.

وبسرعة سألت النادل وتمكّنت من الاستدلال على الطاولة، فسارعت إليها جالسة وهو وراءها يتبعها كظلها.

في هدوء جلسا دون كلام، حتى أتى النادل ليسجل طلباتهما، وعلى أثر ذلك بدأت نيفين بالحديث عن حلمها القديم بزيارة هذا المطعم، وهو صامت. أخذت بالحديث عن مستقبلها وطموحاتها وهو صامت. انتقلت لأشياء أخرى وهو صامت، حتى حضرت الطلبات. عندها خرج عن صمته ليقاطعها طالباً منها البدء بالأكل فاستجابت له. وبقي الصمت سيد الموقف إلى انتهى من مسح الأطباق طولاً وعرضاً، بينما هي تنظر إليه بذهول، فقد بدا لها وكأنه لم يأكل يوماً ولم يبصر مثل هذا الطعام في حياته!

ولم يكد ينتهي من أكله حتى عاد إلى صمته كالصنم، وعادت هي لتسأله عن حياته متجاوزةً كل ما رأته من تصرفات تثير الاشمئزاز. وهنا عوضاً عن الإجابة عن سؤالها أو توجيه بعض الكلمات الرقيقة إلى خطيبته أخرج لها من سترته هاتفاً خليوياً ثميناً وهو يقول لها: «نيفين، أنا أعرف أنها هدية ليست بقدر جمالك، لكن أمي نصحتني أن أهديك هذا الهاتف لأنك تحتاجين إليه»، أخذت الهاتف على مضض وهي تبتسم ببرود دون أن تشكره حتى.

فكرت قليلاً ووجدت الفرصة مناسبة لتنهي العلاقة وتعيد إليه الهاتف، ففاجأها ثانية بأن أخرج لها من الناحية الأخرى من السترة علبةً حمراء وهو يقول: «بالحقيقة نسيت! لدي شيء آخر سيعجبك. لم تنصحني به أمي وإنما أبي، لأنه لطالما اعتبره شيئاً مهماً في حياة المرأة كما يقول»، ولم يكن منه إلا أن قدَّم العلبة لها لتأخذها بتردد، ومن ثم تفتحها لتخرج منها خاتماً ماسياً براقاً ساحر المظهر والملمس لم تحلم بوضعه في إصبعها حتى في أحلامها الكبرى.

لم تتكلم حينها، بل بقيت مشدوهة بالخاتم، ولم تكد تفيق من ذهولها حتى عاودت الكرّة محاولة التخلص مما يقدمه من إغراءات إلى أن باغتها بهدية ثالثة، وقد كانت مفتاح سيارتها الخاصة. عندها صمتت.. صمتت لأن أفكارها تشوشت، وتمزقت بين السيارة، والخاتم، والهاتف النقَّال.. وهي لا تدري ماذا يُخبئ لها هذا الشاب بعدُ في سترته السحرية.

لم تخرج نيفين عن صمتها إلا لدى سماعها صوتاً يناديها باسمها، وإحساسها بيدٍ تلامس كتفها اليمنى، فالتفتت بسرعة إلى الخلف لترى صديقتها ليلى برفقة زوجها بالقرب منها، فلم تتردد نيفين بمصافحتها هي وزوجها، والدردشة معهما للحظات حتى باغتتها صديقتها برغبتها في التعرف على جليسها في هذا المساء المميز. فلم تُطِل نيفين التفكير بما ستقوله. فعَرَّفتْ سامي على أنه خطيبها بثقة وسعادة، ليقوم هو بدوره عن مقعده ويسلم عليهما.

لم تطل ليلى وزوجها الوقوف، بل استأذنا ليتوجها إلى طاولتهما الخاصة، وتعود نيفين إلى طاولتها وخطيبها، لتجد نفسها مضطرةً لإعادة حساباتها من جديد، فماذا ستفعل بوردة حمراء يُقدمها لها شابٌ تحبه ويحبها في بداية طريقه العملي أمام خاتم ماسيّ باهظ الثمن؟ وماذا ستجني لو أضاعت من يدها عريساً مُقْرِشاً مثل (سامي) سوى الندم والحسرة على ما مضى من سنوات عمرها وهي تبحث عن عريسٍ آخر على مقاسها؟

لقد استيقظت أخيراً من أوهامها لتجد الحقيقة المرّة، وهي أنه في مثل هذا الزمان ليس للحب مكان.